Translate

‏إظهار الرسائل ذات التسميات إنجليزي بالعربي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات إنجليزي بالعربي. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 5 مايو 2014

كيف يسقط الساسة على سيف المتاجرة بالعنصرية


كيف يسقط الساسة على سيف المتاجرة بالعنصرية 
عندما سألت السيناتور كيث إليسون ..أول نائب مسلم في الكونجرس الأمريكي لماذا يثير الكثير من الجدل حوله ويخوض في قضايا شائكة يتجنبها الكثيرون من الساسة قال لي جملة مازلت عالقة في ذهني … "السياسي الذي يحاول خداع الناخبين ويغشهم ويحاول إخفاء الحقائق وتجنب المواجهة سياسي فاشل ويقدم مستوي ضعيف ومتواضع في مجال الخدمة العامة. المجتمع الذي يلتزم بمبدأ العدالة للجميع يجب على أن يؤمن بهذه الافكار بكاملها دون انتقاء بعضها." 
لم أنس هذه العبارة أبدا. وتذكرتها مجددا وأنا أقرأ قبل أيام تصريحات السياسي البريطاني ديفيد بيشوب والتي قال فيها معتذرا " لقد أدركت الآن أن من يتصدي للعمل العام عليه أن يثبت جدارة ويسعي إلي توحيد المجتمعات لا أن يفرقها. أرجو أن يغفر لي أهالي دائرتي الافتقار إلي صواب الحكم". 
كان هذا جزءا من بيان الأستقالة من العمل السياسي الذي تقدم به "بيشوب" الذي اعتذر بشكل واضح لا ريب فيه عما وصفه هو شخصيا ب " الإساءة الحقيقية" التي ارتكبها وقال إنه لن يتنظر من أبناء دائرة "برنت وود ساوث" في مقاطعة إيسكس أن يمنحوه أصواتهم في الانتخابات المحلية الحاسمة التي ستجري في الثاني والعشرين من شهر مايو الجاري. 
أما "الجريمة الإنتخابية" التي ارتكبها ديفيد بيشوب فكانت تغريدتين علي توتير.. نعم تغريدتين فقط لا غير خسر الرجل بسببهما مستقبله السياسي وعضوية حزب المحافظين الشريك الأكبر في الإئتلاف الحكومي البريطاني. 
الأولي كانت "مزحة سخيفة" تهكم فيهاعلى المثليين جنسيا" ثم اعقبها بتغريدة أخري في السابع والعشرين من إبريل (أي بعد يومين فقط من تسميته مرشحا في انتخابات البلدية عن حزب المحافظين) قال فيها إن "الإسلام هو دين السلام والأغتصاب" في إشارة لاعتقال أربعة رجال مسلمين متهمين باغتصاب فتاة في الرابعة عشرة من عمرها.  وكانت التغريدة الثانية هي التي كلفت بيشوب الكثير. 
ربما لم ينتبه حزب المحافظين إلي التغريدة الأولي التي كتبها بيشوب عن المثليين جنسيا والتي كتبها في الثالث عشر من شهر ابريل الماضي. أي قبل إعلان ترشيحه ممثلا عن الحزب لكنه بمجرد إعلان ترشيحه نظر إليه الجميع بنظرة مختلفة وكانت التوقعات منه تلقائيا أن يتحلي بقدر من المسؤولية المجتمعية كسياسي حتي ولو كان على مستوي محلي. 
لم يلتفت الحزب إلي كون "ديفيد بيشوب" يعمل DJ في أحدي الأذاعات المحلية ولم يتحدث الناس عن إن عمله في مهنة ترفيهية تقلل من شأنه في المجتمع ولا تسمح له بأن يكون له عمل جاد مثل العمل السياسي. ولم يطلب منه أحد أن يتخلي عن وظيفته التي يتقاضي منها راتبه لكن عمله العام كان بالتأكيد شأنا يخص الجميع دون استثاء .. الحزب …المجتمع ….الإعلام … ومتابعي الرجل على توتير. 
ولقد دخلت بالفعل على حساب ديڤيد بيشوب على موقع توتير في محاولة مني للتعرف على جوانب أخري من شخصيته فوجدت أن الحساب قد تم حذفه تماما. لكن بقيت ردود الفعل الغاضبة على تغريداته موجودة واللافت أن معظمها كانت من غير المسلمين. قالت له أحدي المتابعات وتدعي "ڤايوليت" : أرجو أن تكون قد تعلمت الدرس أن التنميط ووصم الآخرين في المجتمع لا يمكن أن تؤدي إلي التفرقة. أتمني لك التنوير والسلام والحب. وقال متابع أخر يدعي أنتوني ويعيش في نفس دائرته الأنتخابية مستنكرا : "الإسلام دين الأغتصاب؟ هل لديك أدني فكرة عن الجرائم التي ارتكبت زورا باسم المسيح؟" وبالطبع كانت هناك العديد من الردود التي وجهت الأتهام لديفيد بيشوب بالعنصرية والأنحياز ضد الأقلية كما كان هناك اتهامات إلي حزب المحافظين بإساءة اختيار مرشحيهم علي الرغم من التعامل الحاسم والسريع للحزب مع الرجل. 
لم يكتف حزب المحافظين بالاعتذار الذي قدمه ديفيد بيشوب دون أي تحفظ وأنه تنازل عن الترشح ممثلا عن بل خرج "جون كرسلاك" رئيس المجموعة التي تضم الدائرة الانتخابية ليؤكد على أن " الأمر تم التعامل معه بسرعة وبشكل حاسم بما يخدم مصالح دائرة برينت وود وحزب المحافظين". وأضافت لويز ماكنلي بالقول إن "آراء السيد بيشوب تخصه لوحده ولا مكان لها في الفريق. لقد أتخذ القرار الصحيح
لم استغرب كثيرا ردود الفعل السريعة التي جاءت من حزب المحافظين بطرد الرجل من قائمة المرشحين بل وحرمانه من عضوية الحزب. فهذه الإنتخابات مهمة للغاية وحاسمة وتعتبر امتحانا كبيرا للائتلاف الحكومي الذي لا يعرف أحد كيف يقيمه رجل الشارع في بريطانيا. فالائتلاف بدأ ب" كوراث انتخابية" ثم نجح في استعادته توازنه خلال الاشهر القليلة الماضية وتمكن من إحراز " نجاحات إقتصادية" بتقليل العجز في الموازنة ونسبة البطالة. وهذا هو الاهتمام الأكبر بالنسبة للناس العاديين. 
لكن التهديد الأكبر بالنسبة لحزب المحافظين  الذي يميل إلي سياسات يمين الوسط هو حزب بريطانيا المستقلة UKIP الذي بات يؤرق الكثيرين من الليبراليين في المجتمع البريطاني لصعود نجمه في الأونة الأخيرة والذي يتوقع له الكثير من المراقبين أن يحقق نجاحات كبيرة في الانتخابات المحلية التي ستجري في الثاني والعشرين من مايو ليدخل من هذه البوابة إلي البرلمان الأوروبي. 
لا يشك الكثيرون في الدوافع " الخبيثة" لحزب بريطانيا المستقلة وميله نحو العنصرية وهي تهمة لا يتهاون معها الكثيرون في المجتمعات الأوروبية. وهذا هو السبب بالتحديد الذي جعل الحزب يوقف عضوية "هاري پاري" الطامح للفوز بدائرة أوفرتون بعد أن ارتكب "جريمة انتخابية" تماثل جريمة ديڤيد بيشوب حيث قال على حسابه على توتير إن "الإسلام شر والمثلية الجنسية أمر حقير". وهاري پاري ليس المرشح الأول الذي يتم منعه من الترشح للانتخابات نائبا عن حزب UKIP. فقد اضطر مرشح أخر هو ويليام هينوود إلي التخلي عن طموحه السياسي بعد أن تهكم أيضا علي حسابه علي توتير علي الممثل الكوميدي الأسود "ليني هنري" الذي طالب بوجود المزيد من الوجوه السمراء في الصناعات الابتكارية. فما كان من ويليام هينوود أن رد بتغريدة قال فيها إن على"ليني هنري" أن يهاجر إلي بلد أسود كما شبه الإسلام بالرايخ الثالث. 
والأسوأ من ذلك أنه حين سأل عن تغريداته قال هينوود في أحد برامج بي بي سي "إذا جاء السود إلي هذه البلد ولم يختلطوا بالمواطنين البيض لماذا يعيشون هنا وإذا كان ليني هنري يرغب أن يري الكثير من السود حوله لماذا لا يذهب ليعش في بلد مواطنيه من السود؟ " 
أثارت هذه التعليقات زوبعة من الادانة من الأحزاب الأخري بدأت بوزير الصحة عن حزب المحافظين چيريمي هانت الذي وصف هذه التعليقات بأنها عنصرية ومثيرة للقرف. كما قالت هيلاري بن وزيرة المجتمعات في حكومة الظل عن حزب العمال إن التعليقات جارحة ومهينة وهجوم يفتقد إلي الروح البريطانية علي شخص بريطاني مثله مثل أي شخص"  
أما "نيك غريفين" زعيم الحزب البريطاني القومي ذي التوجهات اليمينية المتطرفة فكان الوحيد الذي دافع بالطبع عن هينوود قائلا إن العنصرية الحقيقية هي أن تمارس هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي ومن خلفها الساسة البريطانيون الاستقواء والتنمر على المواطنين البريطانيين العاديين قائلا إن هؤلاء سيصبحون أقلية فى بلدهم"
من السهل جدا أن يتحدث الساسة بما يحلو لهم على تويتر ويعلقوا بما شاءوا بتصريحات بلهاء قد تثير إعجاب الحمقي أمثالهم. من السهل والمغري أيضا أن يوجهوا اهانات للاقليات الدينية والعرقية والتهكم علي شرائح معينة في المجتمع. لكن هناك الكثيرون جدا ممن يقال عليهم " التيار السياسي الأصيل" سيرفضون ذلك كله شكلا وموضوعا ليس لأنهم أكثر نبلا أو ترفعا فعالم السياسة لا يعرف هذه المفردات الطنانة لكن هذا التيار الذي يطلق عليه Mainstream يدرك ببساطة فداحة ثمن العنصرية لقد اكتوت المجتمعات في أوروبا عقودا بنيران الحقد والكراهية ونبذ الأخر. وكلفتهم العنصرية البغيضة الكثير من البشر والمال في حربين عالميتين عاشوا ولاياتها عقودا. يعرف الجميع بمن فيهم من تغريه "عنصريته" بأظهارها أن ثمن العنصرية باهظ للغاية حتي ولو كان مجرد تغريدة علي موقع تويتر أو تصريح في برنامج إذاعي. 

الجمعة، 14 مارس 2014

أخر الرجال المحترمين



توني بن …أخر الرجال المحترمين 
ربما لو ذكر اسم "توني بن" للبعض في العالم العربي يظنون أنك تقصد "توني بلير" رئيس الوزراء الاسبق وأنك أخطأت في اللفظ أو الكتابة. وقد يكون لهم بعض العذر في ذلك وقد يكون من سخريات القدر أن يتشارك توني بن وتوني بلير في الاسم الاول ويتشابه اسميهما الثاني. وشتان ما بين الاول والاخير. ومن المؤسف فعلا الا يعلم الناس في العالم العربي الكثير عن هذا الرجل العظيم الذي يعد بحق مثالا للسياسي المحترم إذا جاز في أي حال أن نصبغ صفة الاحترام علي العمل السياسي. 

قبل سنوات طويلة تم تكليفي بتغظية أعمال المؤتمر الانتخابي لحزب العمال المعارض.. كانت هذه طريقة مكان العمل في تقديم العاملين الجدد للانخراط في الحياة البريطانية ومتابعة الاصول والقواعد الانتخابية في البلد..وقد احسنوا صنعا. كان من المهم - كجزء من التغطية الاخبارية - أن استمع إلي جانب الحلقات النقاشية التي تتناول القضايا العربية واسعدني الحظ بحضور احداها وكان "توني بن" هذا السياسي اليساري المخضرم حاضرا ومحاضرا فيها. بعد حلقة النقاش تقدمت إليه بجرأة ساذجة وطلبت منه إجراء حوار معه بعد أن قدمت إليه نفسي وصفتي ومكان عملي فوافق دون تردد. بدا لي دمثا ودودا متواضعا وعالما بكل ما يدور في العالم العربي وقتها. اخجل الأن أن أقول أنني لم اكن قبل هذا اللقاء قد سمعت بالرجل. ولي بعض العذر تماما كما لقراء هذه السطور كل العذر في ألا يعرفوا قدر هذا الرجل العظيم الذي غيبه الموت منذ أيام . 
حينما عدت إلي مكان عملي وافصحت لمديري عن "المقابلة الاولي" التي أجريها في المكان ومع من كانت قال لي مندهشا وضاحكا "توني بن مرة واحدة يعني أول ما تشطحي تنطحي؟" كان من الواضح أنني حققت مقابلة جيدة وإن لم تكن نادرة فالرجل كان يحب الاعلام والكلام وكان خطيبا مفوها ويكفي أن يعلم قارئ هذه السطور أن هذا السياسي المخضرم الذي بقي تحت قبة مجلس العموم البريطاني خمسين عاما كاملة كتب مذكراته في ثمانية مجلدات نعم ثمانية مجلدات !! كما أنه ضمن خطبه في مجلدين حققا مبيعات قياسية. 
كان الرجل فخورا بولعه بالكلام والخطب السياسية والمقالات والمقابلات وكان يمازح الاعلاميين قائلا: :عندما اقابل الرب ساتقدم اليه بخطبة مؤلفة من خمسة عشر مليون كلمة ثم اسأله مارأيك فيما قلت ؟" وبقي يحب الكلام حتي أنه تحدث للناس حتي بعد موته فلم ينس توني بن أن يسجل رسالة صوتية لمدة دقيقة وأوصي أن تذاع بعد وفاته… وجه فيها الشكر لوالديه واولاده واحفاده واختص زوجته "كارولين" بشكر منفرد قائلا إنها رفيقة مشوار عمره على مدي خمسين عاما واختتم بالقول إنه يرجو إلا يكون قد سبب احراجا أو أذي لاي شخص لان من يشتغل بالسياسة عليه أن يكون صريحا وجارحا أحيانا. ولم ينس أن يمازح الناس بالقول إنه سيشاهد الرسالة من العالم الآخر. 
هذه الدقيقة التي تركها "توني بن" إرثا ربما لخصت حياته ومشواره وطريقته الخاصة اللاذعة ومزاحه الذي يتميز بنكهة إنجليزية خالصة
فتوني بن لم ينس أن يشكر عائلته الارستقراطية التي سبب لها خيبة أمل برفضه أن يحمل أيا من ألقابها المتوارثة وبرفضه أن يدخل مجلس اللوردات المخصص للطبقات الراقية في بريطانيا وفضل عوضا عن ذلك خوض غمار السياسة وأن يصبح نائبا منتخبا في البرلمان وعلي مدي خمسة عقود. 
ولم ينسن أن يشكر زوجته التي قال عنها في رقة وعذوبة : "اشعر أمامها بقلة الحيلة فأنا اعتمد عليها في كل شيء من التعليقات الذكية والصخب العقلاني الذي تثيره عندما نتناقش في خطبي وكتاباتي ومرورا بملابسي التي تقوم بشراءها وشعري الذي تقصه بنفسها وتتأكد أن مظهري لائق ومحترم قبل أن أخرج من باب البيت ومع ذلك تبدو كارولين نفسها جميلة الهندام ورائعة الطلة" 
لم ينس "توني بن" أن يقدم اعتذارا لاي شخص تسبب له في أذي فالرجل الذي دخل البرلمان وهو شاب لم يتجاوز الخامسة والعشرين لم يعرف المجاملة ولا المواربة يوما في مجال السياسة الذي يعد فيه الكذب والنفاق عملة رائجة جدا. 
لم يقل "توني بن" يوما ما لم يفعل ولم يفعل سوي ما يقول. فعندما أختار اليسار والاشتراكية والانحياز للفقراء لم يدخل مجلس اللوردات الذي كان يستحقه بالوراثة ولم يتنمي لحزب المحافظين الذي يناسب بالضرورة عائلته ومكانته الاجتماعية. أنما دخل مجلس العموم بالانتخاب المستحق ليصبح نائبا لامعا وزيرا وزعيما للكتلة الانتخابية لحزب العمال. 
لم يكن "توني بن" كذلك مجرد "بوق يساري" من أصحاب الكلام الرنان الاجوف بل كان صاحب مبدأ وموقف..  وكان الكثيرون من الساسة اللامعين وعلي رأسهم مارجريت ثاتشر وتوني بلير يحسبون له ألف حساب. وعندما بغت وطغت ثاتشر السيدة الحديدية كان لها بالمرصاد. وفي حربها الشهيرة مع عمال المناجم الذين أضربوا عن العمل عامين كاملين وقف في وجهها ووقف في صفهم . 
وحين قرر "توني بلير" خوض الحرب علي العراق وقف له بالمرصاد وسيذكر التاريخ على الدوام الخطاب الشهير الذي ألقاه في مجلس العموم الذي أدان فيه توني بلير زعيم حزب العمال الحاكم حيث اتهمه صراحة بالانقلاب على مبادئ حزب العمال وبالتواطئ مع اليمين الأمريكي متمثلا في الرئيس السابق جورج بوش الابن وديك تشيني للاطاحة بنظام صدام حسين بدون وجه حق واشعال حرب لا يعرف أحد مداها. 
وحينما انتصر توني بلير بالاعيبه واقنع ببراهين كاذبة البرلمان بأن صدام حسين لديه أسلحة للدمار الشامل وحصل على ما يريد من تأييد البرلمان للحرب على العراق.  نزل "توني بن" مثل أي مواطن بريطاني محترم الشارع وشارك الالاف في تظاهرات "أوقفوا الحرب" التي كانت تخرج كل أسبوع احتجاجا علي الحرب الوشيكة علي العراق. هذه المظاهرات التي كانت تزداد قوة كل يوم سبت من كل اسبوع. إلي أن وصل عدد من شاركوا في هذا الطقس الاسبوعي في الاسبوع الاخير قبل الحرب علي العراق الي رقم لم تشهده بريطانيا في تاريخها الحديث …اربعة ملايين من البريطانيين يصرخون جميعا في قلب لندن يصرخ "لا للحرب". وانذر "توني بن" نفسه لقضية نزع السلاح النووي وكان من أكثر المؤيدين لنزع السلاح من طرف واحد وهو الامل الذي لم يتحقق ابدا. 
بقي توني بن السياسي المخضرم في قلب القضايا التي تهم بلده التي كان يري أنها يجب أن تبقي ضمير العالم لما لها من ارث ثقافي وتاريخي لكن عينه كانت علي القضايا الدولية وكان من اشد المعادين للسياسات الاستطانية الاسرائيلية ولحائط العزل وبقي مدافعا مخلصا عن القضية الفلسطينية التي كان يؤمن بأن محنة شعبها تسببت فيها السياسة البريطانية وبقي دوما يذكر بالفخر كيف أن برلمان ويستمنستر الذي كان عضوا فيه وقتها أوقف جنون الحكومة البريطانية إبان العدوان الثلاثي علي مصر عام ستة وخمسين. ويؤمن أن النزاهة السياسية هي الطريق الوحيد لمستقبل أفضل لبريطانيا وصورتها أمام العالم. 
ظل "توني بن" مخلصا لمبادئه وتقاليده الاشتراكية يسير في الشارع كما يسير العامة ويخاطب الناس ويركب معهم المترو يمازحهم بنكاته اللاذعة ولم يعزل نفسه يوما عن الذين انتخبوه نائبا عنهم علي مدي خمسين عاما كاملة وعندما تقاعد عن العمل البرلماني عام ألفين وواحد قال بسخرية " أريد أن اتفرغ قليلا للسياسة"
كان مارقا لاذعا ساخرا صاخبا … كان آخر الرجال المحترمين    

الجمعة، 27 ديسمبر 2013

اللورد ليڤيسون والصغيرة ميلي ...لماذا أنهي ميثاق ملكي ثلاثمائة عام من حرية الصحافة البريطانية

في سرية تامة تقارب تلك التي تحيط بالأسرار النووية وخلف الأسوار العالية والأبواب المغلقة في قصر باكنغهام اجتمع خمسة من كبار وزراء الحكومة البريطانية لتوقيع "ميثاق ملكي" لتنظيم عمل الصحافة وذلك للمرة الأولي منذ 300 عام.. نعم صحيح ما قرأتم فالمرة الأولي منذ عام 1695 تعرف صاحبة الجلالة الصحافة البريطانية قانونا يحاسبها ويراقبها ويعاقبها .. في بادرة نادرة تحالف زعماء أكبر ثلاثة أحزاب على الساحة السياسية - حزب المحافظين ممثلا في رئيس الوزراء ديفيد كاميرون وشريكه في الائتلاف الحكومي نيك كليغ وغريمهما زعيم حزب العمال إد ميليباند - تحالف الجميع ومعهم رأس الدولة الملكة إليزاليث وقرروا أن الوقت قد حان لوضع "رقابة ما على السلطة الرابعة".
لم تكن المعركة سهلة ومازالت رحاها تدور في أروقة المحاكم حتى الساعة. فلم يكن بالإمكان أن يستسلم أباطرة الصحافة البريطانية الذين يفاخرون بحريتهم وتقاليدهم العريقة بسهولة بوضع سيف على رقابهم. وحتي اللحظات الأخيرة من دخول نائب رئيس الوزراء نيك كليغ ومعه الوزراء الأربعة لمقابلة الملكة كان أصحاب الصحف ومالكيها يحاولون وقف التوقيع على" الميثاق الملكي" عن طريق القضاء لكنهم فشلوا. قضي الأمر ووافق البرلمان على معاقبة الصحف التي لا تشارك في النظام الجديد من خلال دفع تعويضات استثنائية تصل إلي مليون جنيه استرليني.
لكن الجدل مازال قائما وأباطرة الصحافة لم يرفعوا الراية البيضاء. هاجموا بشراسة في كل ما تحت أيديهم من صحف وأوراق وبرامج تلفزيونية وإذاعية الميثاق الملكي والهيئة الرقابية الجديدة حتي قبل أن تري النور. فكيف يقبل من تمتع بالحريات ثلاثة قرون بجهاز رقابي يملي عليهم أرادة فيما يتناولون ويقولون. وتحالفت معهم الجمعيات المدافعة عن حرية التعبير وهاجمت الميثاق والهيئة الرقابية. وأدانت جمعية الصحافة البريطانية هذه الهيئة التي تتمتع بنفوذ واسع القرار وقالت إن التنظيم الجديد سيضع عبئا يشل عمل الف ومائة صحيفة تمثلها الجمعية.

 
اللافت للنظر أن حتي الانتساب إلي هذه الهيئة الرقابية يبقي اختياريا. لكن الصحف التي ترفض الانضواء تحت لوائها ستعرض نفسها لدفع تعويضات كبيرة عن الأضرار إذا ما تعرضت لملاحقات قضائية. ويؤكد الزعماء السياسيون أن الهيئة الجديدة ستحول دون حدوث مخالفات وأنها جاءت تجسيدا لإرادة تحقيق قضائي مستقل قام به اللورد ليفيسون وقدمه خلاصة تحقيقاته التي تمتعت بصلاحيات لا حدود لها في تقرير وصل إلى ألفي صفحة بالتمام والكمال..
فما هي حكاية لورد ليڤيسون وماهي حكاية تقريره الذي سيرسم مستقبل الإعلام البريطاني في السنوات القادمة ؟
بدأت الحكاية بهاتف نقال .... نعم هاتف نقال ترجع ملكيته لفتاة مراهقة.
تقرير صحفي كشف قيام بعض المحررين في صحيفة "نيوز أوف ذا ورلد" الأسبوعي ذائعة الصيت بالتلاعب بالهاتف النقال لفتاة تدعي "ميلي دولر" وقاموا بمسح رسائل مسجلة عليه .. كانت "ميلي " قد اختفت من منزلها وقيام المحررين (بمساعدة بعض عمال الأمن في شركة الهاتف) بمسح الرسائل أعطي أملا زائفا لأهلها وللشرطة في أنها مازالت علي قيد الحياة وفي الحقيقة أنها قُتلت بعد وقت قصير جدا من أختفاءها وتم العثور علي جثتها بعد ذلك بشهور.
كان هذا أول خيط كشفته عنه صحيفة "الغارديان" في يونيو عام 2011 توالت بعده الاحداث ولم تتوقف حتي الساعة ".
تتابعت خيوط "المؤامرة " لتغزل وتنسج بيتا مثل بيت العنكبوت أسود .. قاتم .. مخزي .. وقاتل…  
قائمة الضحايا التي بدأت باسم فتاة اسمها "ميلي" اتسعت وتوسعت لتضم الممثلة الشهيرة انجلينا جولي وبراد بيت واريكسون المدير السابق لمنتخب انجلترا ووين روني نجم فريق مانشستر يوناتيد ووالد اللاعب الشهير ديفيد بكهام وأحد أعضاء العائلة المالكة الذي لم يذكر اسمه لاسباب قضائية بسبب صغر سنه وغيرهم
كثيرين .
الكشف عن تنصت محرري "نيوز أوف ذا ورلد" علي هاتف الفتاة "ميلي دولر" التي تم العثور علي جثتها قتيلة عام 2002 أدي بعد أسابيع قليلة من تكشف الفضيحة إلي إغلاق الصحيفة الشهيرة "نيوز أوف ذا ورلد " بعد مرور 168 عاما علي صدورها .
لم يكن حدثا عاديا او عرضيا أن تُغلق صحيفة بريطانية ذائعة الصيت أبوابها بعد مرور 168 عاما عليها . لم يحتاج الأمر لحصار مقر الجريدة ... لم يخرج أحد عليهم بالسيوف والجنازير وقنابل المولوتوف . لم تغلق الصحيفة أبوابها بأمر قضائي ولا بأمر من رئيس الحكومة ولا بأمر من جلالتها ....ولكنها توارت خزيا وخجلا من أن بعضا من محرريها تلصصوا علي هاتف نقال لمراهقة من عامة الشعب.
إخلال مخزى بالمهنية والمصداقية قامت علي إثره الشركات المعلنة بسحب تعاقدها مع الصحيفة وطالب بعده السياسيون بضرورة التحقيق في قضية التلصص وأخلاقيات الإعلام .
ظلت النيران التي اشتعلت بعود ثقاب تأكل في طريقها الأخضر واليابس في أمبراطورية الملياردير الأسترالي الشهير روبرت مردوخ. لتطال في نهاية المطاف ربيبته وابنته الأثيرة "ربيكا بروكس" التي أجبرها "الخزي " علي الاستقالة بصفتها مسؤولة التحرير في الصحيفة. وقدم مردوخ لأهل "ميلي" مليونين من الجنيهات الاسترلينية تعويضا لهما عن الألم الذي تسبب فيه محرروه بالاعتقاد خطأ أن ابنتهما مازالت علي قيد الحياة. خرج مردوخ نفسه ليعلن آسفه واعتذاره لوالدي "ميلي" ولأي شخص تألم أو تضرر من التجسس الذي ارتكبه الصحفيون الذين يعملوا لديه. ونُشرت اعتذارات مدفوعة الأجر في جميع الصحف ودفع مردوخ مجددا ملايين الجنيهات لقاء تسويات مع الضحايا حتي لا يقاضونه.
لكن ذلك لم يكف ف "ربيكا بروكس" كانت أيضا صديقة مقربة لرئيس الوزراء ديفيد كاميرون وقيل أنهما في مرحلة ما من تاريخ علاقتهما الوثيقة تبادلا ما يزيد علي ثلاثين رسالة نصية في يوم واحد علي هواتفهما.
وليس ذلك فحسب لكن "أندي كولسون" الذي كان مستشارا إعلاميا ل "كاميرون" وقت كشف الفضيحة كان يعمل مديرا للتحرير في الصحيفة المنكوبة..
فهل غض "كاميرون" الطرف علي ما يحدث في امبراطورية مردوخ من فساد وإفساد لحياة العامة من الناس في مقابل تأييد الصحف التي يديرها مردوخ -وهي كُثر- لحزب المحافظين وزعيمهم "كاميرون" هل كان هذا هو ثمن الدخول إلى عشرة داوننغ ستريت ؟
أسئلة صعبة بدأت تغلي في أروقة البرلمان في ويستمنستر ويزداد موقف رئيس الوزراء حرجا كل يوم. لم يتجاهل كاميرون ما يحدث حوله ويتصرف كأن شيئا لم يكن.
ولم يكن بوسعه في النهاية سوى أن يخضع للضغوط ليبرأ ساحته. أُجبر كاميرون علي أن يكلف اللورد "بريان ليڤيسون" وهو قاض رفيع المستوي بإجراء استجواب مهني واسع النطاق بالتوازي مع التحقيقات الجنائية.
كان علي لورد ليڤيسون أن يجري تحقيقا في ثقافة وممارسات وأخلاقيات الإعلام وأن يبحث تحديدا في العلاقة بين الصحافة والشرطة -التي ارتكبت مخالفات بغض الطرف - وعامة الناس وإصدار توصيات حول مستقبل الصحافة وتنظيم العمل الصحفي.
علي مدي سنة كاملة حقق لورد ليڤيسون وفحص مئات وآلاف الأوراق والأدلة والبراهين .. استمع إلى شهادات وشكاوي من كل من كان له علاقة أو يظن أن له علاقة بهذه الفضيحة التي سُميت "مردوخ غيت" .
وقد مَثل "كاميرون" - نفسه- أمام لجنة اللورد ليڤيسون في إطار هذه التحقيقات وأذيعت الجلسات علي الهواء مباشرة كي يري الناس كيف يتعلثم "كاميرون" أمام القاضي ويحكموا بأنفسهم إن كان قد ارتكب أخطاء فادحة بعلاقته الحميمية مع روبرت مردوخ وربيبته ربيكا بروكس وبتعيين مستشار إعلامي ( آندي كولسون ) ليس اهلا للثقة اتضح فيما بعد تورطه في ارتكاب جريمة تلصص علي الهواتف النقالة لاثنين من وزراء الداخلية السابقين وهما تشارلز كلارك وديفيد بلانكت.
لم يكن المشهد سعيدا بكل تأكيد. فالصحافة البريطانية كانت دوما تتفاخر بأن لها من القواعد المهنية والتحريرية ما يجعلها بحق سلطة رابعة في البلاد ..وعلي مدي سبعين عاما لم تشهد أروقة صاحبة الجلالة سوي سبعة تحقيقات فقط بهذا النمط.
نال تقرير لورد ليڤيسون من مصداقية الصحافة البريطانية الكثير وخرجت من تحت يديه مثخنة بالجراح. والرجل لم يتراجع عن مهمته لم يهتم ولم تأخذه شفقة ولا رحمة كان مثل الجراح الذي بين يديه مريض يعاني من ورم سرطاني متوغل ... فساد .. رشوة موظفين عموميين تنصت علي هواتف الناس وعرقلة سير العدالة وتجاهل حقوق الأفراد وخصوصياتهم من أجل الحصول علي قصة مثيرة.
لكن التقرير برأ "كاميرون " من تهمة المتاجرة بالنفوذ السياسي من أجل الحصول علي دعم مردوخ وإمبراطورية الإعلامية بعد أن لقنه درسا لن ينساه بضرورة التعامل من الصحافة من بعيد ودون الخوض في علاقات مقربة من أروقة الصحافة.
لم تنته مهمة قاضي الاستئنافصاحب الصيت اللامع عند هذا الحد. فالعلاج الممتد من أبجديات العمل الجاد لم يقتنع لورد ليڤيسون بما يسمي بالرقابة الذاتية التي تمارسها المؤسسات الصحفية. فأوصي بوضع "قانون منظم" للعمل الصحفي وهيئة تكبح جماح الطموح المرضي لبعض الصحفيين وجنون صاحبة الجلالة. فجاء باقتراح الميثاق الملكي وهيئة الرقابة المستقلة.
كلفوا الرجل بالمهمة وأتمها هو علي خير وجه وألقي بالكرة في ملاعبهم. وكان عليهم أن يختاروا ... صحافة حرة طليقة لا يقف أمامها شيء حتي حدود خصوصيات البشر والتلاعب بحياتهم الخاصة أو صحافة مقيدة مرتجفة اليد لا تقوي علي الانتقاد والإشارة إلى مواطن الخلل.
لن ينتهي الجدل بصدور الميثاق الملكي وتشكيل الهيئة الرقابية ولن يتراجع أباطرة الصحافة البريطانية عما أعتزموه. فلماذا يتحمل الجميع وزر قلة قليلة اخطأت وتقف اليوم أمام القضاء الجهة الوحيدة التي لها الحق في أن تحاسب من أخطأ وأجرم.
لا يوجد أسود وأبيض ولا حلول جاهزة .الحل في النقاش المجتمعي الذي يشارك فيه الجميع. فهكذا تبني الديمقراطيات العريقة دولة المؤسسات.
ضغوط ومطالب تمارسها سلطة التشريع الممثلة للشعب علي سلطة التنفيذ التي تتصرف بمسؤولية  فتكلف بدورها سلطة القضاء حتي يعلم الجميع من المخطئ ومن المصيب. ... وكل ذلك من أجل احترام "ميلي" رمز المواطن حتى وإن كان غادر دنينا الي الحياة الأخرى.
   

الأحد، 22 ديسمبر 2013

المتشددون يغزون مقاعد الدراسة في بريطانيا




كيف تسلل المتشددون إلى أروقة الجامعات البريطانية وأجبروا النساء علي الجلوس في المقاعد الخلفية 

من الصعب أن يتخيل القارئ في العالم العربي أن تثير قضية الفصل بين الجنسين الجدل في بلد مثل بريطانيا. فالكثيرون في العالم العربي يعتقدون أن مثل هذا القضايا لم تعد موجودة أصلا في الغرب وهناك من يظن أن الاختلاط في الجامعات الاوروبية مباح على الغارب حتي في غرف نوم المدن الجامعية وهو تصور مغلوط برمته. فالجامعات البريطانية تحكمها ضوابط صارمة في الكثير من مناحي الحياة الجامعية ومقاعد الدراسة وبالتأكيد في المدن الجامعية ومن يخرج عن هذه القواعد لا يسلم من المُسألة ولا يأمن من العقاب. 
غير أن الجدل الدائر في الجامعات البريطانية الآن والذي وصل إلى أعتاب داوننج ستريت وأستدعي تصريحا قويا من رئيس الوزراء "ديفيد كاميرون" أوضح فيه بجلاء أن لديه رأي ثابت في قضية الفصل بين الجنسين في مقاعد الدراسة الجامعية وأنه ليس من المقبول أن يملي أي متحدث في منتدي جامعي إرادته علي الحياة الجامعية التي تتمتع بتقاليد راسخة في حرية التعبير وخاصة في المؤسسات التعليمية.   
لم يكن التصريح الذي جاء من أكبر المؤسسات التنفيذية في البلاد الاول في القضية ولم يكن الأخير أيضا بل جاء ليفتح فيضا من التعليقات والتصريحات في الدوائر الجامعية وخارجها تراوحت ما بين الدهشة والاستغراب ومرورا بالشجب والاستنكار وانتهاءا بالتظاهر خارج المباني الجامعية بلافتات تندد ب  "الفصل العنصري القائم علي أساس الجنس"
كان من الممكن لأي رئيس حكومة غربية أن يفلت بهذا التصريح ويسمع الكثير من المديح أو حتي التأييد والموافقة على ما يقول. لكن بريطانيا صاحبة التقاليد العتيدة دائما ما تعود إلي القوانين والقواعد. فالقوانين لم تُسن لتُخرق ولم تُوضع كي تُنتهك إنما هي الفيصل في النزاعات والخلافات كبيرة كانت أم صغيرة.  والقوانين تشير إلى أن من حق المؤسسات الجامعية أن تطبق "طواعية" الفصل بين الجنسين في بعض المناسبات داخل الحرم الجامعي كما أكدت "نيكولا دانريدج" الرئيسة التنفيذية للجامعات البريطانية. والتي أصرت علي أن الجامعات يجب ألا تفرض مبدأ الفصل فرضا قسيرا لكنها يمكن أن تسمح بالفصل إذا ما ابدي المشاركون في ندوة أو تدريب ما رغبة في ذلك. 
لكن القوانين والقواعد الجامعية ليست هي الحاضرة في هذا الجدل فحسب فمن يعرف المجتمع البريطاني حق المعرفة يعلم تمام العلم أن الفصل بين الجنسين مبدأ ثابت وأصيل في كثير من المؤسسات الجامعية والمدرسية أيضا. وأنا شخصيا أتذكر عندما كنت أقوم باختيار مدرسة لابنتي فوجئت بأن غالبية المدارس التي تتمتع بسمعة جيدة في المجال الاكاديمي والتربوي مدارس منفصلة ونفس الحال بالنسبة للاولاد. فكثير من التربويين في بريطانيا يؤمنون بأن الفصل بين الاولاد والبنات في المراحل الدراسية الاولي يعود بالفائدة على الأطفال ذكورا كانوا أما أناثا.  كما أن هناك العديد من الكليات النسوية في بريطانيا التي تتمتع بسمعة أكاديمية ممتازة لكن ذلك راجع الي التقاليد البريطانية العتيقة التي كانت تحرم البنات فيما مضي من قسط وافر من التعليم فتحولت هذه المؤسسات التعليمية إلى مراكز تنوير ودعوة لمنح الفتاة قسطا عادلا من التعليم يناهز أقرانها من الذكور. 
كان من الممكن أن يبقي الجدل والنقاش في أروقة الجامعات والمدارس وبين ضفاف الدراسات التربوية والنسوية إذا ما جاء الحديث عن الفصل في المقاعد الجامعية في سياقه الطبيعي لكنه لم يكن كذلك.  
كانت البداية مع تقرير أصدرته مؤخرا هيئة تطلق علي نفسها اسم "حقوق الطالب" اشار إلى أن مايزيد على ربع الزيارات الأكاديمية التي يقوم بها متحدثون "إسلاميون" إلى الجامعات البريطانية ينتج عنها فصل بين الفتيات والشباب في أروقة الجامعة. 
تلقفت بعد ذلك الصحف ذات التوجهات اليمينية مثل ديلي ميل الموضوع ونشرت صورا لندوة استضافتها جامعة ليستر في فبراير الماضي تحت عنوان "دورة تدريبية على الدعوة الإسلامية" ظهر فيها القاعة وقد احتل الرجال المقاعد الامامية فيما تُركت المقاعد الخلفية للنساء. نشر الصورة التي لا تختلف كثيرا عن مقاعد الدراسة في القاهرة أو بني غازي أو حتي صنعاء أثار الكثير من الاستهجان: فكيف تُجبر المرأة في بريطانيا البلد صاحب التقاليد العريقة في الحفاظ على حرية الرأي والتعبير والتي تنادي بالمساواة - على الجلوس في المقاعد الخلفية وأين ؟ في قاعة دراسية في أحد أكبر الجامعات البريطانية؟ 
 تحت ضغط الهجوم في الصحافة البريطانية اضطر المتحدث في هذه الندوة بعينها"سليم شاغاتي" الذي ينتمي إلى هيئة تطلق على نفسها "الاكاديمية الاسلامية للتعليم والبحث" في الدفاع عما بدا في الصورة من تميز ضد المرأة وقال إن النساء المسلمات اللاواتي حضرن الندوة كان من الممكن لهن الشكوي إذا ما كن قد شعرن بأن ظلما قد لحق بهن. مضيفا أنه لابد وأن الصورة التقطت في بداية الندوة قبل امتلاء القاعة بالنساء.
لم يقف دفاع "شاغاتي" عند هذا الحد فقد احتمي بدوره بالقوانين والقواعد مشيرا إلى أن منظمي الندوة استشاروا لجنة حقوق الانسان للحريات والمساواة التي (أي اللجنة) أفادت بأن ما قامت به الندوة من فصل بين النساء والرجال في إطار القانون طالما تم توفير منطقة بها مقاعد مختلطة لمن يرغب في ذلك ( وهو ما لم يحدث واقعيا بالطبع ). ولم يقف "سليم شاغاتي" عند هذا الحد بل قال إن على ديفيد كاميرون أن يقوم باداء "فروضه المدرسية" واستذكار القواعد الخاصة بهذه الموضوع بدلا من أن يحاول التربح مشكلة غير موجودة أصلا".
لكن هذا الدفاع من الهيئة المسماة "الاكاديمية الاسلامية للتعليم والبحث" لم يمنع الكثير من اللغط حولها حيث تم منع الأكاديمية من إدارة نقاش تحت عنوان " هل هناك رب؟ " كان من المفترض أن تستضيفه كلية لندن. وطلبت فيه أيضا الفصل في المقاعد بين الجنسين. غير أن نفس الاكاديمية التي قيل إن عددا من أعضائها يتبنون طرحا متشددا خاصة فيما يتعلق باوضاع المرأة تم السماح لأحد أعضائها مجددا بدخول جامعة ليستر لكن أحدي الصور لمدخل القاعة التي استضافت الندوة والتي اظهرت بوضوح ضرورة دخول "الأخوة" من جانب و" الأخوات" من جانب أخر أثارت الكثير من اللغط وأجبرت إدارة الجامعة على التأكيد على عدم تكرار هذا النهج في الفصل بين الجنسين والتحقيق مع "الجماعة الأسلامية" أحدي الجامعات الطلابية في حرم الجامعة والتي تفاخر بتطبيق مبدأ الفصل بين الجنسين. 
لم يفلح دعاة الفصل بين النساء والرجال في مقاعد الدارسة الجامعية في التمترس طويلا وراء القواعد التي جعلتهم يستخدمون المبادئ التي وضعت من أجل حرية التعبير لغرض الحد من حرية التعبير. ولم يفلحوا كذلك في اقناع مناؤيهم بأن هذا القاعدة تستخدم لاسباب عقائدية وهو ما تحرص عليه الهيئة العليا للجامعات البريطانية كمبدأ أصيل. 
فبعد أن قالت الهيئة العليا للجامعات الشهر الماضي إن الجماعات الدينية الاصولية ( والتي تضم في هذه الحالة المجتمعات المسلمة) من حقها أن تمارس الفصل بين الجنسين في الندوات والاجتماعات العامة التي تعقد في أروقة الجامعة. عادت - تحت الضغط السياسي والاعلامي - لتعلن أنها ستقوم بالعمل مع لجنة حقوق الانسان للمساواة بغرض مراجعة القواعد الخاصة بالفصل بين الجنسين والعمل على تعديلها حتي لا تكون مجحفة بأي صورة من الصور للمرأة. 
وزاد ديفيد كاميرون في التأكيد علي أنه متمسك بكل ما اعلنه في هذا الشأن لكنه أكد في نفس الوقت علي أن هذا الموقف الرافض للفصل بين الجنسين في أروقة الجامعة لا ينسحب بأي حال من الأحوال على دور العبادة ولا يقصد به أي إساءة لمعتقد. وتبعه تصريحات من عدد من الساسة المعروفين بتأييدهم للمجتمع المتعدد الثقافات مثل "جاك سترو" القطب الكبير في حزب العمال المعارض والبروفيسير طارق رمضان أستاذ الاسلام الحديث في جامعة اكسفورد الذي أكد على أن لا يوجد نص قرآني أو حديث شريف يلزم بالفصل بين الجنسين في مقاعد الدارسة.  ووسائل الأعلام لم تتوقف عند تذكرة الناس بالمدرسة الإسلامية التي فرضت على البنات الجلوس في المقاعد الخلفية وسمحت للولاد فقط بالجلوس في المقاعد الأمامية. 
لم ولن ينتهي الجدل في هذه القضية عند هذا الحد فمن يرغبون في فرض الفصل بين الجنسين ووضع المرأة في الصفوف الخلفية يستغلون مناخ التعددية الثقافية التي تباهي به بريطانيا كثير من الدول الأوروبية ويلعبون بقواعد حرية الرأي والعقيدة لصالح التميز ضد المرأة. لكن لن يبقي الأمر طويلا كي يكتشف المدافعون عن الحريات أن الأمر لا يعدو كونه "حق أريد به باطل"



الأربعاء، 17 أبريل 2013

ماجي .. رحلت في هدوء وتركتهم يتحدثون …



من الصعب الا يتوقف المرء أمام رحيل بعض الشخصيات ويتحدث عنهم . من الصعب أن يكون المرء يعيش في المملكة المتحدة ولا يتحدث عن مارجريت ثاتشر وعن رحيلها وعن حياتها وسيرتها. فالسيدة ثاتشر كانت - ولا شك- قامة تاريخية بمعني الكلمة. لكنني لا أود أن اتحدث بكلام عما يعرفه الكثيرون من أنها أول سيدة ترأس الحكومة البريطانية ولا عن سياساتها الاقتصادية التي اخرجت علي قسوتها بريطانيا من نفق الركود الاقتصادي ولا عن حربها الضروس مع النقابات العمالية والتي نجحت فيها واستحقت عنها لعنات العمال والبرولتاريا حتي الان. لكنني اتوقف أمام الأرث الانساني لهذه السيدة. 
المجتمع البريطاني لمن لا يعرف مجتمع تقليدي بامتياز بطبيعته وليس لتدينه. هذا المجتمع مازال فيه الناس يقولون للنساء حين يلدن بنتا "تهانينا" وحين يلدن صبيا "احسنت صنعا". يذكرونني دوما بالعائلات الصعيدية. وأعرف في محيطي الصغير ثلاث عائلات مزينة بثلاث فتيات. فالطبيعي أن تنجب العائلات طفلين ولكن لمن لم يحالفها الحظ بانجاب صبي تحاول المرة الثالثة. لكنها غالبا تتوقف بعد ذلك عن المحاولة لاسباب اقتصادية. فانجاب الاطفال وتربيتهم من أعلي النفقات التي تواجهها أي أسرة بريطانية. 
لا يفصح البريطانيون كثيرا عن تفضيلهم الصبيان عن البنات وجري العرف في السنوات الاخيرة أن تتحدث النساء البريطانيات عن فضيلة انجاب البنت او أن البنت زي الولد. لكن هذا الحديث يبقي مردوده علي النطاق العملي محدودا. فاذا نظرنا مثلا لمصروفات المدارس الخاصة ومعظمها تفصل بين الاولاد والبنات نجد فروقا كبيرة. مصروفات مدارس الصبيان أعلي بشكل كبير من مصروفات مدارس البنات وهو ما يعني أن العائلة تقبل علي دفع أكثر لتعليم الصبي تعليما خاصا. 
في الاطار الديني مازالت الكنيسة الانجليكانية ترفض حتي اليوم ترسيم "قس امرأة" وقد كانت هذه معركة شرسة خلال الشهور الماضية وباءت محاولات النساء دخول السلم الكنسي بالفشل. وأثارت قضية ما اذا كان يجب السماح للنساء بكسر حاجز الفصل الجنسي لتتولي مناصب رفيعة في الكنيسة جدلا واسعا. 
نظرة بسيطة إلي المرأة البريطانية في مجال العمل تؤكد أنها مازالت تحصل علي أجر أقل من نظيرها الرجل عن نفس العمل. وأن نسبة النساء في المناصب القيادية مازالت أقل بكثير من الرجال. 
كل ذلك يدل علي أن المجتمع البريطاني - علي كل التقدم الذي احرزه في المجال الحقوقي والانساني- مازال لا يعترف بالمساواة في الواقع العملي وشتان بين الواقع وما هو مكتوب من قوانين ووثائق علي الورق. ومن هنا تعتبر تجربة مارجريت ثاتشر تجربة نادرة وثرية واستثنائية أيضا. فلم يكن علي "ماجي" تخطي هذه الحواجز الذكورية فحسب لكن كان عليها أن تثبت نفسها فى مجال السياسة ايضا. وهو مجال ذكوري طبقي بامتياز. 
فلم يعرف ابدا أن السياسة البريطانية تحفل بوجود نساء لا فى المناصب القيادية ولا مناصب الصف الثاني حتي سنوات قليلة مضت. وعندما اختار توني بلير خمس عشرة سيدة دفعة واحدة حتي يكن في فريقه الوزاري في أوائل التسعينيات .. اطلقت عليهن الصحافة الشعبية لفظ "بلير تشكس" أي "دجاجات بلير" وهذا اللفظ يحمل بالطبع قدرا من السخرية وقدرا من التدليل في أن واحد ولكن مدلوله واضح بالطبع. حدث هذا بعد سنوات طويلة من نجاح مارجريت ثاتشر في الوصول للمرة الأولي الي سدة الحكم ورئاسة الحكومة البريطانية كأول امرأة في التاريخ ترأس حكومة بريطانية عن طريق الانتخاب وليس ذلك فحسب البقاء علي رأس الحكومة ثلاث مرات متتالية. 
لم تبرز ثاتشر في بيئتها السياسية الطبيعية. فقد كان الأجدر مثلا أن تكون سياسية في حزب العمال باعتبار أنها تنتمي إلي هذه الطبقة الاجتماعية وكان من الطبيعي في هذه الحالة أن يحتضن حزب العمال أو حتي حزب الاحرار الليبراليين "ابنة البقال" كما كان خصومها في حزب المحافظين يسخرون منها. لكنها اختارت أن تأتي من طبقة الشعب العاملة الكادحة لتقهر الطبقيين المحافظين في عقر دارهم!
كانت هذه طريقتها المميزة والخاصة جدا للنجاح أن تسبح عكس التيار أن تتميز في البيئة التي لا يمكن لمثلها أن تبرز فيها. أن تتميز كفتاة كسيدة من الطبقة العاملة الكادحة في بيئة ذكورية طبقية محافظة. لا يذكر كثير من البريطانيين اليوم "الحقبة الثاتشرية" بكثير من الاعجاب والحنين فقد كانت حقبة صعبة في حياة البريطانيين الذين اختاروا رغم كل شيء أن يعطوا رهاناتهم  السياسية ل "المرأة الحديدية" التي خلقت نموذجا اقتصاديا قاسيا ليس بالضرورة لاقتناعهم بصواب ما تفعل لكن لانهم يخشون التغيير والتبديل يخافون من المجهول وخبرتهم مع حزب العمال لم تكن سعيدة ايضا
فلم يعرف عن حزب العمال في الستينيات أنهم اقتصاديون مهارون أبدا وكان انقياد الحزب انقيادا أعمي للنقابات العمالية بشططها واهواءها الشخصية وتمترسها الدائم وراء سلاح الاضرابات الدائمة الاثر السلبي الكبير لدي المواطن البريطاني الذي يود العمل والانتاج. اجتماعيا وجهت ثاتشر ضربة قاصمة لقيم العائلة حتي دون أن تدري. 
وقبل اسابيع كنت اتحدث لزميل لي تجاوز منتصف الثلاثينيات عن السبب في احجامه عن الزواج وانجاب الاطفال فقال لي "السبب ثاتشر" فقد رسخت لدي جيلنا من البريطانيين أن لا فائدة ترجي من الكفاح من أجل عائلة فالامر لا يستحق العناء. وهذا ليس رأي زميلي فحسب فنظرة علي الخريطة السكانية تنبئ بأن المجتمع البريطاني أصبح مجتمعا هرما. ف ستون بالمئة من سكانه ممن فوق سن الخامسة والخمسين وعزوف الجيل الجديد عن الارتباط العائلي وانجاب الاطفال أصبح الغالب والسائد. 
لا يمكن اغفال مما حققته ثاتشر من انجازات اقتصادية وسياسية ولا يمكن القول إن حقبتها كانت ظالمة في مجملها. ولا يمكن ايضا اعتبار أنها شخصية عادية. استوعبت "ماجي" دروس الماضي بشكل ايجابي وكان لها من العقلية السياسية والنظرة الثاقبة ما اهلها للبقاء علي سدة الحكم ثلاثة دورات انتخابية متتالية. اتخذت قراراتها بمنتهي الحزم وتحملت بكل شجاعة ( واحيانا بكل صلف) نتائج سياساتها الي أن قهرها توني بلير بنفس سلاحها. تعلم منها الجراءة السياسية وأن الحكم بيد ضعيفة لا يكتب له البقاء. 
التاريخ لن يغفل مارجريت ثاتشر ابدا عندما يكتب صفحاته لكنه لن يتذكر الضعفاء من الحكام والسياسيين الذين ينتظرون اشارة من الأخرين.  

الأحد، 3 مارس 2013

وللاحتجاج ثقافة ....


وللاحتجاج ثقافة ..
قد يظن البعض أن التظاهر والاحتجاج يلازم الأمم التي تشهد حراكا سياسيا وتغيرات إيدلوجية. لكن الواقع مغاير لذلك تماما. والحقيقة أن التظاهر والاحتجاج سمة تلازم أكثر المجتمعات ديمقراطية ، بل وتفخر المجتمعات الديمقراطية بأنها تكفل حق التظاهر والأحتجاج وتعتبر أنه واحدا من أنجع وسائل التعبير السياسي. دولة مثل بريطانيا تفاخر بأنها واحدة من أعرق الديمقراطيات الحديثة وتتمتع بتقاليد برلمانية راسخة ، يدرك المجتمع فيها أن الكثير من الحقوق السياسية والمدنية التي يتمتع بها اليوم لم يكن ليحصل عليها إلا بفضل مواطنين كان لديهم الشجاعة ورباطة الجأش في الخروج إلى الشارع والتظاهر للمطالبة بالحقوق ومزيد من الحريات.

كما أن الحقوق العمالية التي يتمتع بها الشعب البريطاني أيضا لم تأت وليدة الصدفة أوهبة من البرلمانيين القابعين تحت قبة ويستمنستر أومنحة من الحكومات المتعاقبة ،  لكنها جاءت ثمرة صراع مرير بين الحكومة والعمال . وللعمال البريطانيين مع الأضرابات والمواجهات تاريخ ليس من المبالغة وصفه بالدموي. وأشرس هذه المواجهات بين حكومة المرأة الحديدية مارجريت ثاتشر وعمال المناجم في الثمانينيات والذين استمروا عاما كاملا من الأضراب عن العمل بعد أن رفضت ثاتشر تعديل برامج مجلس الفحم الحجري الخاصة بأغلاق المناجم. كانت معركة طاحنة كسبت فيها أول رئيسة حكومة في تاريخ بريطانيا الجولة ..لكن سمعة العداء للعمال وانتهاك حقوقهم بقيت تلاحقها طوال تاريخها السياسي. 

لم يكن الطريق ممهدا وسهلا وقد يندهش البعض إذا ما عرفوا أن الحق في التظاهر السلمي لم يكن معترفا به في بريطانيا حتي عام ألف وتسعمائة وثمانية وتسعين بعد أن تم إقراراتفاقية حقوق الأنسان . وقد استغرق تنفيذ بنود هذه الاتفاقية قرابة عامين ودخلت حيز التنفيذ تحديدا في أكتوبر عام ألفين. حينها وحينها فقط أصبح التظاهر السلمي محميا بمقتضي القانون. حيث تنص الأتفاقية علي حماية حق التعبير وحرية التجمع والتظاهر بغرض الاحتجاج. وتحظر الأتفاقية في نفس الوقت علي الحكومة وأجهزة العامة ومن بينها الشرطة من انتهاك هذه الحقوق

لكن هذا الحق ليس مطلقا بل هو محكوم بعدة قوانين يمكن أستخدامها ضد المتظاهرين لمنعهم من التظاهر السلمي. وخلال السنوات القليلة الماضية تم إقرار تشريع للتعامل مع حالات بعينها من منع التظاهر إذا ما كان هناك مخاوف من وقوع عمليات إرهابية أو إجرامية أوإذا ما كان في ذلك اخلال بالنظام العام وكذلك ما يوصف بالتصرفات غير اللائقة اجتماعيا. وتخول هذه التشريعات للشرطة منع التظاهر اذا ما أرتأت ذلك حتي وإن كان سلميا. 

وقد شاهدنا كيف اعتقلت الشرطة البريطانية عددا من الفتيات الاوكرانيات اللائي تظاهرن عاريات الصدر احتجاجا علي قرار اللجنة الأولمبية السماح للاعبات مسلمات بأرتداء الحجاب في منافسات أولمبياد لندن. حيث كتبت الفتيات اللاواتي ينتمين لمنظمة تدعي "فيمتن" علي صدورهن العارية "أولمبياد العار" و" لا للشريعة الإسلامية". ورأت الشرطة أن الاحتجاج غير لائق أجتماعيا وتم ترحيل الفتيات الأربع بعد أن وصمن بالطبع الشرطة البريطانية بالديكتاتورية والهمجية وعدم مراعاة حق أساسي من حقوق الانسان ألا وهوحق التعبير.

هذا بالطبع ليس المثال الوحيد وهناك أمثلة عديدة علي قيام الحكومة بألغاء الحق في التظاهر سلميا لما تراه من مصلحة عامة. وفي الواقع فأن الحكومات -أيا كانت- لا يسعدها علي الأطلاق رؤية هذه المظاهرة أوذلك الاحتجاج وهي علي الدوام تدين الأضرابات العمالية وتتهمها علي الفور بتعطيل مصالح الناس والأنانية وعدم المرونة وووو وغيرها لكن هذا لا يحول دون التظاهر والأضراب بل علي العكس يكون أحيانا الوسيلة الأسرع والأنجح في تحقيق المطالب. 

في فورة الاستعدادت لدورة الالعاب الاولمبية في لندن أعلن العاملون في قطاع الجوازات والتأشيرات في المطارات الأضراب عن العمل يوم واحد قبل انطلاق الأولمبياد . قامت الدنيا ولم تقعد واتهمتهم الحكومة بمحاولة تخريب العرس الرياضي الكبير وتخيلوا الرياضيين العالميين قابعين علي أرضية المطارات يوم وليلة لأنه لا يوجد من العاملين من له سلطة فحص جوازات سفرهم والسماح لهم بدخول البلاد. 
أصر العاملون علي موقفهم ولم يأخذ عامة الناس موقفا عدائيا من العاملين لم يتهمونهم بأنهم ليسوا وطنيين ولا يستحقوا شرف الانتماء للتاج البريطاني بل وجههوا اللوم للمسؤوليين والحكومة التي فشلت في تلبية مطالبهم . وكان التكتيك ناجعا وشافيا وسريعا بالفعل واضطر ممثلو الحكومة للجلوس إلي طاولة المفاوضات والأستجابة لمطالبهم العادلة.

تكرر المشهد بتفاصيل أخري في يوم السادس والعشرين من ديسمبر وهو اليوم التالي لعطلة يوم عيد الميلاد (الكريسماس) والذي يعرف باسم بوكسنغ داي وهو أكبر يوم في العام للتخفيضات والمشتروات وتنتظره العائلات طوال العام للحصول علي مشترواتها والسلع المعمرة كما تنتظره المحال التجارية لتعويض خسائرها في المبيعات .. لكن عمال مترو الانفاق قرروا الاضراب عن العمل فى هذا اليوم بالذات لالحاق اكبر ضرر ممكن بالهيئة والقائمين عليها
وأضطر الناس لركوب الباصات أو غيرها وقضوا ساعات بدلا عن ساعة . كان هناك حالة سخط وقتي لكن  لم يلم احدا سائقي المترو علي استخدام حقهم القانوني في الأضراب لكنهم ألقوا باللوم علي الهيئة المنظمة لخطوط المترو والحكومة التي لا تستجيب لمطالبهم .

ولكن بالتوازي  مع حفظ الحق في التظاهر ..علينا ألا ننسي أيضا أن للاضراب قواعد وأصول. فالدعوة إلي الأضراب يجب أن تستند لمطالب حقيقية وعادلة ـ علي الأقل من وجه نظر العمال. كما يجب أن تدعو إليه نقابات عمالية بعد إجراء تصويت بين أعضائها ويجب أيضا أخطار صاحب العمل قبل الاضراب بعدة أيام حسبما ينص القانون واللوائح.  

نفس القواعد تنطبق علي التظاهر السلمي . وفعليا من حق أي مواطن بريطاني أن يدعو لمظاهرة احتجاج  وما عليه سوي أن يبلغ الشرطة بمسار المظاهرة والشوارع التي ستسير فيها قبل موعد المظاهرة بست أيام حتي يمكنها أن تعلم الجهات التي قد تتأثر بمسار هذه التظاهرة مسبقا فتنصح العاملين فيها مثلا بتغير مسار ذهابهم الي العمل أوغير ذلك وحتي يمكن للشرطة تأمين سلامة المشاركيين فيها ( وليس اعتقالهم ) وحتي تتمكن أيضا من توفير عربات اسعاف في حالة وقوع تدافع أوحالة صحية طارئة. 

ليس من حق الشرطة البريطانية قانونا الاعتراض علي مسار مظاهرة ما لكنها قد تنصح بذلك أو تقدم سببا معقولا لتغير المسار. ليس من هذه الاسباب سير مسؤول أو رئيس أو حتي أمير ويذكر الجميع كيف أن سوء طالع الامير تشارلز ولي العهد البريطاني ألقي به في خضم تظاهرة حاشدة لطلاب  كانوا يحتجون علي ارتفاع نفقات التعليم الجامعي ف "عملوا معاه الصح " بتعبير الثوار المصريين. 

جوهر التظاهر والاحتجاج والأضرابات هو الخروج عن نمط الحياة وسياقها العادي للتوقف والالتفات لحقوق مشروعة وأولها الحق قي التعبير والحق في المناداة بمطالب مشروعة .. التظاهر والاحتجاج أذن لا خوف منه فهو وسيلة مشروعة وسليمة ومنطقية وناجحة للحصول علي الحريات والحقوق ـ لكن عندما يتم استخدامها بالشكل الصحيح والفعال.