Translate

‏إظهار الرسائل ذات التسميات مشاهدات إعلامية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مشاهدات إعلامية. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 20 مايو 2014

ثورة الهوامش ..شت أب يور ماوس



ثورة الهوامش …. شت أب يور ماوس 

هل تتذكرون المشهد الدرامي المؤثر في فيلم "خلي بالك من زوزو" والذي قام فيه مجموعة من البنات والشباب من طبقة ارستقراطية بدعوة تحية كاريوكا الراقصة العجوز لاحياء حفلة حتي يجعلوا منها أضحوكة ويسخروا منها ومن ابنتها التي قامت بدورها الجميلة الراحلة سعاد حسني والتي تخلع ملابس الهوانم وتبدأ في الرقص أمامهم وهي في الحقيقة لم تتعري لترقص أنما كانت تُعري شلة طبقة الارستقراطية من زيفهم وتجردهم من الأنسانية… 
هذا المشهد تكرر بحذافيره في منتدي دبي للاعلام الذي وجه الدعوة للسيدة المصرية البسيطة مني البحيري للمشاركة في المنتدي بدعوي أنها تمثل ما وصف بثورة الهوامش في الإعلام. ومني البحيري لمن لا يعرف هي تلك السيدة المصرية البسيطة التي اشتهرت بفيديو "أوباما شت أب يور ماوس" حيث وجهت رسالة إلي الرئيس الامريكي تدعوه فيها إلي عدم التدخل في الشأن المصري أصرت أن تكون باللغة الأنجليزية حتي تصل الرسالة إليه . 
مني هذه السيدة البسيطة الحاصلة علي دبلوم تجارة هي مثال لما نسميه إعلاميا "رجل الشارع". فهي تتمتع بتلقائية وعفوية وبساطة متناهية في عرض قضيتها. وبالطبع هذا هو المحتوي الذي ينبغي لأي إعلامي محترم أن يركز عليه. فمبادئ الإعلام الراقي -كما تعلمتها-  تقتضي أن نفكر في المحتوي وتفاعل المتلقي معه وجزء من تفاعل المتلقي مع المحتوي هو التوحد مع الشخصية المحورية. وعلى ذلك فاستقراء رأي رجل الشارع يعد أضافة ثرية ومهمة لأي محتوي إعلامي. 
لكن ما حدث مع مني البحيري غير ذلك. فبدلا من التركيز على عرض قضيتها ورأيها بشكل مهني بدأ الإغراق في التركيز على الطرفة والدعابة في كلامها ألا وهو عدم اتقانها اللغة الانجليزية والجسارة التي تتحدث بها التي تثير قدرا من الانبهار الممزوج بالسخرية. التعامل مع هذا العنصر بشكل عرضي يمكن أن يكون عنصرا جذابا في الإعلام لبعض الوقت وفي الوهلة الأولي حيث لا توجد شبهة استغلال لهذا الجانب وهذا الجانب دون غيره. 
وقد تابعت مثل الملايين المصريين "مني" التي اصبحت تلقب بالسيدة الخضراء نسبة إلي الخمار الذي ترتديه دوما والذي تقول إنها لا تملك غيره بقدر كبير من الدعابة بل وضحكت مثل الكثيرين على طريقتها الجسورة فى الحديث باللغة الانجليزية التي كسرت كل قواعدها و"براءة الأطفال في عينيها" … كل هذا في حدود المقبول والمعقول. وحتي ما قامت به بعض القنوات الفضائية من استضافة السيدة مني في إطار الفضول الكبير الذي رافق الفيديو المنشور لها يبقي معقولا ومقبولا وتحويل حوارها إلي "كوميكس" هو نتاج طبيعي لثورة المحتوي الإعلامي. 
لكن غير المقبول ولا المعقول والذي ينتهك ليس فقط ابسط القواعد الإعلامية المحترمة ولكن أبسط القواعد الإنسانية هو أن يتم استغلال هذه السيدة لتلعب دور "الأراجوز" أو "القرد أبو صديري" كي يتضاحك عليها من يفترض فيهم أنهم إعلاميون أصحاب مهنة ذات قيمة. ولم اتمالك شعوري بالصدمة حين رأيت الإعلامي اللبناني المعروف نيشان ديرهاروتيونيان يقف بجوارها وهي تدلي ب "حديث صحفي " ليضحك عليها ويتغامز من خلفها في مشهد رخيص أساء إليه كثيرا إعلاميا وإنسانيا أيضا. 
والمثير للأسى أن السيدة "مني غانم المري" المدير العام للمكتب الإعلامي في حكومة دبي ورئيس اللجنة العليا المنظمة لمنتدي الإعلام العربي عندما سئلت عن مغزي استضافة مني البحيري أمعنت في التبرير لهذه السقطة بالقول إنها جاءت في إطار ندوة ثورة الهوامش وأنها ـ أي مني البحيري - سوف تتواجد ولن تشارك في جلسات المنتدي كونها "ظاهرة" افرزها الإعلام الجديد وجعل منها نجمة في الوقت الراهن !!
ولدي عدد من الأسئلة في صميم مهنة الإعلام إذا ما كانت جحة "مني المري" هي الإعلام وخدمة الإعلام وفتح نقاش ثري للظواهر الإعلامية… ما هي القيمة الإعلامية لوجود مني البحيري في المنتدي ؟ ولماذا كان من الضروري أن تتواجد مني البحيري بنفسها في ندوة كان من الممكن ببساطة أن تناقش الموضوع دون وجود "الجثة" كما نقول ؟ ولماذا وكيف اقنعتم هذه السيدة بأنها أصبحت نجمة ومحط اهتمام كبير وأنها أصبحت إعلامية يشار إليها بالبنان لتقف في وسط بهو قاعات المنتدي لتدلي بدلوها وتكرر أرائها السياسية الذي باتت مقتنعة أنها ذات قيمة كبري؟  ولماذا سمحت لأنفسكم باستغلال هذه السيدة المصرية إنسانيا واستغلال بساطتها وسذاجتها؟ وما هو المبرر الأخلاقي لذلك ؟ 
والسؤال الأهم كيف سمحت مصر ورئيس وزراءها إبراهيم محلب الذي شارك في المنتدي بأن يتم اختصار مصر إعلاميا ومهنيا في محفل مهم مثل منتدي دبي بهذا الشكل ؟  ومن المسؤول عن تمرير مثل هذه المشاركة الرخيصة في منتدي عربي يؤم مئات من الإعلاميين من شتي أنحاء العالم؟ 
أقولها بصوت عال … أيها الإعلاميون الذين اختصرتم مصر والإعلام فيها في ثورة الهوامش شت أب يور ماوس.   

الاثنين، 5 مايو 2014

كيف يسقط الساسة على سيف المتاجرة بالعنصرية


كيف يسقط الساسة على سيف المتاجرة بالعنصرية 
عندما سألت السيناتور كيث إليسون ..أول نائب مسلم في الكونجرس الأمريكي لماذا يثير الكثير من الجدل حوله ويخوض في قضايا شائكة يتجنبها الكثيرون من الساسة قال لي جملة مازلت عالقة في ذهني … "السياسي الذي يحاول خداع الناخبين ويغشهم ويحاول إخفاء الحقائق وتجنب المواجهة سياسي فاشل ويقدم مستوي ضعيف ومتواضع في مجال الخدمة العامة. المجتمع الذي يلتزم بمبدأ العدالة للجميع يجب على أن يؤمن بهذه الافكار بكاملها دون انتقاء بعضها." 
لم أنس هذه العبارة أبدا. وتذكرتها مجددا وأنا أقرأ قبل أيام تصريحات السياسي البريطاني ديفيد بيشوب والتي قال فيها معتذرا " لقد أدركت الآن أن من يتصدي للعمل العام عليه أن يثبت جدارة ويسعي إلي توحيد المجتمعات لا أن يفرقها. أرجو أن يغفر لي أهالي دائرتي الافتقار إلي صواب الحكم". 
كان هذا جزءا من بيان الأستقالة من العمل السياسي الذي تقدم به "بيشوب" الذي اعتذر بشكل واضح لا ريب فيه عما وصفه هو شخصيا ب " الإساءة الحقيقية" التي ارتكبها وقال إنه لن يتنظر من أبناء دائرة "برنت وود ساوث" في مقاطعة إيسكس أن يمنحوه أصواتهم في الانتخابات المحلية الحاسمة التي ستجري في الثاني والعشرين من شهر مايو الجاري. 
أما "الجريمة الإنتخابية" التي ارتكبها ديفيد بيشوب فكانت تغريدتين علي توتير.. نعم تغريدتين فقط لا غير خسر الرجل بسببهما مستقبله السياسي وعضوية حزب المحافظين الشريك الأكبر في الإئتلاف الحكومي البريطاني. 
الأولي كانت "مزحة سخيفة" تهكم فيهاعلى المثليين جنسيا" ثم اعقبها بتغريدة أخري في السابع والعشرين من إبريل (أي بعد يومين فقط من تسميته مرشحا في انتخابات البلدية عن حزب المحافظين) قال فيها إن "الإسلام هو دين السلام والأغتصاب" في إشارة لاعتقال أربعة رجال مسلمين متهمين باغتصاب فتاة في الرابعة عشرة من عمرها.  وكانت التغريدة الثانية هي التي كلفت بيشوب الكثير. 
ربما لم ينتبه حزب المحافظين إلي التغريدة الأولي التي كتبها بيشوب عن المثليين جنسيا والتي كتبها في الثالث عشر من شهر ابريل الماضي. أي قبل إعلان ترشيحه ممثلا عن الحزب لكنه بمجرد إعلان ترشيحه نظر إليه الجميع بنظرة مختلفة وكانت التوقعات منه تلقائيا أن يتحلي بقدر من المسؤولية المجتمعية كسياسي حتي ولو كان على مستوي محلي. 
لم يلتفت الحزب إلي كون "ديفيد بيشوب" يعمل DJ في أحدي الأذاعات المحلية ولم يتحدث الناس عن إن عمله في مهنة ترفيهية تقلل من شأنه في المجتمع ولا تسمح له بأن يكون له عمل جاد مثل العمل السياسي. ولم يطلب منه أحد أن يتخلي عن وظيفته التي يتقاضي منها راتبه لكن عمله العام كان بالتأكيد شأنا يخص الجميع دون استثاء .. الحزب …المجتمع ….الإعلام … ومتابعي الرجل على توتير. 
ولقد دخلت بالفعل على حساب ديڤيد بيشوب على موقع توتير في محاولة مني للتعرف على جوانب أخري من شخصيته فوجدت أن الحساب قد تم حذفه تماما. لكن بقيت ردود الفعل الغاضبة على تغريداته موجودة واللافت أن معظمها كانت من غير المسلمين. قالت له أحدي المتابعات وتدعي "ڤايوليت" : أرجو أن تكون قد تعلمت الدرس أن التنميط ووصم الآخرين في المجتمع لا يمكن أن تؤدي إلي التفرقة. أتمني لك التنوير والسلام والحب. وقال متابع أخر يدعي أنتوني ويعيش في نفس دائرته الأنتخابية مستنكرا : "الإسلام دين الأغتصاب؟ هل لديك أدني فكرة عن الجرائم التي ارتكبت زورا باسم المسيح؟" وبالطبع كانت هناك العديد من الردود التي وجهت الأتهام لديفيد بيشوب بالعنصرية والأنحياز ضد الأقلية كما كان هناك اتهامات إلي حزب المحافظين بإساءة اختيار مرشحيهم علي الرغم من التعامل الحاسم والسريع للحزب مع الرجل. 
لم يكتف حزب المحافظين بالاعتذار الذي قدمه ديفيد بيشوب دون أي تحفظ وأنه تنازل عن الترشح ممثلا عن بل خرج "جون كرسلاك" رئيس المجموعة التي تضم الدائرة الانتخابية ليؤكد على أن " الأمر تم التعامل معه بسرعة وبشكل حاسم بما يخدم مصالح دائرة برينت وود وحزب المحافظين". وأضافت لويز ماكنلي بالقول إن "آراء السيد بيشوب تخصه لوحده ولا مكان لها في الفريق. لقد أتخذ القرار الصحيح
لم استغرب كثيرا ردود الفعل السريعة التي جاءت من حزب المحافظين بطرد الرجل من قائمة المرشحين بل وحرمانه من عضوية الحزب. فهذه الإنتخابات مهمة للغاية وحاسمة وتعتبر امتحانا كبيرا للائتلاف الحكومي الذي لا يعرف أحد كيف يقيمه رجل الشارع في بريطانيا. فالائتلاف بدأ ب" كوراث انتخابية" ثم نجح في استعادته توازنه خلال الاشهر القليلة الماضية وتمكن من إحراز " نجاحات إقتصادية" بتقليل العجز في الموازنة ونسبة البطالة. وهذا هو الاهتمام الأكبر بالنسبة للناس العاديين. 
لكن التهديد الأكبر بالنسبة لحزب المحافظين  الذي يميل إلي سياسات يمين الوسط هو حزب بريطانيا المستقلة UKIP الذي بات يؤرق الكثيرين من الليبراليين في المجتمع البريطاني لصعود نجمه في الأونة الأخيرة والذي يتوقع له الكثير من المراقبين أن يحقق نجاحات كبيرة في الانتخابات المحلية التي ستجري في الثاني والعشرين من مايو ليدخل من هذه البوابة إلي البرلمان الأوروبي. 
لا يشك الكثيرون في الدوافع " الخبيثة" لحزب بريطانيا المستقلة وميله نحو العنصرية وهي تهمة لا يتهاون معها الكثيرون في المجتمعات الأوروبية. وهذا هو السبب بالتحديد الذي جعل الحزب يوقف عضوية "هاري پاري" الطامح للفوز بدائرة أوفرتون بعد أن ارتكب "جريمة انتخابية" تماثل جريمة ديڤيد بيشوب حيث قال على حسابه على توتير إن "الإسلام شر والمثلية الجنسية أمر حقير". وهاري پاري ليس المرشح الأول الذي يتم منعه من الترشح للانتخابات نائبا عن حزب UKIP. فقد اضطر مرشح أخر هو ويليام هينوود إلي التخلي عن طموحه السياسي بعد أن تهكم أيضا علي حسابه علي توتير علي الممثل الكوميدي الأسود "ليني هنري" الذي طالب بوجود المزيد من الوجوه السمراء في الصناعات الابتكارية. فما كان من ويليام هينوود أن رد بتغريدة قال فيها إن على"ليني هنري" أن يهاجر إلي بلد أسود كما شبه الإسلام بالرايخ الثالث. 
والأسوأ من ذلك أنه حين سأل عن تغريداته قال هينوود في أحد برامج بي بي سي "إذا جاء السود إلي هذه البلد ولم يختلطوا بالمواطنين البيض لماذا يعيشون هنا وإذا كان ليني هنري يرغب أن يري الكثير من السود حوله لماذا لا يذهب ليعش في بلد مواطنيه من السود؟ " 
أثارت هذه التعليقات زوبعة من الادانة من الأحزاب الأخري بدأت بوزير الصحة عن حزب المحافظين چيريمي هانت الذي وصف هذه التعليقات بأنها عنصرية ومثيرة للقرف. كما قالت هيلاري بن وزيرة المجتمعات في حكومة الظل عن حزب العمال إن التعليقات جارحة ومهينة وهجوم يفتقد إلي الروح البريطانية علي شخص بريطاني مثله مثل أي شخص"  
أما "نيك غريفين" زعيم الحزب البريطاني القومي ذي التوجهات اليمينية المتطرفة فكان الوحيد الذي دافع بالطبع عن هينوود قائلا إن العنصرية الحقيقية هي أن تمارس هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي ومن خلفها الساسة البريطانيون الاستقواء والتنمر على المواطنين البريطانيين العاديين قائلا إن هؤلاء سيصبحون أقلية فى بلدهم"
من السهل جدا أن يتحدث الساسة بما يحلو لهم على تويتر ويعلقوا بما شاءوا بتصريحات بلهاء قد تثير إعجاب الحمقي أمثالهم. من السهل والمغري أيضا أن يوجهوا اهانات للاقليات الدينية والعرقية والتهكم علي شرائح معينة في المجتمع. لكن هناك الكثيرون جدا ممن يقال عليهم " التيار السياسي الأصيل" سيرفضون ذلك كله شكلا وموضوعا ليس لأنهم أكثر نبلا أو ترفعا فعالم السياسة لا يعرف هذه المفردات الطنانة لكن هذا التيار الذي يطلق عليه Mainstream يدرك ببساطة فداحة ثمن العنصرية لقد اكتوت المجتمعات في أوروبا عقودا بنيران الحقد والكراهية ونبذ الأخر. وكلفتهم العنصرية البغيضة الكثير من البشر والمال في حربين عالميتين عاشوا ولاياتها عقودا. يعرف الجميع بمن فيهم من تغريه "عنصريته" بأظهارها أن ثمن العنصرية باهظ للغاية حتي ولو كان مجرد تغريدة علي موقع تويتر أو تصريح في برنامج إذاعي. 

السبت، 26 أبريل 2014

الرئيس


الرئيس 
لابد أن اعترف أن عملي في الأخبار كثيرا ما يثقل كاهلي بما لا أطيق تحمله من وطأة ما يحمل من مفارقات مبكية مضحكة تسبب الكثير من الألم والممزوج بالسخرية المريرة. واعترف أيضا أنني علي الرغم من أنني عاهدت نفسي على أن اقنع بدور "الإعلامي الطبيب" أي ذلك الإعلامي الذي يقوم بتشخيص المريض ويشير عليه بالعلاج .. إلا أنني لا أملك نفسي أحيانا سوي أن أكون في صفوف أهل المريض وابدأ في الصراخ والعويل على المريض وعلى ما أصابه. ويتكرر هذا الانفعال وتلك الولولة تحت وطأة تطورات الأحداث في العالم العربي الذي أنظر إليه بعين متقاربة لأن الهم واحد والمرض واحد. 
في أسبوع واحد كان شخص "الرئيس" وما خلفه من حكايات هو "البطل" أو المريض إن شئت ولا أقصد بذلك الكلمة بحرفيتها. إنما قصدت العلة والداء  في عالمنا العربي ككل على أختلاف ظروفها السياسية. 
واسمحوا لي أن اتخلي قليلا عن المنطق وابدأ في الشكوي والولولة. فهناك من الأمراض ما لا يفلح معاها أسلوب "الطبيب" ذي القفازات البيضاء والنظارات الطبية والأعصاب الباردة. 
فما المنطق في أن يختار بلد عربي هو الجزائر "رئيسا" يجلس على كرسي متحرك ؟ ما المنطق في أن يكون رئيس دولة عربية هي الأكبر من حيث المساحة وتعداد سكانها يصل إلي أربعين مليون شخص تعجز عن أن تجلب إلي ساحتها السياسية وجها جديدا شابا ؟؟ كيف يمكن لشعب ثلثا أبناءه ممن هم تحت سن الخامسة والثلاثين وثمانون في المائة من أبناءه تحت سن الخامسة والأربعين أن يختار رجلا مثل عبد العزيز بو تفليقه رئيسا ولفترة رابعة؟ 
كيف يكون بلد علّم العالم الثورة وكسر شوكة الاحتلال الفرنسي اشرس احتلال عرفته كتب التاريخ أن يقف صامتا أمام مشهد رجل أقعده المرض لدرجة أنه أصبح مغيبا عن العالم أسابيع طويلة وهو يرشح نفسه رئيسا ويفوز؟ ألم يشاهد هؤلاء الرئيس الامريكي علي شاشات التلفزيون وهو يتريض أو رئيس الوزراء البريطاني وهو يجري ويلعب مع أطفاله ؟
أما المفارقة الثانية فكانت في مصر قلب العالم العربي وأهم دولة فيه - التي فتحت أبواب الترشيح لانتخابات رئاسية يعلم الجميع نتيجتها سلفا. الكل يعلم أن المشير السيسي سيكون الرئيس القادم لكنهم أختاروا ـ بمن فيهم حمدين صباحي منافسه الأوحد ـ أن يستمروا في هذه المسرحية الهزلية. انخرط الجميع في سباق محموم لأبداء فروض الولاء والطاعة لمن لم يطلبها أصلا. وانهمك الأعلام تارة في الانبطاح المشين لشخص السيسي لدرجة القول إن الرجل لا يحتاج إلي برنامج انتخابي أو الاستمرار في بث اخبار منافسه صباحي عن ثقته الكاملة في الفوز بسباق يعلمون علم اليقين أن صفارة النهاية فيه انطلقت قبل أن يبدأ. 
لم يقف أحد لمحاولة لجم هذا السعار وهذا الجنون بكلمة.. أصر الجميع على أن من يرفض السيسي فهو يرفض لمصر. تماما كما زعم الاخوان ومن ورائهم أن من يخالفهم يخالف الاسلام ويحارب الله. لم يتوقف عاقل ليسأل أسئلة أقل ما يقال عنها أنها بديهية. ما هو المشروع الذي جاء به السيسي ؟ كيف سيصلح اقتصاد مصر المنهار كيف سيحل مشكلة البطالة كيف سيتعامل مع العالم الخارجي والسياسة الخارجية لمصر في حالة من التدهور الشديد ؟ لم يقدم السيسي حتي الساعة برنامجا انتخابيا لاننا قررنا أن نعفيه من ذلك فقولوا لي بالله عليكم على أي أساس سوف نحاسبه؟ 

أما المفارقة الثالثة فكانت المهزلة في البرلمان اللبناني لاختيار خليفه لميشال سليمان. لبنان هذا البلد الذي كان منارة للعلوم  والثقافة والاعلام في العالم العربي كله .. لبنان الذي كان أول بلد عربي يعرف التعددية السياسية. رضي ممثلو شعبه أن يمثلوا في الحقيقة تمثيلا دراميا لا تمثيلا برلمانيا. جلسوا الي مقاعدهم في جلسة برلمانية مهيبة الكل يعرف نتيجتها سلفا. وضعوا أوراقا بيضاء من غير سوء بدلا من أن يتحلوا بالشجاعة وينخرطوا في حوار وطني جاد من أجل بلد أصبح علي شفير هاوية متخم بالمشكلات الاقتصادية والبطالة وبمشكلة اللاجئين السوريين التي تكاد تغرق البلد في كارثة بسبب ضآلة موارده الاقتصادية وهشاشة مرافقه وبنيته التحتية. اختار نواب البرلمان اللبناني الافاضل المصالح الشخصية علي حساب الوطن والطائفية عوضا عن المصالحة اختروا أن يكونوا مجرد مقاعد وأوراق بيضاء حرفيا. 

أما كارثة الكوارث فسوريا التي يخرج علينا من أن لاخر رئيس برلمانها الكارتوني باشعار وهمي بشخصية خيالية تعلن ترشحها للانتخابات الرئاسية. ولا يعرف أحد من أي اتوا هؤلاء وأين سيذهبون لكن الجميع يعلم بكل تأكيد من أتي بهم هذا الذي اشبعهم قتلا وتقتيلا على مدي ثلاث سنوات. هذا البشار الذي سيدخل التاريخ علي كل جرائمه وجرمه من أبواب جهنم. ومن وراءه معارضة هزيلة اختارت أن تبيع الوطن في مقابل حفنة دولارات ودراهم. 

الحقيقة أن المسرحية علي ساحة العالم العربي تراجيدية اكثر من احتمالي واحتمال الكثيرين. الكل فيها ممثلون فاشلون. لقد اختصرنا حياتنا ومشكلاتنا وهمومنا في شخص "الرئيس" هذا المفهوم الذي لم يعد موجودا في أي من ديمقراطيات العالم. لا يتحدث العالم لا في الغرب ولا حتي في الشرق عن الرئيس يتحدث الناس عن الاحزاب السياسية عن المشاريع الاقتصادية عن بناء المجتمعات عن التعليم عن البناء ..لا عن كرسي بوتفليقه المتحرك ودراجة السيسي والرئيس الكارتون ورئيس الاوراق البيضاء. تعلم العالم فمتي نتعلم ؟  


الأحد، 3 نوفمبر 2013

أنا "مالالا يوسف"


لا يخيب الغرب أبدا سوء ظني فيه عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع قضايانا .. أقصد قضايا العالم العربي والأسلامي. فهو أما مغيب عنها أو يتعامل معها بمنطق المصلحة المباشرة وحينما يهتم بها يكون ذلك تعاملا سطحيا يكاد يرقي الي درجة " العبط". وأحيانا بل كثيرا ما أشك في أنه يتعمد التعامل بهذا الشكل إما استسهالا أو لنقص في الادراك والفهم أو الاثنين معا. 
لا يغرق كثير من المعلقين الغربيين أنفسهم في تفاصيل المشهد العربي والاسلامي مهما كانت حيوية ومهمة. وغالبا من يكون انتقائيا في التفاصيل التي يتعامل معها مكتفيا بالتفاصيل التي تريحه وتريح ضميره أو تظهره بمظهر إنساني يتواءم مع ما يدعي أنها مبادئ يؤمن بها حتي لم كان ذلك على حساب القضية الاصلية. 
ولا أجد هنا للتدليل على "سوء ظني" بالغرب أكثر من قضية الفتاة الباكستانية "مالالا يوسف ضيا" التي نجت من محاولة اغتيال علي يد حركة طالبان باكستان. وكان مسلحون ينتمون الي طالبان قد أطلقوا الرصاص العام الماضي علي "مالالا" البالغة الأن من العمر ستة عشر عاما وهي في طريقها الي المدرسة في وادي سوات في مشهد درامي بالغ التأثير . الكثيرون يعلمون القصة وقرأوا عنها وتابع الملايين علي شاشات التلفزيون في العالم بأسره بقلوب لاهثة عملية نقل "مالالا" من باكستان الي لندن لتلقي العلاج في أكبر المستشفيات البريطانية وكتب عشرات الكتاب والمعلقين عن شجاعة الفتاة التي وقفت في وجه حركة طالبان وكادت أن تدفع حياتها ثمنا لدفاعها عن حق الفتيات والنساء في التعليم وهو الأمر الذي تنكره وتبغضه حركة طالبان الأفغانية. 
بعد أن تلقت "مالالا" الكثير من المديح والاهتمام الذي هي أهل له وبعد أن تماثلت للشفاء في مستشفي الملكة اليزالبث في مقاطعة برمنجهام منحت هي وأسرتها بيتا وملجأ في بريطانيا وفرصة لتكمل تعليمها. 
يبدو كل هذا عاديا ومستحقا لفتاة أثبتت شجاعة نادرة في قضية حيوية هي قضية تعليم البنات. لكن الامر لم يتوقف عند هذا الحد فاصبحت "مالالا" ضيفة علي عشرات البرامج والتوك شو وخطيبة أمام الامم المتحدة في عيد ميلادها ومتحدثة في جمع من ألف شخص تتقدمهم الملكة اليزابيث في جامعة أدنبرة حيث تم منحها درجة الماجيستر الفخرية ومنحت جائزة من معهد كارنيجي الامريكي ووضعتها مجلة تايم الامريكية في قائمة أكثر مائة شخصية مؤثرة في العالم واستقبلها الرئيس الامريكي باراك أوباما وزوجته ميشيل في البيت الابيض كما تم ترشيحها لنيل جائزة نوبل للسلام. 
وأخيرا ظهر في المكتبات البريطانية نسخة من سيرتها الذاتية.. نعم سيرة ذاتية تحمل أسم " أنا مالالا يوسف ضيا" واعذروني هنا اتوقف قليلا كي اتسأل كيف يمكن أن يكون لفتاة في السادسة عشرة من عمرها سيرة ذاتية ؟ ما هو الانجاز الذي تمكنت من تحقيقه خلال ست عشرة سنة قضت نصفهم رضيعة وفي الحضانة وفي سنوات المدرسة الاولي ؟ 
غضب الكثيرون من عدم منح جائزة نوبل للسلام واعتبروا أن الجائزة مسيسة لأنها لم تمنح لمالالا .. وهي كذلك بالفعل. لكن ليس لانها لم تمنح لمالالا ولكن لانها منحت لمنظمة الاسلحة الكيميائية قبل أن تقوم بأي انجاز اساسا. افهم أن تمنح مثل هذه الجوائز لشخص مثل نيسلون مانديلا قضي عمره يدافع عن الحريات في بلده وقد افهم أن يكتب أوباما سيرته الذاتية لانه أول رئيس من أصول أفريقية يرأس الولايات المتحدة ولكن ما الذي فعلته مالالا في ستة عشر عاما ليتم ترشيحها لجائزة نوبل للسلام؟ ما هو الانجاز الذي يمكن لمراهقة في سني عمرها أن تحققه؟ 
أرجوكم توقفوا قليلا قبل أن تتهمونني بأني أقلل من قيمة هذه الفتاة التي تتحلي بشجاعة نادرة. علي العكس أنا أجلها واحترمها واعتقد أنها مثال رائع للفتيات والنساء والدفاع عن حق أصيل هو الحق في التعليم الذي قضيت أنا شخصيا نصف حياتي المهنية في الدفاع عنه. ولكنني أتوقف أمام الغرب الذي يلتقط نماذج معينة لوضعها في مصاف النجوم ويغرق في الحفاوة بها دون النظر أو الاكتراث بالصورة الكاملة. 
فلماذا لم يتحدث أحد عن رفيقات مالالا اللواتي يتعرضن كل يوم للقمع علي يد المتشددين في حركة طالبان وغيرها؟ لماذا لا تنقذهن طائرة مجهزة للعلاج من رصاصات غادرة تودي بحياتهن وتنقلهن للعيش في بريطانيا؟ لماذا لا يقفن أمام العالم ليتحدثن عن شجاعتهن في مواجهة الأرهاب؟ 
لماذا لا يتحدث الغرب عن هؤلاء الفتيات اللاواتي بلا هوية ولا اسم ؟ لماذا لا يتحدث عن عشرات الأبرياء الذين يقتلون بدون ذنب كل يوم في طلعات الطائرات الامريكية بدون طيار ؟ لماذا لا يري الغرب وجوه هؤلاء ؟ وما الذي فعله لمساعدة الحكومة الباكستانية لاستئصال شأفة الأرهاب بالتنمية البشرية والاستثمار الايجابي في الاقتصاد وليس في صفقات السلاح. 
نموذج "مالالا" يذكرني بنموذج الشابة اليمنية "توكل كرمان" التي اختيرت كي تنال جائزة نوبل للسلام العام الماضي. "توكل كرمان" خرجت في مظاهرات مثل عشرات بل مئات اليمنيات مجهولات الهوية وراء نقاب يطالبن بالعدالة والحرية. واثبتت بالفعل شجاعة نادرة في الوقوف أمام الظلم والديكتاتورية والفساد وضربت مثالا رائعا للفتيات اليمنيات اللاواتي يتحلين بشجاعة ورباطة جأش وجمال الروح والاعتزاز بالنفس حتي وإن كن يرتدين نقاب أوحجاب. 
ولا أخفيكم سرا أنني استبشرت خيرا بأن العالم التفت أخيرا لبلد اسمه اليمن تمزقه الصراعات القبلية والحروب الخفية للجماعات المسلحة والصراع بين السنة والشيعة في الجنوب ناهيك عن المشكلات المجتمعية الجمة التي يعاني منها هذا البلد الذي يرزح تحت وطأة الفقر والقهر والمرض وغياب الحريات. 
كنت انتظر من "توكل كرمان" التي التقيتها منذ سنوات في اليمن وهي صحفية شابة ثائرة-  أن تشمر عن ساعديها وتمد يديها التي اكتسبت قوة وصلابة باختيارها لنيل جائزة عالمية مرموقة فاصبحت مسموعة الكلمة في المحافل الدولية. كنت انتظر منها أن تتحدث عن معاناة المرأة اليمنية التي تحرم من التعليم في سن صغيرة وتجبر علي الزواج غير متكافئ فيما يعرف بظاهرة عرائس الموت. كنت اتمني أن تخوض حربا لتغير القوانين اليمنية لرفع سن الزواج. كنت انتظر منها أن تتحدث عن معدلات الوفيات للمرأة عند الولادة وهي الاعلي علي مستوي العالم بأسره. كنت انتظر أن تخوض توكل كرمان معركة "القات" الذي ينهب قوت الأسرة اليمنية. وقضايا كثيرة لابد وأنها تعرفها حق المعرفة وهي التي كانت تعمل في مهنة الصحافة ولابد أنها عايشت ذلك سنوات عمرها اكثر بكثير من صحفية مثلي زارت البلد مرتين فحسب. 
لكنها عوضا عن ذلك خاضت وتخوض كل يوم "حربا تويترية" دفاعا عن الاخوان وعن الرئيس المصري المعزول محمد مرسي وتهاجم عشية وضحاها الجيش المصري والفريق عبد الفتاح السيسي. والحقيقة أنني لا انكر علي أحد أن يتحدث في شؤون أي دولة أخري بما يشاء وأن يناصر ويساند أي طرف ويوجه انتقادات لمن يرغب ولكنني في الوقت نفسه لا أفهم كيف يتجاهل نفس الشخص قضايا بلده ومعاناة أبناء بلده. 
كنت اتمني بدلا من أن يجعل الغرب من "مالالا" رمزا أن يستثمر في قطاع التعليم للفتيات كنت اتمني من "مالالا" أن تعود الي وادي سوات كشهيدة حية تمشي علي قدمين وتطالب بلدها وحكومتها بافتتاح مدرسة بل سلسلة مدارس باسمها. كنت اتمني أن تشن "توكل كرمان" حملة لتغير القوانين المجحفة بحق المرأة اليمنية وتحاول أن ترفع الظلم عن بنات جلدتها بدلا من الدخول في معترك استقطاب سياسي في بلد أخر لن ينتهي في المنظور القريب.
أنا لا احب أن العب دور "عواجيز الفرح" الذي يحلو لهن أفساد أي بهجة. وسعادتي بوجود نماذج من قبيل مالالا وتوكل على الساحة الدولية كبيرة ولكن السؤال ماذا بعد ؟ ماذا بعد اغلفة المجلات العالمية وكتب السيرة الذاتية؟ ماذا بعد جائزة نوبل ودرجة الماجيستير الفخرية؟ هل سيتذكر العالم الغربي أن هناك نساء سوي توكل وفتيات غير مالالا ؟ أم إنه كتب علي هؤلاء النسوة أن يعانين في صمت ويقضين نحبهن في الظلام ويدفن في مقابر بلا شاهد ؟

الأحد، 15 سبتمبر 2013

الإعلامي والسياسي والحقوقي


                        
اعترف أنني شعرت بالصدمة للوهلة الأولي التي اختفت فيها ما تسمي بالقنوات الدينية وقناة خمسة وعشرين الناطقة باسم جماعة الأخوان المسلمين من على شاشات التلفزيون . فذاكرتي لا تسعفني بتذكر أني شهدت شيئا مثل ما حدث سوي ما حدث عام ألف وتسعمئة وستة وتسعين في بريطانيا وكنت شاهدا علي حدوثه من قريب. عندما قرر الشريك التجاري لهيئة الاذاعة البريطانية وقف بث التلفزيون العربي ل بي بي سي والذي كان مشروعا مشتركا بين الجانبين  . كانت الإدارة وقتها تتمتع - بمقتضيات التعاقد مع الشريك السعودي - باستقلالية تحريرية كاملة. وعلى ذلك قررت إدارة التلفزيون العربي وقتها إذاعة حلقة من برنامج بانوراما الشهير عن حقوق الإنسان في السعودية. كانت قناعة الإدارة البريطانية للقناة وقتها أنه لا يوجد ما يبرر ألغاء الحلقة من البرنامج المدرج علي جدول القناة وأن هذا يعني محاباة الشريك التجاري. وقف جميع الصحفيون يشاهدون البرنامج علي شاشات الإذاعة الداخلية ويطلقون لخيالهم العنان في ردود فعل الشريك التجاري السعودي لكن لم يدر بخلد أيا من كان أنه في اليوم التالي ستكتب نهاية أول تجربة تلفزيونية ناطقة بالعربية لبي بي سي . في منتصف الظهر قُطع الارسال وطُلب من الصحفيين والمحررين أن يتركوا كل شيء كما هو وأن يأخذوا متعلقاتهم الشخصية فقط. 
لكن ظروف إغلاق القنوات الدينية وقناة خمسة وعشرين تختلف كثيرا في تفاصيلها عن هذا الحادث وجاءت في أوج أزمة سياسية طاحنة وشاهد عشرات الآلاف عبر يوتيوب مقاطع فيديو لقوات الأمن وهي تقوم باعتقال العاملين في هذه القنوات بتهم لا يعرف أحدا ما هي وبدون أي حكم قضائي. علي أن ذلك يماثل ما حدث لقناة الفراعين وصاحبها توفيق عكاشة الذي تم مطاردته واعتقاله علي الهواء ومن ثم إطلاق سراحه دون أن يعرف أحد لماذا وكيف اُعتقل ولماذا أُطلق سراحه. 
ولا يعنيني هنا أن أتوقف أمام جدل قضائي لست علي دراية بتعقيداته وتفاصيله التي يمكن أن يتوه فيها الكثيرون لكني أتوقف أمام قيمة الاعلام وما يقدم في هذه القنوات وغيرها.
 أول مرة انتبهت فيها  لوجود القنوات الدينية كانت قبل نحو ثلاث سنوات. كنت أقوم بزيارة لبلدة صغيرة في صعيد مصر هي مسقط رأس أبي. لاحظت أن كل بيت زرته من بيوت أقاربي وعائلتي أولاد عمومتي كان الجميع بلا استثناء  يتطلعون إلى شاشة إحدي هذه القنوات. ولا أبالغ إن قلت أنني اكتشفت أن الجميع لا يداوم سوي على مشاهدة هذه القنوات والمسلسلات الدرامية. ولفت نظري وقتها أن إحدي هذه القنوات تقدم مفاهيم مغلوطة عن الشيعة. كنت عائدة لتوي من طهران في زيارة عمل وعندما حاولت تصحيح ما يقال لم يكترث أحد فى البيت لما أقوله كثيرا. بينما بدا أن الجميع واثقون أكثر فيما تقوله هذه القنوات التي تتاجر بتجارة رائجة للغاية "الدين". وخرجت وقتها بقناعة مفادها أنه  لا يمكن إلا يلتفت المصريون إلي شخص جالس أمامهم يتحدث عن الدين أو بالاحري يتظاهر بالمعرفة  لشؤون الدين. 
كان من الواضح أن هذه القنوات أدت الغرض الذي أراده لها نظام مبارك. الحديث في الدين ولا حديث في السياسة. ولذا لم يكن مستغربا أبدا أن هذه القنوات لم تكن تتحدث في السياسة قبل الثورة والحقيقة أنه ليس لدي توثيق كامل لما كانت تبثه هذه القنوات لكن المؤكد أنها كانت تتمتع بشعبية جارفة لدي قطاعات كبيرة من الشعب المصري وخاصة لدي الطبقة الشعبية لذا اعتمدت الخطاب الدارج الذي يصل فى كثير من الاحيان إلى الفجاج  كما أنها حققت - ولا شك - أرباحا خيالية إثر ذلك. 
ولم يكن مستغربا أن تدخل هذه القنوات بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير على خط السياسة والخطاب العام. فهي على أي الأحوال بدأت فى جني ما استثمرت فيه من شعبية. او بالاحري شعبوية. فأطلقت لنفسها العنان في الخطاب السياسي الممجوج الذي لا يستند إلى اي حقائق بل مجرد تمرير رسائل سياسية واجتماعية تغلفها طبقة هشة من التدين الزائف. واتسع النطاق لتصبح ما يسمي بالقنوات الدينية أداة طيعة للهجوم على الخصوم دون أي رابط أو رادع وأغرقت نفسها فى خطاب أقل ما يقال عنه أنه "مستفز وبذئ" . واعتمدت قناة الفراعين نفس السياسة تقريبا مع اختلاف الأسماء والوقائع. 
واحقاقا للحق فلم تكن هذه القنوات تغرد خارج السرد فيما ذهبت اليه ولكنها كانت الأكثر نشازا والأكثر قبحا. ربما لانها كانت تستغل ما لا يجب استغلاله " الدين". وقد شهدت مصر ومازالت كما هائلا من "التسيب الإعلامي" فى أعقاب ثورة الخامس والعشرين من يناير.  اصبح المذيع أو المذيعة يجلس كل ليلة أمام الكاميرا ليطالعنا بعدد من الأخبار القصيرة أو فقرات إخبارية محدودة ثم يمتطي صهوة جواده فيخرج إلينا بما بدا له من آراء شخصية وأحكام لا تستند الي منطق ولا صواب. نسي الإعلامي والإعلامية فى مصر الفارق الجوهري بين "الشاشة" و "الكنبة". فسمحوا لأنفسهم أن يقولوا ما يشاؤون وما يرغبون. والجميع يستوي في ذلك من القنوات الفضائية والأرضية وتلفزيون الدولة والإعلام الخاص. 
ولن أتوقف أمام القنوات الخاصة فهي "موال لوحده". ورأس المال بالضرورة هو الذي يملي السياسة التحريرية. وأتذكر جيدا حديثاً لرجل الأعمال المعروف احمد بهجت للتلفزيون المصري قال فيه إنه لم يفكر أبدا يوما فى افتتاح قناة تلفزيونية لكنه وجد نفسه ينفق الكثير من الأموال  على الإعلانات فى القنوات الأخري فقال لنفسه ولماذا لا يكون لى قناة وبالمرة أوفر مصاريف الإعلانات!!  فى الحقيقة احترمت صدق الرجل وصراحته. المسألة لا تعدو كونها صفقة تجارية أي بزنيس. والبزنيس لا يعني بالضرورة عائدا ماديا ولكن قد يكون عائدا سياسيا أو استثمار لمصلحة طرف أو غير ذلك. وأحسب  أن جميع القنوات الخاصة تقريبا تعتمد نفس هذه السياسة. 
لكن ما أتوقف أمامه قليلا هو الاعلام المملوك للدولة هذا الاعلام الذي يجب أن يخدم "المواطن". وسأعود قليلا الي الوراء وانتقي ثلاثة نماذج  للتدليل على ما أقصد والسبب في انتقائها ليس لإنها النماذج الوحيدة ولكن لإنها قد تكون الأفضل في عرض وجهة نظري . والثلاثة لها علاقة بالاعلام المملوك للدولة خبر يشير إلى  أن لجنة تحقيق في المهنية في التلفزيون المصري توصلت الي أن سياساته تعاني من التخبط خاصة في أوقات الأزمات حيث ينتظر الأوامر .
 المذيعة اللامعة والمرشحة السابقة لرئاسة الجمهورية بثينة كامل تخطئ (عن عمد) وتقول ونواصل النشرة "الإخوانية. والزميلة الفاضلة هالة فهمي ترفع أمام جمهور برنامج "ضمير" علي القناة الثانية "كفنها" احتجاجا علي سياسيات الإعلام المصري "المضللة" لمجريات ما يحدث حقيقة في الشارع حسبما قالت. 
الخبر الأول أثار إعجابي لأن اللجنة كانت صادقة في تقييمها لأداء التلفزيون المصري وكان لديها الشجاعة الكافية لعرض النواقص ووضع أصبعها علي موطن الخطأ وهذا أول طريق النجاة في رأيي . المشكلة إذا في عدم وجود قواعد تحريرية يرجع إليها العاملون كميثاق شرف يلتزمون به مهما تغيرت الحكومات وتعاقبت التيارات السياسية .
موقف السيدة  بثينة كامل التي أجل لها كل الاحترام مهنيا وشخصيا واحترم نضالها من أجل المرأة والحريات أثار إعجابي لأول وهلة بشجاعتها في أن تقول ما ترغب دون الالتفات لعواقب ذلك . لكن علي المستوي المهني أصابتني حالة من الارتباك . هل هي بثينة كامل المذيعة أم الناشطة السياسية والمناضلة ؟ من الواضح أنه كان لديها وقتها الكثير من الاعتراضات علي الصياغة التحريرية للنشرة ولكن هل الاعتراض يجب أن يكون علي شاشات التلفزيون ؟ وماذا عن المشاهد الذي ينتظر خبرا دون تعليقات او تلميحات او مشاجرة علي الهواء بين مذيعة ومحرر نشرة ؟ 
أما الزميلة  هالة فهمي فلا اعلم عنها الكثير لكن أصدقاء محترمين أثق في حكمهم يشيدون بشجاعة هذه السيدة وصمودها من سنوات داخل ماسبيرو . وقد كبرت كثيرا في عيني وهي تتحدث لعمرو أديب كيف أنها لا تود أن تستبدل عملها الحالي في القطاع الإعلامي الحكومي بعمل في قناة خاصة لانها تعتبر أنها "تخدم الشعب" . لكن هذا لم يغير موقفي المهني مما فعلته. احترم انتماءاتها السياسية واحترم صمودها وصدقها مع النفس لكن جميعها صفات وميول تخص الشخص نفسه ولا تعني المتلقي في شيء ومشهد "الكفن" قد يثير الإعجاب لفترة لكنه لن يترك أثرا ابعد من ذلك في رأيي المتواضع.
فى بريطانيا حيث اعمل وامتهن الاعلام هيئة تسمي اختصارا Ofcom وهي الهيئة المنظمة لخدمات الراديو والتلفزيون.  هذه الهيئة من وظيفتها التأكد أن المشاهد أو المتلقي البريطاني يستفيد من الخدمة الإعلامية بالشكل الأفضل. كما أنها تحقق في الشكاوى التي يتقدم بها عامة الناس من خدمة إعلامية معينة. فعلي سبيل المثال أصدرت الهيئة قبل اسابيع قليلة إنذارا لقناة صفا الشيعية بعدما جاء إليها شكاوي من أن القناة توجه سبابا إلى سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأن هذا النهج يسيء إلى المسلمين السُنة ويجرح مشاعرهم. تحققت الهيئة من الشكوي وخلصت إلى أن الشكوي حقيقية  فما كان منها إلا إن أصدرت إنذارا للقناة أما التوقف أو الإغلاق بمقتضي إذن قضائي. نعم  حتى في بريطانيا التي تفخر بعراقة ومصداقية أعلامها هناك حدود للحرية الإعلامية ما يجب وما لا يصح المسموح والخط الأحمر.  
ربما من الظلم البين أن نقارن ما يحدث في بريطانيا بما يحدث في مصر في المجال الإعلامي. ليس فقط لأن المحيط الإعلامي في بريطانيا اصبح ناضجا بما يكفي لأن يصوب نفسه. لكن لأن المشهد السياسي في مصر أصبح معقدا بما يكفي لأن يكون لكل طرف حسابات ومعادلات وتصفية حسابات وغالبا ما يكون الإعلام ورقة رابحة في هذه اللعبة السياسية ولو لمرحلة مؤقتة. 
 سوف يستمر التخبط الإعلامي وسوف تجدون الكثيرين  يتجرأون علي محاصرة الاستوديوهات والقنوات وإرهاب المذيعين والإعلاميين. وسوف يستمر الكثيرون ممن لا يفقهون في أبجديات الأعلام شيئا يتقمصون دور المذيعين ويمتطون صهوات الشاشات الفضائية. وهؤلاء لا أجد في نفسي أي رغبة حقيقة في أن أناقش ما ارتكبوا ويرتكبون لأنني ببساطة لا اعتبرهم إعلاميين أساسا. 
الحل في أن يجد الإعلاميون المصريون المحترمون الحقيقون أرضية واحدة يتفقون عليها. اسمها القواعد المهنية والحيادية. صحيح انه لا يوجد حياد في المطلق لكن يكفي شرف المحاولة. وعلي كل مكان أن يجد تلك الأرضية المشتركة حتي لا نفتح بابا للمزايدات والإعلام والإعلام المضاد. 

السبت، 10 أغسطس 2013

الإعلام والمهمة المستحيلة



قالت لي صديقتي ورفيقة عمري بحماس: " إحنا عارفين مين اللي معانا ومين اللي ضدنا.. الجزيرة ضدنا .. العربية معانا .. أنتو ضدنا.. " ضحكت قليلا وقلت لها مستنكرة : احنا ضدكم ازاي يعني؟ ولماذا نكون ضدكم وما الذي يجعلك تقولين ذلك؟" ردت علي بشكل مباشر .. نتابع ونستمع ونعرف أنكم لستم معنا .. أنتم مع الأخوان" لم تكن هذه المرة الأولي التي أواجه التهمة التي الصقتها بي صديقتي التي تربطني بها درجة قرابة أيضا.. ولم تكن المرة الوحيدة التي تلاحق المؤسسة التي أعمل بها هذه السمعة.. والحقيقة أن شخصا ممن يتابعونني علي توتير قال لي نفس الكلام تقرييا قبل أيام.. "نعرفكم تساندون الأخوان.. أصلا  القناة دي ..... طالعة من رحمكم ابنتكم". فرددت عليه مازحة: "لا خلاص تبرأنا منها"
علي مدي سنوات طويلة عملت بها فى الإعلام اعتدت علي هذه التهم وهذه التصنيفات هذا معنا وهذا ضدنا. فإرضاء الناس إعلاميا غاية لا تدرك في كثير من الأحيان. لكن التهم تزداد وتتعاظم في أوقات الاستقطاب السياسي والتناحر والفرقة والتجاذب بين الاطراف المتصارعة. وخاصة عندما تكون المواقف رمادية ومتشابكة ويصعب فيها تحديد موقف قاطع. هنا تكون التهم جاهزة ومتسارعة. وقد اعتدنا علي ذلك لدرجة أننا نضحك ونقول طالما جميع الأطراف تكيل لنا الشتائم فنحن على الطريق الصحيح. 
وهذا لا يعني أن الإعلام برئ ولا يخطأ وكاتبة هذه السطور تقع كغيرها تحت طائلة الخطأ لكن الضمير المهني هو المرجع في نهاية المطاف. وقد اعتدت علي تشبيه الإعلامي بالطبيب الذي يجب أن يصارح المريض بحقيقة مرضه حتي لو كانت قاسية. فيستحق في نهاية الأمر ما لا ذنب له فيه ..لعنات المريض وغضب أهله ومحبيه. 
وأذكر جيدا عندما ذهبت إلي موريتانيا لتنظيم دورة تدريبية للزملاء الأذاعييين وسمعت أغرب شيء في حياتي. قال لي أحد المتدربين إن إذاعة بي بي سي شهدت انحسارا كبيرا فى نسبة الاستماع إبان حرب العراق. سألته لماذا قال لي لأنها كانت تقول الحقيقة المجردة دون مجاملة أو تزييف. كنتم تقدمون صورة صادقة لما يحدث علي الأرض وقد شعر الشعب الموريتاني الذي كان مغرما ب "صدام حسين" بالصدمة لانهيار نظام حكمه فصب جام غضبه علي بي بي سي وتوقف عن سماعها وأخرسها. أي أن بي بي سي دفعت ببساطة ثمن نقل الحقيقة المجردة الصادمة. هذا وللتاريخ فقد كانت هذه المؤسسة العريقة والعاملين فيها من أشد المعارضين لغزو العراق ودخلت فى صراع مرير مع حكومة توني بلير انتهت بفوز بلير مرحليا لتسدد إليه ضربة موجعة بعد سنوات.
لا أود أن أعطي دروسا فى المهنية ومصداقية الأعلام. لكنني أتوقف قليلا أمام المهمة التي أصبحت مستحيلة اليوم - مهمة الاعلام. ولا شك أن الوضع في مصر اليوم من أصعب قضايا الساعة التي تواجه الأعلاميين اليوم … وضع فريد بكل المقاييس وعلي ذلك فارضاء جميع أطراف المعادلة يعد ضربا من ضروب الخيال. كما أن نقل جميع وجهات النظر بحيادية وتجرد غاية لا يمكن الوصول إليها بسهولة. 
في الأزمة السورية وعلي مدي شهور طويلة واجه الأعلاميون صعوبة كبيرة فى نقل ما يحدث فى داخل البلد لشح المعلومات وانعدامها تقريبا. السبيل الوحيد لدخول البلاد عن طريق نظام بشار الأسد وعلي ذلك فعليك أن تنقل وجهة النظر التي يراها ويوافق عليها النظام وفي المقابل إذا ما رغبت في المجازفة ودخول المناطق التي تسيطر عليها المعارضة المسلحة يصبح لزاما عليك نقل وجهة نظرها دون سواها. 
لكن الوضع المعقد فى مصر عكس ذلك تماما. فإذا كان شح المعلومات يجعل من نقل الصورة الحقيقية من داخل سوريا صعبا. فغزارة المعلومات وتدفقها انهارا فيما يتعلق بتطورات الأحداث في مصر بشكل متسارع يجعل مهمة الإعلاميين مستحيلة. فالجميع نصب نفسه مذيعا وصحفيا ومحللا سياسيا وحكما وقاضيا. الجميع يمتلك حسابا على تويتر أو فيسبوك وبامكانه أن ينشأ منتدي ويكون لديه ألاف من المتابعين حتي وإن لم يكن يعمل بالإعلام أصلا. لدي الجميع خاصية الشير وتنزيل الصور من علي الانترنت ورفعها علي موقعه أو صفحته. يعرف الجميع مواقع كبريات الصحف العالمية ويستعين ب خاصية غوغل ترانسليشن لنقل ما يريد من أراء وتعليقات. 
كل هذا الصخب يجعل من مهنة الإعلام مهنة صعبة للغاية. فماذا تبقي للإعلام كي يقدمه بعد أن تستهلك مواقع التواصل الاجتماعي جميع الأخبار بعد ساعات من ورودها؟ وكيف يمكن للإعلام أن يقدم شيئا جديدا متميزا عن كل الموجود على مواقع التواصل الإجتماعي ؟
علي مدي الأيام القليلة الماضية واظبت في القاهرة على شراء جميع الصحف المصرية وشعرت بالرثاء لها. فالتغطية الأخبارية استهلكت فى برامج التوك شو والمواقع الأخبارية فلم يعد من تميز لهذه الصحيفة أو تلك سوي أقلام بعض الكتاب والمحللين. وحتي ذلك لم يعد له القداسة التي كانت لعمود أنيس منصور أو مصطفي أمين. ولم يعد القارئ ينتظر هذا الكاتب أوذاك فما الدافع لذلك. فقد تبادل الجميع الأراء والصور والبوستات وأصدروا الأحكام فى الليلة السابقة فلم يتبق للصحف سوي البقاء على أرصفة النسيان -إلا من رحم ربي. 
ومع ذلك لا يبقي الإعلام البديل دون خطايا تماما كما أن الأعلام التقليدي لم يكن أبدا دون أخطاء . فالجميع أصبح يتذكر الأن كيف أن صورا لمشاهد فى وقعت في سوريا تم نشرها علي أنها من رابعة وأن شريط فيديو تم اذاعته علي أنه لوقائع اقتحام مركز شرطة في الدقهليه لم يكن كذلك. وعدد ممن يروجون لصور ووقائع مغلوطة باللغة الانجليزية لمخاطبة الغرب أصبحوا معروفين علي فيسبوك وتويتر وتمت ملاحقتهم بتهم الكذب من قبل المتابعين والراصدين لهم وتم فضحهم باللغة الانجليزية أيضا وعلي نفس المواقع وبنفس السلاح . 
في خضم كل ذلك يبقي علي عاتق الإعلام التقليدي خاصة المكتوب مهمة مستحيلة. أن يقدم المميز والصحيح ويبتعد عن  المزايدات. فى الفترة الماضية وخاصة فيما يتعلق بالأزمة المصرية تعملت ما لا اتعلمه في سنوات طويلة من العمل الإعلامي. تعلمت أن العملة الجيدة تطرد فى النهاية العملة الرديئة وأن الرخص والمزايدات لا مكان لها حتي وإن بدا غير ذلك لأول وهلة. تعملت أيضا أن الامكانيات الهائلة والصيت وشبكة المراسلين لا تصنع بالضرورة إعلاما جيدا وكنت اتشكك دوما في ذلك لكني أؤمن اليوم بأن المهارات الإعلامية والصدق والامانة في النقل أهم بكثير من الأموال والامكانيات. تأكدت أيضا أن الأزمات الكبيرة علي صعوبة التعامل معها تفرز الأعلام الجيد المحترم من الإعلام المنحاز المغرض. وأهم ما تعلمته أن في الإعلام - كما هو في الحياة -" الكذب مالوش رجلين"

الجمعة، 14 يونيو 2013

الإيرانيون لا يعصرون الليمون


                          
في مثل هذا اليوم قبل أربع سنوات كنت أقف شاهدا علي طوابير طويلة من المواطنين الإيرانيين يدلون بأصواتهم في الانتخابات الرئاسية. اعترف أنني فوجئت بمثل هذا الإقبال المنقطع النظير من المواطنين الذين يعتبرون أن الإدلاء بأصواتهم أمانة وواجب وحق لله والوطن - هكذا قالوا لي.  كان من اللافت أن طوابير النساء كانت أطول بكثير من طوابير الرجال. سيدات من مختلف الاعمار والتوجهات والمشارب منهن من تحمل الكتب الدراسية والبلاك بيري ومن جاءت تحمل طفلها الوليد الذي لم يتجاوز عمره أيام ومن تنتمي الي الطبقات الشعبية ترتدي "الشادور" وهو اللباس الأسود التقليدي للايرانيات وهو  بالمناسبة ليس له علاقة بدرجة تدين من ترتديه بل يشبه الي حد بعيد "الملاية اللف" التي كانت ترتديها المصريات فيما مضي من زمن. 
جاء الإيرانيون من كل صوب وحدب وفي عيونهم الأمل في أن تأتيهم الانتخابات بالجديد .. أي جديد يحرك البحيرة الراكدة من حولهم. كان من الواضح أنها معركة تكسير عظام بين الاصلاحيين والمحافظين.
 في الأيام التي سبقت الانتخابات كان الحشد بين المعسكرين علي أشده شوارع طهران اكتست باللافتات الانتخابية ومؤيدو الطرفين يجوبون شوارع طهران في تتابع مثل موجات بشرية. تخرج مظاهرة لمؤيدي المرشحين الإصلاحيين تغني  "يادكتور سرقت الذهب والنفط وأعطيتنا أجولة البطاطس" وذلك في تهكم علي الرئيس محمود أحمدي نجاد الذي كان - حسبما قال الناس لي - يوزع علي الفقراء أجولة البطاطس بنفسه خلال الليل. وبعدها بدقائق تخرج مظاهرة آخرى لمؤيدي المحافظين تنشد الأناشيد الدينية وتقسم بالولاء لاتباع "الإمام" أي الإمام الخوميني ومحاربة "عبيد الأمريكان". 
 تجولت في العديد من مناطق طهران أرصد نبض الشارع الإيراني وكان الانقسام والاستقطاب واضحا للغاية. معظم سكان المناطق الفقيرة كانوا من المؤيدين لاحمدي نجاد حتي الشباب منهم . استطاع أحمدي نجاد ببراعة ومن خلفه المؤسسة الدينية المتنفذة أن يغذي أحلام البسطاء بأنه سيجعلهم القوة النووية الضاربة في العالم سيقفون في وجه أمريكا "الشيطان الأكبر".
قالوا لي أنه بسيط طاهر اليد يرتدي نفس الملابس التي كان يرتديها قبل أن يتولي الرئاسة. يمشي مثلهم في الأسواق ويأكل مثلما يأكلون ويقبل يد المرشد ويمتزج مع الملالي. 
علي الطرف الآخر من مدينة طهران المزدحمة والتي يخنق عادم السيارات أنفاس من يسير فيها وجدت شريحة آخري من الإيرانيين. الطبقة المتوسطة وفوق المتوسطة التي تحلم بالحرية والديمقراطية وحرية الاعلام والانترنت وأشياء كثيرة ربما لا تهم أقرانهم من الطبقات الدنيا والشعبية. لم أجد صعوبة في التواصل معهم. معظم يجيد الانجليزية بطلاقة والغالبية منهم يتحدثون بلكنة أمريكية واضحة. يرتدي الشباب منهم الملابس علي الطراز الغربي كان أحدهم كان يرتدي تي شيرت مكتوب عليه I love New York مازحته قائلة إلا تخشي من الشرطة الدينية رد قائلا "كلنا نحب أمريكا أنا احبها في العلن وهم يحبونها في الخفاء".
في وقت متأخر من الليل وقفت الفتيات اللواتي يتوفرن علي نسبة عالية من الجمال يوزعن علي السيارات المنشورات التي تدعو إلى انتخاب أحد المرشحين الإصلاحيين "مهدي كروبي" و"حسين موسوي" ( وكلاهما قيد الإقامة الجبرية منذ اربع سنوات وحتي اليوم ) قالت لي إحداهن وهي تحاول في دلال إعادة الايشارب الصغير الأنيق علي رأسها من جديد: "سننتصر هذه المرة". ولم ينتصروا ! 
اخترت أن يكون بازار طهران آخر محطة في جولاتي في عاصمة كنت أعلم أنني ربما لن أتمكن مرة أخري من زيارتها. في جنبات الحوانيت الصغيرة المتلاصقة ببعضها البعض كانت هناك بعض من أفخم وأجمل أنواع السجاد التي يمكن أن يراها أي شخص في حياته. كان واضحا أن لا تجارة ولا بيع ولا شراء. بل ركود وركود. يعتمد بعضهم علي السفر وبيعها في الخارج أو عليه انتظار ما ندر من السياح الأجانب الذين يغامرون بالقدوم إلى هذا البلد الذي تخنقه الكثير من التعقيدات والمخاطر الأمنية. في ثالث محل وقعت عيني علي لوحة مغزولة بخيوط حريرية صورة للرئيس المصري الرحل جمال عبد الناصر ! لم أتمالك نفسي من الدهشة ابتسم صاحب المحل قائلا لم الدهشة أنه زعيم وطني نحبه كثيرا ونقدره أنه مثل الزعيم محمد مصدق. وكيف يمكن للشعوب أن تنسي من ينحاز لها ويقف في وجه الإمبريالية الغربية ؟ 
كان حديث البازار مغلفا بكثير من الحذر. تعلم الإيرانيون ألا يكونوا منفتحين مع الغرباء. إنهم يعشقون الحديث في السياسة لكنهم لا يفصحون بالضرورة عمن سينتخبون. التجار منهم علي وجه الخصوص - وهم طبقة متنفذة ويحسب لها حساب - لا يمكن أن يكشفوا بوضوح عن خياراتهم السياسية ولكنهم لا يفرطوا في حقهم الانتخابي أبدا. اكتفوا بالإشارة إلى صعوبة الحياة ووقف الحال فى ظل عقوبات اقتصادية خانقة. ربما يأت الغد بجديد - قال لي أحدهم. ولم يأت الغد بجديد. 
في يوم الانتخابات نفض الجميع أحلام الليالي السابقة وارتدوا أجمل ما لديهم وذهبوا إلى الحرب ....إلى مراكز الاقتراع. كان يوما طويلا ومرهقا انتشرت فيه الشرطة بكثافة . أمرني أحدهم في صلافة أن أغلق جميع أزرار معطفي قبل أن يسمح لي بالدخول الي مركز الاقتراع الذي أقيم في أحد الحسينيات. ولم يسمح آخر للمترجمة التي ترافقني بدخول لجنة أخري علي الرغم من أنها مُعينة من قبل وزارة الثقافة والإرشاد.
طوابير الإيرانيين أجبرت السلطات علي تمديد وقت الاقتراع ثلاث مرات. قبل إغلاق المراكز طيرت احدي الوكالات الغربية خبر فوز "موسوي". قضينا الليلة ما بين تكذيب خبر وتصديق اخر وفي الصباح جاءت الأنباء بما لا يشتهي الكثيرون. تأهب الجميع وبدأ الحشد. العرس الديمقراطي الكبير تحول في اليوم التالي إلى كابوس. قضينا ساعات طويلة فى انتظار ما نعرفه بالفعل وعلينا أن نؤكده فقط "فاز أحمدي نجاد بولاية ثانية" 
لم ينتظر الإيرانيون مثلنا إعلان النتائج الرسمية وبدأت الاحتجاجات والملاحقات من شارع لشارع والضرب بالهروات وإطلاق الأعيرة النارية. خرج الإيرانيون غير مصدقين كانوا يعلمون أنهم أختاروا بوعي وعن ثقة في المستقبل. وحدثت الخديعة وتم تزييف إرادتهم. هذا ما كانوا يقولون لي والشرطة تلاحقنا معا من شارع لشارع. 
كان أخر يوم في طهران . ذهبت برفقة بعض الزملاء إلى مكان بعيد نلتمس قدرا من الراحة بعد ثمانية أيام من العمل الشاق. في الطريق كان واضحا أن الغضب أخذ مداه. مع دقات الثامنة مساء أطلق جميع سائقي السيارات صفارات سياراتهم وأطفئ من في البيوت الأنوار .. سبحت طهران في الظلام لدقائق. أخذت تروي المترجمة - وهي من أصل عراقي ولا تجرؤ حتى على نطق اسمها الحقيقي "شيماء" واستبدلته باسم فارسي "شيوا" كيف أن زوار الفجر أخذوا جارها الشاب ذات يوم ليعود بعد عشر سنوات كاملة في السجن وهو حطام إنسان سألتني في حسرة : "هل هذا هو الدين ؟ إذا كانوا المتدينون يفعلون ذلك فماذا يفعل الكفار؟" 
هناك علي الجبل كانت الأمور أكثر هدوءا إلا من بعض الشباب الذين كانوا يبكون في الشارع حزنا صرخ بعضهم فينا "مبسوطين ؟ عاد أحمدي نجاد سيظل كابوسا لأربع سنوات" وظل كذلك
عندما هبطنا إلى الشارع بعد راحة قصيرة لم نعد إلى نفس المدينة تبدلت فى ساعات. لا تنمحي من ذاكرتي صورة فتاة بارعة الجمال صبغت أظافرها ببراعة بلون أحمر وتحمل بكل عناد حجرا كبيرا وتدق في عنف وجنون على الحواجز الحديدية ويتردد الصوت نفس الصوت فى كل أنحاء طهران. 
كان من المحزن جدا أن أشهد هذه التقلبات ما بين الأمل والرجاء واليأس. 
لكنهم عادوا من جديد بعد أربع سنوات ... بامل جديد فى الغد وأن المعجزة ستحدث ذات يوم وتتحقق إرادتهم السياسية .. فالإيرانيون لا يعصرون الليمون.. 

السبت، 31 ديسمبر 2011

نساؤنا ونساؤكم

قبل نحو خمس سنوات ..... وفي أوج استخدام النساء في العمليات الانتحارية في العراق والشيشان وغيرها من مناطق في العالم ...قمت باعداد برنامج وثائقي عن احوال النساء فيما يعرف بالجماعات الاسلامية في مصر من الجماعات السلفية وجماعة الاخوان المسلمين وغيرها ... كان الهدف هو تقديم صورة صادقة وواقعية عما تعانيه هؤلاء النسوة من حيف وظلم في غياب الأب والزوج وراء القضبان وكيف يتسني لهن أن يسيرن أمور حياتهن البسيطة من إنفاق علي العائلة والاطفال خاصة وأن بعضهن كما هو الحال في نساء الجماعة الاسلامية وبعض الجماعات السلفية لا يخرجن للعمل لاسباب عقائدية وايدلوجية ....
أقول الحق .. لقد رأيت أحوالا كالاهوال تقشعر لها الأبدان ....حكايات عن رحلات عذاب إلي سجون في بطون الجبال ....أطفال راقدون علي البلاط في أحضان أمهات لا يملكن قوت يومهن .... حملات مداهمات في المنازل تنزع الرجال من وسط عائلاتهم في الفجر وأحيانا إثر العودة من صلاة العشاء .....الكثير والكثير....صورٌ حفرت في ذاكرتي ولن تنمحي ...أحيانا كنت أشعر أنني اصبحت فجأة طاعنة في السن من هول ما رأيت ...... زوجة شابة وأم لستة أطفال قضيت نصف نهار حتي أصل إلي غرفتها علي سطوح بيت متهالك في حي أقل من متواضع روت لي بحسرة كيف أنها كانت تقطن في أرقي احياء القاهرة قبل أن يؤخذ زوجها المهندس إلي قدره المحتوم... لم تكن هناك من تهمة ثابتة عليه ولا دليل إدانة ....وكلما قضي القاضي بالإفراج عنه، طعنت الداخلية في حكم الإفراج ليحتجز من جديد ويرحل إلي السجن ..
كانت هذه الحالات سائدة في التعامل مع أي ممن يشتبه مجرد شبهة في انتمائهم إلي الجماعات الإسلامية ... وأكبر المصائب أن هؤلاء لا يعتبرون سجناء يُرجي أن يتم الأفراج عنهم بعد فترة محددة ، كما تحرم الزوجات في هذه الحالة من أي إعانة تقدمها وزارة الشئون الأجتماعية .... كانت هذه وسيلة نظام مبارك الإجرامية في إدخال هؤلاء في نفق مظلم دون أي بصيص من أمل حتي ولو بعد قضاء عقوبة السجن المؤبد ....هذه الحالات لم تكن فردية بل كانت سائدة علي نطاق واسع وقدرت الجماعات المدافعة عن حقوق الإنسان المصرية والدولية وقتها أن عدد هؤلاء قد يفوق ثلاثين ألفا ؛ سجناء دون محاكمة ......
وقتها لم يرغب أحد حتي في وزارة حبيب العادلي صغيرا كان أم كبيرا أن يرد علي هذه الادعاءات من جانب جماعات حقوق الإنسان حتي ولو من قبيل ذر الرماد في العيون.... لم يسألني أحد من رؤسائي في المؤسسة التي لا يتردد البعض في أن يوسمها بانها "أمبريالية متآمرة"عن مصداقية ما طرحت  .. وروايات النساء اللواتي كن يصرخن في التسجيل بأعلي ما في أصواتهن من الظلم والألم ... لم يكن هناك سوي علامة ذهول من الرقم الذي نقلته عن الجماعات المدافعة عن حقوق الأنسان عن عدد المعتقلين دون محاكمات في مصر ....وسؤال للتأكد من أننا حاولنا مرارا أن نتحدث إلي مسؤولي الداخلية المصرية ( قلبهم فيه الخير) لمواجهة المسؤولين فيها بما تقوله جماعات حقوق الانسان ....عملا بمبدأ الرأي والرأي الأخر ...
...............
يقفز كل هذا .. اليوم وبعنف من الذاكرة ليطرح المفارقة ...كيف يتحدث بل يتبجح هؤلاء الذين كانوا مقموعين بالامس القريب في غياهب سجون مبارك في وجه الليبراليين وجماعات المجتمع المدني وجماعات حقوق الانسان ويتهمونهم بالعمالة للغرب ؟ كيف نسي هؤلاء أنهم عندما كانوا سجناء رأي لم تدافع عنهم دول خليجية ولم تمد لهم يد أمراء العائلات الحاكمة بل كانت جماعات حقوق الانسان هي التي تقف بجانبهم وتضع قضيتهم أمام الرأي العام .....وكان الفكر الليبرالي الذي يرفض أقصاء الأخر هو من يسلط الضوء علي محنتهم.
كيف يمكن للمحسوبين علي التيارات الدينية أن يتحدثوا اليوم ببجاحة وصلف عن فتيات التحرير ويبرروا سحلهن وتعريتهن في الشوارع ويخوضون فيا أعراضهن وقد عانت نساءهن بالامس القريب الامرين من نظام مبارك وأعوانه من قمع وإذلال... حقيقة لا استطيع فهم هذه العقلية ...عقلية من تعرض للتهميش والقمع والاذلال سنوات طويلة لينقلب أول ماينقلب علي اليد التي امتدت إليه ....
لقد كال نظام مبارك علي مدي سنوات طويلة الاتهامات لجماعات حقوق الانسان بالعمالة للغرب وبالتبعية لهذه الجهة أو تلك ولم تتراجع هذه الجماعات في وجه هذه الاتهامات بل كان الاسلاميون علي رأس قائمة مطالبهم الحقوقية .....
كان الليبراليون اشرس من تحدث عن حقوق الآخر وطعن في الحكم "الالهي" لمبارك ... كان البرادعي أول من فتح الباب علي مصراعيه للحديث بجرأة وصراحة عن حاجة مصر للإصلاح والتغيير، واليوم أري أن الأفواه تلوك سيرة الرجل بالباطل في كل شاردة وواردة ... لقد كان إبراهيم عيسي وعبدالحليم قنديل ( اتفق أو اختلف معهما ) وغيرهم ممن يحسبون علي التيارات اللليبرالية في الإعلام المصري أول من رفع صوته لمواجهة آلة مبارك الاعلامية الجهنمية ودفعوا الثمن غاليا واليوم يتجرأ الكثيرون من المتأسلمين علي رميهم بالكفر والالحاد ..... لقد كان حافظ ابو سعدة ونجاد البرعي وعايدة سيف الدولة هم أول من تحدث عن حقوق الاسلاميين الضائعة في عهد مبارك واليوم يتهمون بأنهم جزء من مؤامرة علي استقرار مصر .....وكان الاعلام الغربي " الامبريالي المتأمر" أول من تحدث عن محنة نساء الجماعات الاسلامية" ووضعها تحت الضوء ....واليوم يتهم نفس الأعلام بأنه يتسلط علي مصر ويبتز السلطات فيها بحجة الدفاع عن حقوق النساء في ميدان التحرير ....
يقول الله تعالي في الحديث القدسي "يا عبادي إني حرمت الظلم علي نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا"

الأحد، 11 ديسمبر 2011

فتنة المذيعات

 من يعمل في حقل الإعلام المرئي والمسموع يعرف تمام المعرفة أن هناك نوعًا من ضيوف البرامج يحاول دوما فرض شروط على البرنامج أو مقدمه أو معديه... إما بطلب تغيير الضيوف المصاحبين له أوالانفراد بالبرنامج أو حتي بتغيير نمط البرنامج أو فرض أجندة معينة عليه أو طرح القضايا من منظور مخالف للتوجه المطروح سلفا...
وفي مرحلة الاعداد للبرامج غالبا ما تجري نوع من المساومات والمفاوضات بداية من محاولة معرفة الأسئلة سلفا وانتهاء بمحاولة فرض ضيوف معينين على البرنامج .... كل هذا قد يكون مشروعا من وجهة نظر الضيف كي يخرج بأكبر قدر من المكاسب الإعلامية وبأقل خسائر ممكنة.... لكن معد ومقدم البرنامج في هذه الحالة هو الثابت... أو يفترض أن يبقى كذلك... فليس من العدل مثلا تغيير طبيعة البرنامج أو نمطه أو كسر قواعد مهنية من أجل ضيف ما والتشبث بنفس هذه القواعد المهنية مع ضيف آخر. فالفنان محمد صبحي عندما دعوته للاشتراك في برنامج يقوم على الحوار مع طرفين آخرين رفض أولا الظهور في البرنامج مع ضيف بعينه ومن ثم طلب صراحة الانفراد بوقت البرنامج كشرط للظهور وهو ما رفضته وشرحت له أن طبيعة البرنامج تقوم علي الحوار مع الاطراف الأخرى وفي النهاية لم يشارك في البرنامج لكن تم تسجيل الحلقة عن نفس الموضوع دون مشاركة الفنان محمد صبحي الذي ليس لدي أي شك أن وجوده في البرنامج كان سيصبح إضافة له لكن الثبات على المبدأ كان بالنسبة لي وللمشرف على البرنامج أهم..

وحدث شيء مماثل مع الأستاذة نوال السعداوي التي طلبت أن تتحاور مع شيخ الازهر كشرط في اشتراكها في البرنامج... كانت وجهة نظرها أنها تحتاج إلى شخص على نفس المستوى العقلي والثقافي.. وباءت محاولاتي لإقناعها بالاشتراك في البرنامج بالفشل واضطررت لتغيير موضوع البرنامج برمته.... واعتقد أنها لم تنس لي أبدا هذا الموقف وترفض حتى اليوم أن أجري معها أي حوار... أحترم السيدة وأحترم رأيها واختياراتها لكني لم اندم على احترام قواعد مهنتي كما أرها وافهمها..

فعلى الرغم من أن الظاهر أن البرنامج يحتاج إلى ضيوف يضيفون إليه ويثرونه ويكون بالتالي محل نقاش في الدوائر الاعلامية إلا أن الواقع يؤكد أن ضيف البرنامج في الواقع هو الذي يحتاج هذه الفرصة (المتمثلة في الظهور الاعلامي) في التعبير للجمهور عن قناعاته وشرح وجهة نظره.. مجرد إدراك هذه الحقيقة هي مكمن قوة الإعلام... هذا بالطبع إذا ما أدرك القائمون عليه ذلك.. 

لكن يبدو أن هذه الحقيقة غابت عن الكثيرين من الإعلاميين في مصر في الآونة الأخيرة وخاصة من المذيعات... فإحداهن قامت بإجراء حوار مع أحد الإسلاميين من وراء ستار وقدمت للفقرة على اعتبار أنها "سابقة" في تاريخ الاعلام!! والثانية سمحت لتدخل من ضيف برنامجها بالتعليق على ملبسها كونها سافرة وأنها على الرغم من ذلك فهي "كويسة ومحترمة"... والثالثة ارتدت حجابا لمجرد أن ضيف البرنامج السلفي اشترط ذلك.. فبعثت إليها إدارة التلفزيون الرسمي خطاب شكر على مهنيتها!! 

المشكلة بالطبع ليست في الحديث من وراء ستار أو ارتداء الحجاب أوخلعه فكاتبة هذه السطور. كانت أول من طرح قضية منع المذيعات اللاتي ارتدين الحجاب من الظهور علي شاشات التلفزيون المصري علي أساس أن للانسان الحق في أن يرتدي ما يشاء طالما أنه يتسق مع قناعاته الاخلاقية وطالما أن ذلك ليس نشازا عن المجتمع الذي يحيط به....
لكن المشكلة في أن المذيعات خضعن لشرط مسبق من ضيوف البرنامج وبدون مبرر مهني مقبول.... وهذا الشرط إما أنه جاء في إطار مزايدات للحصول على ما بدا أنه سبق صحفي رغم أن الواقع ينافي ذلك (فالضيوف الثلاثة يدلون بتصريحات بمعدل تصريح كل ثلاث دقائق) أو انه جاء من قبيل الإثارة الصحفية والفرقعة...أوإنه جاء لإرضاء شريحة ما من الآراء الرائجة في الشارع على طريقة الجمهور عاوز كده....

أنا لن أطرح هنا أسئلة بديهية عن تزلف بل وزيف الضيوف الثلاثة من قبيل: ألا يرى هؤلاء الضيوف نساء غير محجبات في الشارع ؟ هل كان سيطلب الضيف من كريستيان امنبور او برباره والترز ارتداء الحجاب قبل أن يقبل أن تجري معه لقاء؟ وهل لو التقى احدهم -والثلاثة يزعمون أنهم يشتغلون بالسياسة- لو التقى مثلا هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الامريكية هل سيطلب منها أن تتحدث من وراء ستارة ؟؟؟ 

وأعود للقول إنه ليست القضية في أن يحاول الضيوف استغلال برنامج ما لتمرير رسالة معينة ولكن القضية في الإعلامي أو الإعلامية الذي يسمح أن يكون مجرد كوبري تمر من فوقه هذه الرسالة...القضية في الأسباب التي تجعل المذيعات يقبلن أن يكون مظهرهن محل نقاش وتفاوض مع ضيوف برنامج أي برنامج... 

اتباع هذا الأسلوب له آثاره السلبية جدا بل هو مؤشر خطير في الإعلام المصري سواء الرسمي أو الخاص..... فالبرنامج بدلا من أن يكون موضوع النقاش فيه الأسئلة التي ستوجه للضيف وكيف سيجيب عليها أصبح محوره ملبس المذيعة أو حديثها من وراء الستارة.... والمذيعة بدلا أن تكون هي التي تمسك بزمام الأمور وتتطرح الأسئلة بل وتحرج الضيف أصبحت هي المتحرجة المعتذرة عن مظهرها، وهو ما يفترض أنه شيء ثانوي في القصة برمتها. وفي الحالة الثانية اقحمت المذيعة -التي احترمها جدا بالمناسبة- اقحمت سؤالا من الجمهور عن شرعية تحاور ضيفها مع مذيعة سافرة!! 

مؤشر يدل مع الأسف علي فقدان مصداقية الإعلامي لدى نفسه قبل أي شخص.. فصاحب برنامج ينبغي أن يكون مخلصا لقناعاته المهنية أولا واثقا من نفسه ومن اختياراته ثانيا حتى يكون له بالتالي مصداقية لدى المتلقي... فخلط العام بالخاص ما هو مع الأسف إلا دليل على ضعف المستوى المهني وضعف الثقة بالنفس....
وسؤال أخير هل يمكن أن نتخيل أن يطلب أوباما مثلا من مذيعة محجبة مثلا أن تخلع الحجاب قبل أن يجري معها لقاء؟؟ والسؤال الأهم هل ستقبل المذيعة المحجبة ذلك لمجرد أن تفوز بلقاء مع رئيس أكبر دولة في العالم؟؟