Translate

الجمعة، 14 يونيو 2013

الإيرانيون لا يعصرون الليمون


                          
في مثل هذا اليوم قبل أربع سنوات كنت أقف شاهدا علي طوابير طويلة من المواطنين الإيرانيين يدلون بأصواتهم في الانتخابات الرئاسية. اعترف أنني فوجئت بمثل هذا الإقبال المنقطع النظير من المواطنين الذين يعتبرون أن الإدلاء بأصواتهم أمانة وواجب وحق لله والوطن - هكذا قالوا لي.  كان من اللافت أن طوابير النساء كانت أطول بكثير من طوابير الرجال. سيدات من مختلف الاعمار والتوجهات والمشارب منهن من تحمل الكتب الدراسية والبلاك بيري ومن جاءت تحمل طفلها الوليد الذي لم يتجاوز عمره أيام ومن تنتمي الي الطبقات الشعبية ترتدي "الشادور" وهو اللباس الأسود التقليدي للايرانيات وهو  بالمناسبة ليس له علاقة بدرجة تدين من ترتديه بل يشبه الي حد بعيد "الملاية اللف" التي كانت ترتديها المصريات فيما مضي من زمن. 
جاء الإيرانيون من كل صوب وحدب وفي عيونهم الأمل في أن تأتيهم الانتخابات بالجديد .. أي جديد يحرك البحيرة الراكدة من حولهم. كان من الواضح أنها معركة تكسير عظام بين الاصلاحيين والمحافظين.
 في الأيام التي سبقت الانتخابات كان الحشد بين المعسكرين علي أشده شوارع طهران اكتست باللافتات الانتخابية ومؤيدو الطرفين يجوبون شوارع طهران في تتابع مثل موجات بشرية. تخرج مظاهرة لمؤيدي المرشحين الإصلاحيين تغني  "يادكتور سرقت الذهب والنفط وأعطيتنا أجولة البطاطس" وذلك في تهكم علي الرئيس محمود أحمدي نجاد الذي كان - حسبما قال الناس لي - يوزع علي الفقراء أجولة البطاطس بنفسه خلال الليل. وبعدها بدقائق تخرج مظاهرة آخرى لمؤيدي المحافظين تنشد الأناشيد الدينية وتقسم بالولاء لاتباع "الإمام" أي الإمام الخوميني ومحاربة "عبيد الأمريكان". 
 تجولت في العديد من مناطق طهران أرصد نبض الشارع الإيراني وكان الانقسام والاستقطاب واضحا للغاية. معظم سكان المناطق الفقيرة كانوا من المؤيدين لاحمدي نجاد حتي الشباب منهم . استطاع أحمدي نجاد ببراعة ومن خلفه المؤسسة الدينية المتنفذة أن يغذي أحلام البسطاء بأنه سيجعلهم القوة النووية الضاربة في العالم سيقفون في وجه أمريكا "الشيطان الأكبر".
قالوا لي أنه بسيط طاهر اليد يرتدي نفس الملابس التي كان يرتديها قبل أن يتولي الرئاسة. يمشي مثلهم في الأسواق ويأكل مثلما يأكلون ويقبل يد المرشد ويمتزج مع الملالي. 
علي الطرف الآخر من مدينة طهران المزدحمة والتي يخنق عادم السيارات أنفاس من يسير فيها وجدت شريحة آخري من الإيرانيين. الطبقة المتوسطة وفوق المتوسطة التي تحلم بالحرية والديمقراطية وحرية الاعلام والانترنت وأشياء كثيرة ربما لا تهم أقرانهم من الطبقات الدنيا والشعبية. لم أجد صعوبة في التواصل معهم. معظم يجيد الانجليزية بطلاقة والغالبية منهم يتحدثون بلكنة أمريكية واضحة. يرتدي الشباب منهم الملابس علي الطراز الغربي كان أحدهم كان يرتدي تي شيرت مكتوب عليه I love New York مازحته قائلة إلا تخشي من الشرطة الدينية رد قائلا "كلنا نحب أمريكا أنا احبها في العلن وهم يحبونها في الخفاء".
في وقت متأخر من الليل وقفت الفتيات اللواتي يتوفرن علي نسبة عالية من الجمال يوزعن علي السيارات المنشورات التي تدعو إلى انتخاب أحد المرشحين الإصلاحيين "مهدي كروبي" و"حسين موسوي" ( وكلاهما قيد الإقامة الجبرية منذ اربع سنوات وحتي اليوم ) قالت لي إحداهن وهي تحاول في دلال إعادة الايشارب الصغير الأنيق علي رأسها من جديد: "سننتصر هذه المرة". ولم ينتصروا ! 
اخترت أن يكون بازار طهران آخر محطة في جولاتي في عاصمة كنت أعلم أنني ربما لن أتمكن مرة أخري من زيارتها. في جنبات الحوانيت الصغيرة المتلاصقة ببعضها البعض كانت هناك بعض من أفخم وأجمل أنواع السجاد التي يمكن أن يراها أي شخص في حياته. كان واضحا أن لا تجارة ولا بيع ولا شراء. بل ركود وركود. يعتمد بعضهم علي السفر وبيعها في الخارج أو عليه انتظار ما ندر من السياح الأجانب الذين يغامرون بالقدوم إلى هذا البلد الذي تخنقه الكثير من التعقيدات والمخاطر الأمنية. في ثالث محل وقعت عيني علي لوحة مغزولة بخيوط حريرية صورة للرئيس المصري الرحل جمال عبد الناصر ! لم أتمالك نفسي من الدهشة ابتسم صاحب المحل قائلا لم الدهشة أنه زعيم وطني نحبه كثيرا ونقدره أنه مثل الزعيم محمد مصدق. وكيف يمكن للشعوب أن تنسي من ينحاز لها ويقف في وجه الإمبريالية الغربية ؟ 
كان حديث البازار مغلفا بكثير من الحذر. تعلم الإيرانيون ألا يكونوا منفتحين مع الغرباء. إنهم يعشقون الحديث في السياسة لكنهم لا يفصحون بالضرورة عمن سينتخبون. التجار منهم علي وجه الخصوص - وهم طبقة متنفذة ويحسب لها حساب - لا يمكن أن يكشفوا بوضوح عن خياراتهم السياسية ولكنهم لا يفرطوا في حقهم الانتخابي أبدا. اكتفوا بالإشارة إلى صعوبة الحياة ووقف الحال فى ظل عقوبات اقتصادية خانقة. ربما يأت الغد بجديد - قال لي أحدهم. ولم يأت الغد بجديد. 
في يوم الانتخابات نفض الجميع أحلام الليالي السابقة وارتدوا أجمل ما لديهم وذهبوا إلى الحرب ....إلى مراكز الاقتراع. كان يوما طويلا ومرهقا انتشرت فيه الشرطة بكثافة . أمرني أحدهم في صلافة أن أغلق جميع أزرار معطفي قبل أن يسمح لي بالدخول الي مركز الاقتراع الذي أقيم في أحد الحسينيات. ولم يسمح آخر للمترجمة التي ترافقني بدخول لجنة أخري علي الرغم من أنها مُعينة من قبل وزارة الثقافة والإرشاد.
طوابير الإيرانيين أجبرت السلطات علي تمديد وقت الاقتراع ثلاث مرات. قبل إغلاق المراكز طيرت احدي الوكالات الغربية خبر فوز "موسوي". قضينا الليلة ما بين تكذيب خبر وتصديق اخر وفي الصباح جاءت الأنباء بما لا يشتهي الكثيرون. تأهب الجميع وبدأ الحشد. العرس الديمقراطي الكبير تحول في اليوم التالي إلى كابوس. قضينا ساعات طويلة فى انتظار ما نعرفه بالفعل وعلينا أن نؤكده فقط "فاز أحمدي نجاد بولاية ثانية" 
لم ينتظر الإيرانيون مثلنا إعلان النتائج الرسمية وبدأت الاحتجاجات والملاحقات من شارع لشارع والضرب بالهروات وإطلاق الأعيرة النارية. خرج الإيرانيون غير مصدقين كانوا يعلمون أنهم أختاروا بوعي وعن ثقة في المستقبل. وحدثت الخديعة وتم تزييف إرادتهم. هذا ما كانوا يقولون لي والشرطة تلاحقنا معا من شارع لشارع. 
كان أخر يوم في طهران . ذهبت برفقة بعض الزملاء إلى مكان بعيد نلتمس قدرا من الراحة بعد ثمانية أيام من العمل الشاق. في الطريق كان واضحا أن الغضب أخذ مداه. مع دقات الثامنة مساء أطلق جميع سائقي السيارات صفارات سياراتهم وأطفئ من في البيوت الأنوار .. سبحت طهران في الظلام لدقائق. أخذت تروي المترجمة - وهي من أصل عراقي ولا تجرؤ حتى على نطق اسمها الحقيقي "شيماء" واستبدلته باسم فارسي "شيوا" كيف أن زوار الفجر أخذوا جارها الشاب ذات يوم ليعود بعد عشر سنوات كاملة في السجن وهو حطام إنسان سألتني في حسرة : "هل هذا هو الدين ؟ إذا كانوا المتدينون يفعلون ذلك فماذا يفعل الكفار؟" 
هناك علي الجبل كانت الأمور أكثر هدوءا إلا من بعض الشباب الذين كانوا يبكون في الشارع حزنا صرخ بعضهم فينا "مبسوطين ؟ عاد أحمدي نجاد سيظل كابوسا لأربع سنوات" وظل كذلك
عندما هبطنا إلى الشارع بعد راحة قصيرة لم نعد إلى نفس المدينة تبدلت فى ساعات. لا تنمحي من ذاكرتي صورة فتاة بارعة الجمال صبغت أظافرها ببراعة بلون أحمر وتحمل بكل عناد حجرا كبيرا وتدق في عنف وجنون على الحواجز الحديدية ويتردد الصوت نفس الصوت فى كل أنحاء طهران. 
كان من المحزن جدا أن أشهد هذه التقلبات ما بين الأمل والرجاء واليأس. 
لكنهم عادوا من جديد بعد أربع سنوات ... بامل جديد فى الغد وأن المعجزة ستحدث ذات يوم وتتحقق إرادتهم السياسية .. فالإيرانيون لا يعصرون الليمون.. 

الاثنين، 22 أبريل 2013

مصر منورة بأهلها


مصر منورة باهلها
لا تكف مصر المحروسة عن تفجير بالونات الدهشة فى وجه أى شخص يتابع جنونها وتقلباتها وشطحاتها. ما أن يبتعد المرء عنها بضع أسابيع حتى يعود إليها فيجدها دولة غير الدولة وبلد غير البلد. 
وقد لا يلاحظ من يعيش فيها هذه التقلبات والشطحات كثيرا. لكن من يبتعد عنها قليلا يعيش صدمة حضارية فى كل مرة يعود فيها إليها.  وأضافت مصر بعد الثورة لجنونها وتقلبها وتغيرها الكثير من البهارات والنكهات والألوان. القليل منها يثير الإعجاب والبعض يثير الضحك والكثير يثير الأسى. فلا تعرف أين أنت من كل ذلك. 
سائق التاكسي في شوارع القاهرة يعتبر بالنسبة لى ترمومتر الحرارة لما يحدث في الشارع المصري. وأشعر بالفعل أنه يعكس ما يدور في قلب وعقل المواطن المصري دون فزلكة أو تحليلات سياسية أو شروح مطولة فى الاقتصاد. ولأنني أخاف دوما قيادة السيارات فى شوارع المحروسة ولا اجرؤ على مغامرات المواصلات العامة فاعتمد فى كل تنقلاتى علي التاكسي. 
في الصيف الماضي قال لى معظم سائقى التاكسي : "أنا اخترت الرئيس مرسي والاخوان المسلمين علشان بيعرفوا ربنا كفاية بقى فساد" عندما جئت إلى مصر في زيارة عمل فى شهر يناير تكررت على مسامعي من نفس الشريحة -شريحة سائقى التاكسي عبارة " أنا ما انتخبتش الاخوان ولا انتخبت مرسي". وفى زيارتي الأخيرة فى أوائل الشهر الجاري تبدل الحال من جديد وأصبحت العبارة الدارجة على لسان رفاق طريقى من سائقي التاكسي "أنا انتخبت اللواء شفيق" وزاد أحدهم عبارة "دا انا كنت رايح اهنيه" وقبل أن أغادر البلد بعد زيارة لم تدم أكثر من أسبوعين كان سائقو التاكسي يؤكدون لى : "عايزين مبارك يرجع أنا ح ابوس أيده يرجع" 
هذا عن تقلبات رجل الشارع المصري وتبدل آراءه من النقيض إلى النقيض. 
فى يوم واحد طالعت أربعة أخبار فى صحيفة واحدة جعلتني أضحك طويلا ( من الغلب ) وأقول لنفسي سبحان الله ! 
الخبر الاول أن القضاة يتنحون بالجملة عن محاكمة الرئيس المخلوع مبارك وأن هناك حيرة وتوترا بين القضاة خوفا من نظر القضية المتهم فيها. 
والخبر الثاني يقول إن الدفاع عن المتهمين فى قضية تهريب السجناء من سجن وادي النطرون أثناء ثورة ٢٥ يناير طلب من المحكمة استدعاء الرئيس الحالي محمد مرسي للاستماع إلى شهادته بصفته "مسجونا سابقا"!  ولسؤاله عن كيفية هروبه من السجن وكيف حصل على هاتف "الثريا" الذي تحدث من خلاله إلى قناة الجزيرة القطرية. 
أما الخبر الثالث فكان عن "تكريم" جامعة الأزهر الدكتور أسامة العبد رئيس الجامعة الذي أُقيل على خلفية تسمم آلاف الطلاب بالمدينة الجامعية ( أي والله) 
أما الخبر الرابع فكان عن وزير الاعلام صلاح عبد المقصود الذي وجهت اليه صحيفة شابة أثناء حديثه عن سؤالا يقول " أين هى حرية الاعلام والصحافة ؟" فما كان من الوزير اللامع أعزه الله إلا أن رد بالقول : "ابقي تعالى اقولك فين" ! 
لست مولعة بفكرة ماذا يمكن أن يكون أو ماذا يجب أن يحدث. لكننى مغرمة بقراءة الواقع حد الإدمان. ولا انشغل كثيرا بالدراسات الاجتماعية والجيوسياسية والمؤشرات الاقتصادية قدر انشغالي بما يقول البشر. 
والبشر فى بلادي اليوم -كما رأيتهم- يتخبطون كثيرا ولا يعرفون الصواب والخطأ. الناس تعبوا كثيرا ولم يعد لديهم قدرة على استيعاب ما يحدث. لم يعد لديهم الرغبة فى أن يحتملوا المزيد من التخبط والأخطاء المتكررة. لديهم خيبة إمل كبيرة فيما يحدث ولا يعرفون متى ينتهي هذا الكابوس ليس لديهم مانع حتى من أن يرتدوا من إجل لقمة العيش الثوب القديم الذى مزقوه فى حالة صحوة نادرة لا تتكرر إلا كل مائة سنة. 
لا يعرف الناس اليوم من المجرم ومن المظلوم. من السجين ومن السجّان .. لا يعرف الناس من يستحق العقاب ومن يستحق التكريم .. لا يعرف الناس اليوم هل يضحكون من الغباء إم من الوقاحة. 

الأربعاء، 17 أبريل 2013

ماجي .. رحلت في هدوء وتركتهم يتحدثون …



من الصعب الا يتوقف المرء أمام رحيل بعض الشخصيات ويتحدث عنهم . من الصعب أن يكون المرء يعيش في المملكة المتحدة ولا يتحدث عن مارجريت ثاتشر وعن رحيلها وعن حياتها وسيرتها. فالسيدة ثاتشر كانت - ولا شك- قامة تاريخية بمعني الكلمة. لكنني لا أود أن اتحدث بكلام عما يعرفه الكثيرون من أنها أول سيدة ترأس الحكومة البريطانية ولا عن سياساتها الاقتصادية التي اخرجت علي قسوتها بريطانيا من نفق الركود الاقتصادي ولا عن حربها الضروس مع النقابات العمالية والتي نجحت فيها واستحقت عنها لعنات العمال والبرولتاريا حتي الان. لكنني اتوقف أمام الأرث الانساني لهذه السيدة. 
المجتمع البريطاني لمن لا يعرف مجتمع تقليدي بامتياز بطبيعته وليس لتدينه. هذا المجتمع مازال فيه الناس يقولون للنساء حين يلدن بنتا "تهانينا" وحين يلدن صبيا "احسنت صنعا". يذكرونني دوما بالعائلات الصعيدية. وأعرف في محيطي الصغير ثلاث عائلات مزينة بثلاث فتيات. فالطبيعي أن تنجب العائلات طفلين ولكن لمن لم يحالفها الحظ بانجاب صبي تحاول المرة الثالثة. لكنها غالبا تتوقف بعد ذلك عن المحاولة لاسباب اقتصادية. فانجاب الاطفال وتربيتهم من أعلي النفقات التي تواجهها أي أسرة بريطانية. 
لا يفصح البريطانيون كثيرا عن تفضيلهم الصبيان عن البنات وجري العرف في السنوات الاخيرة أن تتحدث النساء البريطانيات عن فضيلة انجاب البنت او أن البنت زي الولد. لكن هذا الحديث يبقي مردوده علي النطاق العملي محدودا. فاذا نظرنا مثلا لمصروفات المدارس الخاصة ومعظمها تفصل بين الاولاد والبنات نجد فروقا كبيرة. مصروفات مدارس الصبيان أعلي بشكل كبير من مصروفات مدارس البنات وهو ما يعني أن العائلة تقبل علي دفع أكثر لتعليم الصبي تعليما خاصا. 
في الاطار الديني مازالت الكنيسة الانجليكانية ترفض حتي اليوم ترسيم "قس امرأة" وقد كانت هذه معركة شرسة خلال الشهور الماضية وباءت محاولات النساء دخول السلم الكنسي بالفشل. وأثارت قضية ما اذا كان يجب السماح للنساء بكسر حاجز الفصل الجنسي لتتولي مناصب رفيعة في الكنيسة جدلا واسعا. 
نظرة بسيطة إلي المرأة البريطانية في مجال العمل تؤكد أنها مازالت تحصل علي أجر أقل من نظيرها الرجل عن نفس العمل. وأن نسبة النساء في المناصب القيادية مازالت أقل بكثير من الرجال. 
كل ذلك يدل علي أن المجتمع البريطاني - علي كل التقدم الذي احرزه في المجال الحقوقي والانساني- مازال لا يعترف بالمساواة في الواقع العملي وشتان بين الواقع وما هو مكتوب من قوانين ووثائق علي الورق. ومن هنا تعتبر تجربة مارجريت ثاتشر تجربة نادرة وثرية واستثنائية أيضا. فلم يكن علي "ماجي" تخطي هذه الحواجز الذكورية فحسب لكن كان عليها أن تثبت نفسها فى مجال السياسة ايضا. وهو مجال ذكوري طبقي بامتياز. 
فلم يعرف ابدا أن السياسة البريطانية تحفل بوجود نساء لا فى المناصب القيادية ولا مناصب الصف الثاني حتي سنوات قليلة مضت. وعندما اختار توني بلير خمس عشرة سيدة دفعة واحدة حتي يكن في فريقه الوزاري في أوائل التسعينيات .. اطلقت عليهن الصحافة الشعبية لفظ "بلير تشكس" أي "دجاجات بلير" وهذا اللفظ يحمل بالطبع قدرا من السخرية وقدرا من التدليل في أن واحد ولكن مدلوله واضح بالطبع. حدث هذا بعد سنوات طويلة من نجاح مارجريت ثاتشر في الوصول للمرة الأولي الي سدة الحكم ورئاسة الحكومة البريطانية كأول امرأة في التاريخ ترأس حكومة بريطانية عن طريق الانتخاب وليس ذلك فحسب البقاء علي رأس الحكومة ثلاث مرات متتالية. 
لم تبرز ثاتشر في بيئتها السياسية الطبيعية. فقد كان الأجدر مثلا أن تكون سياسية في حزب العمال باعتبار أنها تنتمي إلي هذه الطبقة الاجتماعية وكان من الطبيعي في هذه الحالة أن يحتضن حزب العمال أو حتي حزب الاحرار الليبراليين "ابنة البقال" كما كان خصومها في حزب المحافظين يسخرون منها. لكنها اختارت أن تأتي من طبقة الشعب العاملة الكادحة لتقهر الطبقيين المحافظين في عقر دارهم!
كانت هذه طريقتها المميزة والخاصة جدا للنجاح أن تسبح عكس التيار أن تتميز في البيئة التي لا يمكن لمثلها أن تبرز فيها. أن تتميز كفتاة كسيدة من الطبقة العاملة الكادحة في بيئة ذكورية طبقية محافظة. لا يذكر كثير من البريطانيين اليوم "الحقبة الثاتشرية" بكثير من الاعجاب والحنين فقد كانت حقبة صعبة في حياة البريطانيين الذين اختاروا رغم كل شيء أن يعطوا رهاناتهم  السياسية ل "المرأة الحديدية" التي خلقت نموذجا اقتصاديا قاسيا ليس بالضرورة لاقتناعهم بصواب ما تفعل لكن لانهم يخشون التغيير والتبديل يخافون من المجهول وخبرتهم مع حزب العمال لم تكن سعيدة ايضا
فلم يعرف عن حزب العمال في الستينيات أنهم اقتصاديون مهارون أبدا وكان انقياد الحزب انقيادا أعمي للنقابات العمالية بشططها واهواءها الشخصية وتمترسها الدائم وراء سلاح الاضرابات الدائمة الاثر السلبي الكبير لدي المواطن البريطاني الذي يود العمل والانتاج. اجتماعيا وجهت ثاتشر ضربة قاصمة لقيم العائلة حتي دون أن تدري. 
وقبل اسابيع كنت اتحدث لزميل لي تجاوز منتصف الثلاثينيات عن السبب في احجامه عن الزواج وانجاب الاطفال فقال لي "السبب ثاتشر" فقد رسخت لدي جيلنا من البريطانيين أن لا فائدة ترجي من الكفاح من أجل عائلة فالامر لا يستحق العناء. وهذا ليس رأي زميلي فحسب فنظرة علي الخريطة السكانية تنبئ بأن المجتمع البريطاني أصبح مجتمعا هرما. ف ستون بالمئة من سكانه ممن فوق سن الخامسة والخمسين وعزوف الجيل الجديد عن الارتباط العائلي وانجاب الاطفال أصبح الغالب والسائد. 
لا يمكن اغفال مما حققته ثاتشر من انجازات اقتصادية وسياسية ولا يمكن القول إن حقبتها كانت ظالمة في مجملها. ولا يمكن ايضا اعتبار أنها شخصية عادية. استوعبت "ماجي" دروس الماضي بشكل ايجابي وكان لها من العقلية السياسية والنظرة الثاقبة ما اهلها للبقاء علي سدة الحكم ثلاثة دورات انتخابية متتالية. اتخذت قراراتها بمنتهي الحزم وتحملت بكل شجاعة ( واحيانا بكل صلف) نتائج سياساتها الي أن قهرها توني بلير بنفس سلاحها. تعلم منها الجراءة السياسية وأن الحكم بيد ضعيفة لا يكتب له البقاء. 
التاريخ لن يغفل مارجريت ثاتشر ابدا عندما يكتب صفحاته لكنه لن يتذكر الضعفاء من الحكام والسياسيين الذين ينتظرون اشارة من الأخرين.  

الأحد، 3 مارس 2013

وللاحتجاج ثقافة ....


وللاحتجاج ثقافة ..
قد يظن البعض أن التظاهر والاحتجاج يلازم الأمم التي تشهد حراكا سياسيا وتغيرات إيدلوجية. لكن الواقع مغاير لذلك تماما. والحقيقة أن التظاهر والاحتجاج سمة تلازم أكثر المجتمعات ديمقراطية ، بل وتفخر المجتمعات الديمقراطية بأنها تكفل حق التظاهر والأحتجاج وتعتبر أنه واحدا من أنجع وسائل التعبير السياسي. دولة مثل بريطانيا تفاخر بأنها واحدة من أعرق الديمقراطيات الحديثة وتتمتع بتقاليد برلمانية راسخة ، يدرك المجتمع فيها أن الكثير من الحقوق السياسية والمدنية التي يتمتع بها اليوم لم يكن ليحصل عليها إلا بفضل مواطنين كان لديهم الشجاعة ورباطة الجأش في الخروج إلى الشارع والتظاهر للمطالبة بالحقوق ومزيد من الحريات.

كما أن الحقوق العمالية التي يتمتع بها الشعب البريطاني أيضا لم تأت وليدة الصدفة أوهبة من البرلمانيين القابعين تحت قبة ويستمنستر أومنحة من الحكومات المتعاقبة ،  لكنها جاءت ثمرة صراع مرير بين الحكومة والعمال . وللعمال البريطانيين مع الأضرابات والمواجهات تاريخ ليس من المبالغة وصفه بالدموي. وأشرس هذه المواجهات بين حكومة المرأة الحديدية مارجريت ثاتشر وعمال المناجم في الثمانينيات والذين استمروا عاما كاملا من الأضراب عن العمل بعد أن رفضت ثاتشر تعديل برامج مجلس الفحم الحجري الخاصة بأغلاق المناجم. كانت معركة طاحنة كسبت فيها أول رئيسة حكومة في تاريخ بريطانيا الجولة ..لكن سمعة العداء للعمال وانتهاك حقوقهم بقيت تلاحقها طوال تاريخها السياسي. 

لم يكن الطريق ممهدا وسهلا وقد يندهش البعض إذا ما عرفوا أن الحق في التظاهر السلمي لم يكن معترفا به في بريطانيا حتي عام ألف وتسعمائة وثمانية وتسعين بعد أن تم إقراراتفاقية حقوق الأنسان . وقد استغرق تنفيذ بنود هذه الاتفاقية قرابة عامين ودخلت حيز التنفيذ تحديدا في أكتوبر عام ألفين. حينها وحينها فقط أصبح التظاهر السلمي محميا بمقتضي القانون. حيث تنص الأتفاقية علي حماية حق التعبير وحرية التجمع والتظاهر بغرض الاحتجاج. وتحظر الأتفاقية في نفس الوقت علي الحكومة وأجهزة العامة ومن بينها الشرطة من انتهاك هذه الحقوق

لكن هذا الحق ليس مطلقا بل هو محكوم بعدة قوانين يمكن أستخدامها ضد المتظاهرين لمنعهم من التظاهر السلمي. وخلال السنوات القليلة الماضية تم إقرار تشريع للتعامل مع حالات بعينها من منع التظاهر إذا ما كان هناك مخاوف من وقوع عمليات إرهابية أو إجرامية أوإذا ما كان في ذلك اخلال بالنظام العام وكذلك ما يوصف بالتصرفات غير اللائقة اجتماعيا. وتخول هذه التشريعات للشرطة منع التظاهر اذا ما أرتأت ذلك حتي وإن كان سلميا. 

وقد شاهدنا كيف اعتقلت الشرطة البريطانية عددا من الفتيات الاوكرانيات اللائي تظاهرن عاريات الصدر احتجاجا علي قرار اللجنة الأولمبية السماح للاعبات مسلمات بأرتداء الحجاب في منافسات أولمبياد لندن. حيث كتبت الفتيات اللاواتي ينتمين لمنظمة تدعي "فيمتن" علي صدورهن العارية "أولمبياد العار" و" لا للشريعة الإسلامية". ورأت الشرطة أن الاحتجاج غير لائق أجتماعيا وتم ترحيل الفتيات الأربع بعد أن وصمن بالطبع الشرطة البريطانية بالديكتاتورية والهمجية وعدم مراعاة حق أساسي من حقوق الانسان ألا وهوحق التعبير.

هذا بالطبع ليس المثال الوحيد وهناك أمثلة عديدة علي قيام الحكومة بألغاء الحق في التظاهر سلميا لما تراه من مصلحة عامة. وفي الواقع فأن الحكومات -أيا كانت- لا يسعدها علي الأطلاق رؤية هذه المظاهرة أوذلك الاحتجاج وهي علي الدوام تدين الأضرابات العمالية وتتهمها علي الفور بتعطيل مصالح الناس والأنانية وعدم المرونة وووو وغيرها لكن هذا لا يحول دون التظاهر والأضراب بل علي العكس يكون أحيانا الوسيلة الأسرع والأنجح في تحقيق المطالب. 

في فورة الاستعدادت لدورة الالعاب الاولمبية في لندن أعلن العاملون في قطاع الجوازات والتأشيرات في المطارات الأضراب عن العمل يوم واحد قبل انطلاق الأولمبياد . قامت الدنيا ولم تقعد واتهمتهم الحكومة بمحاولة تخريب العرس الرياضي الكبير وتخيلوا الرياضيين العالميين قابعين علي أرضية المطارات يوم وليلة لأنه لا يوجد من العاملين من له سلطة فحص جوازات سفرهم والسماح لهم بدخول البلاد. 
أصر العاملون علي موقفهم ولم يأخذ عامة الناس موقفا عدائيا من العاملين لم يتهمونهم بأنهم ليسوا وطنيين ولا يستحقوا شرف الانتماء للتاج البريطاني بل وجههوا اللوم للمسؤوليين والحكومة التي فشلت في تلبية مطالبهم . وكان التكتيك ناجعا وشافيا وسريعا بالفعل واضطر ممثلو الحكومة للجلوس إلي طاولة المفاوضات والأستجابة لمطالبهم العادلة.

تكرر المشهد بتفاصيل أخري في يوم السادس والعشرين من ديسمبر وهو اليوم التالي لعطلة يوم عيد الميلاد (الكريسماس) والذي يعرف باسم بوكسنغ داي وهو أكبر يوم في العام للتخفيضات والمشتروات وتنتظره العائلات طوال العام للحصول علي مشترواتها والسلع المعمرة كما تنتظره المحال التجارية لتعويض خسائرها في المبيعات .. لكن عمال مترو الانفاق قرروا الاضراب عن العمل فى هذا اليوم بالذات لالحاق اكبر ضرر ممكن بالهيئة والقائمين عليها
وأضطر الناس لركوب الباصات أو غيرها وقضوا ساعات بدلا عن ساعة . كان هناك حالة سخط وقتي لكن  لم يلم احدا سائقي المترو علي استخدام حقهم القانوني في الأضراب لكنهم ألقوا باللوم علي الهيئة المنظمة لخطوط المترو والحكومة التي لا تستجيب لمطالبهم .

ولكن بالتوازي  مع حفظ الحق في التظاهر ..علينا ألا ننسي أيضا أن للاضراب قواعد وأصول. فالدعوة إلي الأضراب يجب أن تستند لمطالب حقيقية وعادلة ـ علي الأقل من وجه نظر العمال. كما يجب أن تدعو إليه نقابات عمالية بعد إجراء تصويت بين أعضائها ويجب أيضا أخطار صاحب العمل قبل الاضراب بعدة أيام حسبما ينص القانون واللوائح.  

نفس القواعد تنطبق علي التظاهر السلمي . وفعليا من حق أي مواطن بريطاني أن يدعو لمظاهرة احتجاج  وما عليه سوي أن يبلغ الشرطة بمسار المظاهرة والشوارع التي ستسير فيها قبل موعد المظاهرة بست أيام حتي يمكنها أن تعلم الجهات التي قد تتأثر بمسار هذه التظاهرة مسبقا فتنصح العاملين فيها مثلا بتغير مسار ذهابهم الي العمل أوغير ذلك وحتي يمكن للشرطة تأمين سلامة المشاركيين فيها ( وليس اعتقالهم ) وحتي تتمكن أيضا من توفير عربات اسعاف في حالة وقوع تدافع أوحالة صحية طارئة. 

ليس من حق الشرطة البريطانية قانونا الاعتراض علي مسار مظاهرة ما لكنها قد تنصح بذلك أو تقدم سببا معقولا لتغير المسار. ليس من هذه الاسباب سير مسؤول أو رئيس أو حتي أمير ويذكر الجميع كيف أن سوء طالع الامير تشارلز ولي العهد البريطاني ألقي به في خضم تظاهرة حاشدة لطلاب  كانوا يحتجون علي ارتفاع نفقات التعليم الجامعي ف "عملوا معاه الصح " بتعبير الثوار المصريين. 

جوهر التظاهر والاحتجاج والأضرابات هو الخروج عن نمط الحياة وسياقها العادي للتوقف والالتفات لحقوق مشروعة وأولها الحق قي التعبير والحق في المناداة بمطالب مشروعة .. التظاهر والاحتجاج أذن لا خوف منه فهو وسيلة مشروعة وسليمة ومنطقية وناجحة للحصول علي الحريات والحقوق ـ لكن عندما يتم استخدامها بالشكل الصحيح والفعال.   

الأربعاء، 20 فبراير 2013

بنت الأبلة فكيهة



في سنوات عمري الصغير لم اقدر أبدا ولم افهم مغزي هذه المناداة. بالنسبة إلى كانت مجرد مناداة مجرد تسمية مثل اسمي "صفاء". كان جميع من حولي ينادوني "بنت الابلة فكيهة". 
 لم أجد غرابة أو حرجا أوحتي مجرد تساؤل يقفز إلى ذهني أو دلالات لهذه التسمية. تعاملت مع الاسم بشكل طبيعي واحيانا كثيرة بقدر من الفخر لان والدتي مدرسة في نفس مدرستي وفي سنوات تالية مفتشة في التربية والتعليم تراقب عمل المدرسين وتقيمهم وتقوم عملهم وفي بعض الأحيان كانت تدرس في الفصل فيتعلم التلاميذ والمدرسين في آن واحد. 
كل ما اذكره من هذه الكنية وقتها أن علي واجب إضافي أن أكون مثالا للانضباط ولا أقل من ذلك. ف "بنت الابلة فكيهة" ليس مسموحا لها أن تنسي الواجب أو الدفاتر أو الكتب مثلا. ناهيك عن إساءة التصرف أوحتي الشقاوة الطفولية. كان هذا حالي وحال أخوتي الخمسة:  "أولاد الابلة"  
بعد سنوات بدأت أدرك أشياء أخري في المحيط الذي أعيش فيه .. لم يكن مقبولا في بلدتي الصغيرة في أقصي صعيد مصر أن يُذكر اسم النساء علانية هكذا فهي أم فلان أو زوجة فلان واحيانا لا تنادي المرأة باسمها أبدا ولا يعرف لها اسم في غالب الأحوال الاسم اسم المرأة مسالة سرية للغاية .. ويشعر أي شخص تقريبا بالإهانة لمجرد أن يُسأل عن أسم والدته. وإن اضطر لذكر اسمها في مصلحة حكومية كان يهمس بالاسم. 
وبقي أسم أمي معلنا دون أدني حرج لنا ولها والاهم من ذلك لم يكن يزعج أبي قط يوما أن يُنادي علي زوجته باسمها وهو الذي تربي وعاش طوال حياته في اقاصي الصعيد. كانت أمي تختلف عن والدته التي كان يحبها حبا جما ولم اسمعه يوما يجادلها أو يرد لها طلبا. لكنه كان يدرك أن أمي من جيل مختلف تعلمت وعملت واختارت أن تكون بجواره لا خلفه. لم يطلب يوما من أمي أن تكون مثل جدتي. لم يشعر بالحرج أو الانزعاج أن يُنادي علي أطفاله باسم زوجته. وهو  مدير لمدرسة ثانوية في بلدة صغيرة وفوق ذلك يدير بعد الظهر عملا خاصا يحتم عليه الاختلاط بالناس من جميع الطبقات المتعلم والجاهل ..المتفتح والمنغلق ..البائع في الشارع والطبيب 
فى بعد تال كان لأمي معركة أخري ... هي معركة كل امرأة عاملة وأم. أن توفق بين متطلبات عملها وواجبات بيتها وأسرتها وللأمانة لا اعرف أبدا حتي يومنا هذا كيف فعلت ذلك في زمن لم يكن فيه "هوم ديلفري" ولا البقال بالتليفون ولا وجبات الميكروييف والخضار المجمد. ولم يكن الأسر والعائلات من الطبقة المتوسطة أمثالنا تعرف المطاعم سوي في الأعياد والعطلات الصيفية. لا أعرف كيف كانت تعمل ستة أيام في الأسبوع وتربي خمسة أطفال وتطهو بمعدل ثلاث أو اربع مرات في الأسبوع .. ولا أدري كيف كان في ثلاجتها كل يوم طبق حلو بعد الأكل المعتاد لزوجها واطفالها ومن يأتي فجأة لزيارتها من الاقارب والجيران. لا استطيع أن اتخيل كيف استطاعت أن تخيط ملابسنا الشتوية والصيفية ؟ كيف تمكنت ببراعة أن تعيش في حياة كل طفل من أطفالها الخمسة فهذا يريد أن يسافر في رحلة مدرسية وهذه ترغب في تعلم الانجليزية وتلك (أنا)  تريد أن تشارك  في جميع الحفلات المدرسية وكان عليها أن تخيط ملابس فريق الموسيقي وفريق المسرح. مجهود لا يقدر عليه فريق متكامل من الطباخين والخياطيين والمربيات. 
وفي بعد ثالث كان علي أمي أن تشق طريقها بثبات في مجتمع صعيدي ذكوري محافظ لا يعتد بقيمة المرأة وعمل المرأة. وكانت أمي "قاهرية" غريبة لم تكن ابنه ذلك الرجل أو أخت لآخر. لم يكن في يديها من سلاح سوي عملها وإخلاصها ودأبها.  لم اسمع أمي يوما تقول إنها ستترك العمل وتهرب من المسؤولية والإرهاق والتعب علي الرغم أن صحتها لم تكن يوما علي ما يرام. ظلت تعمل قرابة أربعين عاما أو أكثر من حياتها. دون كلل أو ملل وبقيت دائماً كما هو "المعلم الحق" تعلم كل من حولها وتنير لهم الطريق. أولادها أطفالها في المدرسة الأقارب والجيران. ف استحقت عن جدارة لقب "الأبلة فكيهة" 
أنا لا اكتب مرثية لأمي فهي في غني عنها اليوم وهي في ذمة خالقها .. أنا أكتب مرثية لجيل بأسره. لم تكن "الابلة فكيهة" وحدها. كانت هناك "أبلة نادية" و "أبلة ليلي" و "أبلة جوزفين" وكثيرات من جيل نساء عرفن قيمة العمل وعرفن قيمة خدمة المجتمع. نساء اكتسبن عن حق احترام كل من حولهن. أني أرثي هذا الجيل الفذ من النساء واللاواتي عرفن قيمة أنفسهن قبل أن يطلبن من المجتمع أن يعرف قيمتهن. جيل لم يكن مهووسا بما يجب أن يرتدي من ملابس أو في أي المساجد يصلي فكانت الحشمة تكفي والصلاة في البيت في وقتها تكفي . لم يكن لدي هذا الجيل من النساء وقت يضيعن أمام شاشات التلفزيون العامرة ممن يطلق عليهم زيفا مشايخ المهوسيين بجسد المرأة وفتنتها وعفتها وختانها ونصفها الأسفل باختصار. 
 لم يكن نساء هذا الجيل يقضين ساعات علي فيسبوك والانترنت في قراءة نصائح تافهة وغبية عن الطاعة العمياء للزوج والاستماع الي فتاوي إن كان يحل للبنت أن تجلس مع أبيها دون محرم.
أمهاتنا كن يقضين الوقت في تعليم أطفالهن والعناية بهن وتعويضهم بالاهتمام في ما تبقي من اليوم بعد العمل. لم يكنّ بحاجة لإظهار الطاعة وقسم الولاء للزوج. فقد تعاهدن مع شركاء حياتهن علي الوفاء في السراء والضراء علي بناء حياة سليمة واقعية وحقيقية وتربية الأبناء علي القيم وحب العلم والتفاني في العمل. كن هن أنفسهن أفضل معلم وأفضل مثال علي كل قيمة من تلك القيم 
طوبي "للابلة فكيهة ورفيقاتها" 

الخميس، 24 يناير 2013

سلام علي الشهداء الأحياء

كتبتها من سنة ....في عز ضرب الثوار في التحرير ...وح اكتبها تاني 

يعتصر الخجل روحي عندما احادثهم هاتفيا وأنا في مقعدي الدافئ الوثير ....اخجل من غربتي وقلة حيلتي وأنا اسمع اصواتهم الهادئة الواثقة وسط قنابل الغاز وطلقات الرصاص وضربات العصي .."اطمئني" ...."نحن بخير الحمد لله" ..."إن الله معنا" .يقولونها تباعا....هؤلاء الذين تركوا متاعهم القليل وحملوا اكفانهم وخرجوا من أجل حرية وكرامة الوطن ..فايقن أنهم ارتقوا عن منزلة البشر ...اصبحوا شهداء احياء ...
سلام عليكم ايها الشهداء الأحياء في التحرير

الخميس، 20 ديسمبر 2012

القضاء وذاكرة الأفيال



 مشهدان لا تبرح وسائل الأعلام البريطانية أن تطرحهما مرة تلو الأخري هذه الأيام . وبقدر الألم الذي تستحضره الحادثتان  يأتي معهما اليقين بأنه عندما يتعلق الأمر بحقوق الضحايا .. فان القضاء البريطاني يتمتع بذاكرة الأفيال.
المشهد الأول ترجع فصوله الي عام ألف وتسعمائة وتسعة وثمانين .. الي حادثة شهيرة عالميا فهي تظل أسوأ كارثة في ملاعب كرة القدم علي الإطلاق ولا يضاهيها في ذلك سوي مذبحة بورسعيد. حيث قُتل ستة وتسعون من مشجعي فريق ليفربول سحقا بالأقدام في  ملاعب نادي شفيلد فيما يعرف إعلاميا بكارثة هيلسبرة.
خلصت تحقيقات الشرطة وقتها إلي أن عدد كبير من الضحايا - وبينهم أطفال - كانوا مخمورين كما أرجعت تضاعف عدد الضحايا الي ما يعرف بثقافة الهليجنيز بين المشجعين الأنجليز والتي تقارب بدروها أسلوب اولتراس الأهلي أو وايت نايتس الزمالك في الملاعب المصرية .

هذا الأسبوع أصدرت المحكمة العليا حكما بضرورة فتح التحقيق من جديد في القضية بناء علي تحريات النائب العام الذي وصل الي قناعة أن التحقيقات التي أجريت قبل ثلاثة وعشرين عاما - والتي خلُصت الي أن الأمر كان حادثا مأساويا - غير كافية وينقصها الكثير من العناصر التي يمك أن تحدد المسؤولية الجنائية عن وفاة هذا العدد الكبير من الضحايا في ظروف أقل ما يوصف أنها غير طبيعية. وألمحت وزير الداخلية "تريزا ماي" الي أن التحقيق سيطال أيضاً إتحاد الكرة الإنجليزي ومجلس بلدية شافيليد لسماحهما بإقامة المباراة في ملاعب نادي شافيليد - علي الرغم من أنها لا تمتلك شهادة تثبت صلاحية عناصر تأمين إقامة مثل هذه المباريات.
التحقيق الجديد سيطال بالطبع شرطة شافيليد والتي وُجهت اليها أصابع اتهام بتلفيق أدلة للضحايا والزعم بأنهم كانوا مخمورين وقت الحادث - حتي الاطفال منهم . ولذا سيجري التحقيق الجنائي بموازة تحقيق داخلي تجريه الشرطة لتحديد المسؤولين عن هذه المخالفات الجسيمة. 

لم يكن الطريق سهلا واستغرق الأمر عملا شاقا ومضنيا من أسر الضحايا علي مدي ثلاثة وعشرين عاما من أجل تحقيق العدالة لذويهم الذين لاحقتهم سمعة المارقين المخمورين الخارجين عن النظام والقانون. لم يأبه أسر الضحايا بالتقارير الصحفية التي نهشت سمعة من يحبون ولا لتقارير الشرطة التي كان كل همها أن ترتب "تقريرا" يلوم الضحايا فقط لأن لا صوت لهم. فكانوا هم صوت قتلاهم.

 لم يكتفوا بالصراخ والعويل والوقوف علي أبواب الحكومة يطلبون العدالة الضائعة بل بحثوا عن نائب في البرلمان تبني قضيتهم وتقدموا بعريضة جمعوا عشرات الآلاف من التوقيعات عليها لفتح التحقيق من جديد. ووقفوا هذا الأسبوع أمام مقر المحكمة العليا يحضنون بعضهم البعض ويهنئون أنفسهم علي ما حققوا. الأمر الآن في يد العدالة التي لن تخذلهم هذه المرة فقد علم الناس جميعا أن ليس بوسعهم أن يقتلوا هؤلاء الضحايا مرتين. 

المشهد الثاني بطله مقدم برامج شهير في تلفزيون بي بي سي اسمه "چيمي ساڤل " طالما كان وجها معروفا ليس فقط في دوائر الأعلام ولكن كوجه اجتماعي شهير. عُرف بمساهماته السخية في كبريات الجمعيات الخيرية خاصة تلك التي تعني بالاطفال. لم يكن "ساڤل" إعلاميا عاديا ولكن كان ملء السمع والبصر واستحق عن مساهماته المجتمعية لقب سير. وتوفي أوائل العام الماضي.  بدأ الأمر ببرنامج استقصائي تلفزيوني علي شبكة آي تي ڤي يقول إن  "ساڤل" ذي الضاحك المرح المحبوب كان له وجها آخر .. مخيف مرعب وشيطاني ..تحدث البرنامج الي عدد من النسوة قلن إنهن تعرضن لاعتداءات جنسية من الرجل عندما كن بعد فتيات مراهقات ولم يكن بوسعهن الإبلاغ عنه إما لخوفهن من سلطاته أو لأنهن كن صغيرات غريرات لم يدركن ما يحدث. وكأن النسوة الثلاث فتحن علبة مليئة بالديدان... توالت البلاغات عن حالات اعتداءات جنسية كثيرة ارتكبها "ساڤل" بمفرده أوبرفقة آخرين من المشاهير والإعلاميين وتواطيء الجميع علي الصمت خوفا ورهبة منه. 
لم يقف الأمر عند هذا الحد. فقد أثيرت قضية أكبر حيث بدأت أصابع الاتهام تشير الي مديرين وصحفيين ذوي حيثية في بي بي سي بأنهم حاولوا التستر عليه ومنع إذاعة برنامج يتحدث عن نفس الاتهامات قبل عام. تدحرجت رؤوس كثيرة وتوالت الاستقالات والوقف عن العمل من العديدين داخل المؤسسة الإعلامية العريقة وعلي رأسها استقالة مديرها العام جورج انتوسل بعد خمسة وخمسين يوما فقط في منصبه. 
وما زالت الموجات التي اثارها الحجر الذي اُلقي في البركة الراكدة تتسع. أجرت بي بي سي تحقيقا مستقلا برأ العديدين من المديرين من تهمة التستر علي "ساڤل" لكنه وجه تأنيبا قاسيا لهم بالقصور في الكشف عن علبة الديدان التي كانت تمرح بينهم دون أن يكشفها أحد. 
التحقيق الجنائي طال العديدين ممن عاصروا "چيمي ساڤل" من معدين ومخرجين علي جرائم ارتكبوها قبل نحو ثلاثين عاما سواء بالاشتراك معه أو التستر عليه. أما هو وقد وري الثري فلم تجد عائلته من اعتذار تقدمه لضحايا سوي أن تزيل شاهد قبره أما الحكومة البريطانية فتبحث في أمكانية تغيير القانون الذي لا يتيح نزع الألقاب عمن ماتوا حتي يمكن تجريده من لقب "سير". 
حقاً  ... إن الله لينصر الأمة العادلة حتي وإن كانت كافرة ولا ينصر الأمة الظالمة حتي إن كانت مسلمة.