من الصعب الا يتوقف المرء أمام رحيل بعض الشخصيات ويتحدث عنهم . من الصعب أن يكون المرء يعيش في المملكة المتحدة ولا يتحدث عن مارجريت ثاتشر وعن رحيلها وعن حياتها وسيرتها. فالسيدة ثاتشر كانت - ولا شك- قامة تاريخية بمعني الكلمة. لكنني لا أود أن اتحدث بكلام عما يعرفه الكثيرون من أنها أول سيدة ترأس الحكومة البريطانية ولا عن سياساتها الاقتصادية التي اخرجت علي قسوتها بريطانيا من نفق الركود الاقتصادي ولا عن حربها الضروس مع النقابات العمالية والتي نجحت فيها واستحقت عنها لعنات العمال والبرولتاريا حتي الان. لكنني اتوقف أمام الأرث الانساني لهذه السيدة.
المجتمع البريطاني لمن لا يعرف مجتمع تقليدي بامتياز بطبيعته وليس لتدينه. هذا المجتمع مازال فيه الناس يقولون للنساء حين يلدن بنتا "تهانينا" وحين يلدن صبيا "احسنت صنعا". يذكرونني دوما بالعائلات الصعيدية. وأعرف في محيطي الصغير ثلاث عائلات مزينة بثلاث فتيات. فالطبيعي أن تنجب العائلات طفلين ولكن لمن لم يحالفها الحظ بانجاب صبي تحاول المرة الثالثة. لكنها غالبا تتوقف بعد ذلك عن المحاولة لاسباب اقتصادية. فانجاب الاطفال وتربيتهم من أعلي النفقات التي تواجهها أي أسرة بريطانية.
لا يفصح البريطانيون كثيرا عن تفضيلهم الصبيان عن البنات وجري العرف في السنوات الاخيرة أن تتحدث النساء البريطانيات عن فضيلة انجاب البنت او أن البنت زي الولد. لكن هذا الحديث يبقي مردوده علي النطاق العملي محدودا. فاذا نظرنا مثلا لمصروفات المدارس الخاصة ومعظمها تفصل بين الاولاد والبنات نجد فروقا كبيرة. مصروفات مدارس الصبيان أعلي بشكل كبير من مصروفات مدارس البنات وهو ما يعني أن العائلة تقبل علي دفع أكثر لتعليم الصبي تعليما خاصا.
في الاطار الديني مازالت الكنيسة الانجليكانية ترفض حتي اليوم ترسيم "قس امرأة" وقد كانت هذه معركة شرسة خلال الشهور الماضية وباءت محاولات النساء دخول السلم الكنسي بالفشل. وأثارت قضية ما اذا كان يجب السماح للنساء بكسر حاجز الفصل الجنسي لتتولي مناصب رفيعة في الكنيسة جدلا واسعا.
نظرة بسيطة إلي المرأة البريطانية في مجال العمل تؤكد أنها مازالت تحصل علي أجر أقل من نظيرها الرجل عن نفس العمل. وأن نسبة النساء في المناصب القيادية مازالت أقل بكثير من الرجال.
كل ذلك يدل علي أن المجتمع البريطاني - علي كل التقدم الذي احرزه في المجال الحقوقي والانساني- مازال لا يعترف بالمساواة في الواقع العملي وشتان بين الواقع وما هو مكتوب من قوانين ووثائق علي الورق. ومن هنا تعتبر تجربة مارجريت ثاتشر تجربة نادرة وثرية واستثنائية أيضا. فلم يكن علي "ماجي" تخطي هذه الحواجز الذكورية فحسب لكن كان عليها أن تثبت نفسها فى مجال السياسة ايضا. وهو مجال ذكوري طبقي بامتياز.
فلم يعرف ابدا أن السياسة البريطانية تحفل بوجود نساء لا فى المناصب القيادية ولا مناصب الصف الثاني حتي سنوات قليلة مضت. وعندما اختار توني بلير خمس عشرة سيدة دفعة واحدة حتي يكن في فريقه الوزاري في أوائل التسعينيات .. اطلقت عليهن الصحافة الشعبية لفظ "بلير تشكس" أي "دجاجات بلير" وهذا اللفظ يحمل بالطبع قدرا من السخرية وقدرا من التدليل في أن واحد ولكن مدلوله واضح بالطبع. حدث هذا بعد سنوات طويلة من نجاح مارجريت ثاتشر في الوصول للمرة الأولي الي سدة الحكم ورئاسة الحكومة البريطانية كأول امرأة في التاريخ ترأس حكومة بريطانية عن طريق الانتخاب وليس ذلك فحسب البقاء علي رأس الحكومة ثلاث مرات متتالية.
لم تبرز ثاتشر في بيئتها السياسية الطبيعية. فقد كان الأجدر مثلا أن تكون سياسية في حزب العمال باعتبار أنها تنتمي إلي هذه الطبقة الاجتماعية وكان من الطبيعي في هذه الحالة أن يحتضن حزب العمال أو حتي حزب الاحرار الليبراليين "ابنة البقال" كما كان خصومها في حزب المحافظين يسخرون منها. لكنها اختارت أن تأتي من طبقة الشعب العاملة الكادحة لتقهر الطبقيين المحافظين في عقر دارهم!
كانت هذه طريقتها المميزة والخاصة جدا للنجاح أن تسبح عكس التيار أن تتميز في البيئة التي لا يمكن لمثلها أن تبرز فيها. أن تتميز كفتاة كسيدة من الطبقة العاملة الكادحة في بيئة ذكورية طبقية محافظة. لا يذكر كثير من البريطانيين اليوم "الحقبة الثاتشرية" بكثير من الاعجاب والحنين فقد كانت حقبة صعبة في حياة البريطانيين الذين اختاروا رغم كل شيء أن يعطوا رهاناتهم السياسية ل "المرأة الحديدية" التي خلقت نموذجا اقتصاديا قاسيا ليس بالضرورة لاقتناعهم بصواب ما تفعل لكن لانهم يخشون التغيير والتبديل يخافون من المجهول وخبرتهم مع حزب العمال لم تكن سعيدة ايضا.
فلم يعرف عن حزب العمال في الستينيات أنهم اقتصاديون مهارون أبدا وكان انقياد الحزب انقيادا أعمي للنقابات العمالية بشططها واهواءها الشخصية وتمترسها الدائم وراء سلاح الاضرابات الدائمة الاثر السلبي الكبير لدي المواطن البريطاني الذي يود العمل والانتاج. اجتماعيا وجهت ثاتشر ضربة قاصمة لقيم العائلة حتي دون أن تدري.
وقبل اسابيع كنت اتحدث لزميل لي تجاوز منتصف الثلاثينيات عن السبب في احجامه عن الزواج وانجاب الاطفال فقال لي "السبب ثاتشر" فقد رسخت لدي جيلنا من البريطانيين أن لا فائدة ترجي من الكفاح من أجل عائلة فالامر لا يستحق العناء. وهذا ليس رأي زميلي فحسب فنظرة علي الخريطة السكانية تنبئ بأن المجتمع البريطاني أصبح مجتمعا هرما. ف ستون بالمئة من سكانه ممن فوق سن الخامسة والخمسين وعزوف الجيل الجديد عن الارتباط العائلي وانجاب الاطفال أصبح الغالب والسائد.
لا يمكن اغفال مما حققته ثاتشر من انجازات اقتصادية وسياسية ولا يمكن القول إن حقبتها كانت ظالمة في مجملها. ولا يمكن ايضا اعتبار أنها شخصية عادية. استوعبت "ماجي" دروس الماضي بشكل ايجابي وكان لها من العقلية السياسية والنظرة الثاقبة ما اهلها للبقاء علي سدة الحكم ثلاثة دورات انتخابية متتالية. اتخذت قراراتها بمنتهي الحزم وتحملت بكل شجاعة ( واحيانا بكل صلف) نتائج سياساتها الي أن قهرها توني بلير بنفس سلاحها. تعلم منها الجراءة السياسية وأن الحكم بيد ضعيفة لا يكتب له البقاء.
التاريخ لن يغفل مارجريت ثاتشر ابدا عندما يكتب صفحاته لكنه لن يتذكر الضعفاء من الحكام والسياسيين الذين ينتظرون اشارة من الأخرين.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق