Translate

‏إظهار الرسائل ذات التسميات مصر واللي فيها. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مصر واللي فيها. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 28 مايو 2014

أخطاء السيسي القاتلة



أخطاء السيسي القاتلة  

مازال بمقدور وزير الدفاع السابق عبد الفتاح السيسي الفوز بانتخابات الرئاسة بأغلبية مريحة. ولكن يبقي ما حدث في اليوم الاول والثاني من الانتخابات الرئاسية أمرا يجب التوقف أمامه … ولابد أن السيسي وفريقه الرئاسي ( إن كان له فريق حقا) قد اسقط في أيديهم وجاءت لهم الريح بما لا تشتهي السفن. فجميع الحسابات تغيرت وتبدلت وما كان يظنون أنه بأيديهم لم يعد كذلك. 
لقد وضع السيسي نصب عينيه منذ بداية ترشحه أن يحرز من الأصوات ما يفوق ما حصل عليه الرئيس المعزول محمد مرسي في الانتخابات الرئاسية عام ٢٠١٢ وهو ما يزيد قليلا عن  ١٣ مليون ناخب. وكان الهدف من ذلك حسبما أعلن أن يؤكد على شرعية ما حدث الثالث من يوليو وأنه جاء نتيجة حتمية للضغط الشعبي الكبير في الثلاثين من يونيو والذي طالب باجراء انتخابات رئاسية مبكرة . وليس كما يصوره الكثيرون من المعلقين في الغرب - أنه "إنقلاب عسكري"
لكن السيسي لم يكتف بذلك ولكنه حدد رقم معين وهو أربعين مليون صوت كان يسعي للحصول عليها. ولا تسعفني ذاكرتي الانسانية أو الصحفية على تذكر أن مرشحا قد حدد سلفا قبل أي انتخابات عدد الناخبين الذي "يجب" أن يصوت له. اللهم إلا إذا كان الرجل يتصور أن التعامل مع الشعوب هو تعامل مع كتيبة في الجيش. ولا أعرف كيف لرجل قضي سنوات طويلة من الخدمة في المخابرات قد خانه التقدير لهذه الدرجة التي أهلته للحديث بتلك الثقة عن خروج أربعين مليون شخص لتأييده في الانتخابات الرئاسية. وهو رقم لن يحصل عليه السيسي بالتأكيد في هذه الانتخابات ولن يحصل عليه أي مرشح أخر مهما كانت الشعبية التي يتمتع بها. وأحسب أن الثقة الزائدة في الشعبية اغرت السيسي بالحديث عن هذا الرقم فتغاضي عن بقية الصورة. ونسي أو تناسي أن ليس الشعب المصري بأكمله قد اصطف وراءه. وهناك من لقد نسي السيسي أن تيار الأخوان له قاعدة شعبية لا يستهان بها. كما أنه يتحمل شاء أم أبي تبعات ما يحدث في المرحلة الانتقالية التي تلوثت بكثير من الدماء والمظالم. 
أما الخطأ الثاني القاتل فهو فشل السيسي فشلا ذريعا في كسب ود شباب الثورة بل تعامل معهم بأسلوب الأب الذي "يقوم سلوك أولاده بالضرب العنيف". وكان لتكرار مشاهد اعتقال وسجن وتشويه الكثير من رموز شباب الثورة - والتي تحمل السيسي وزرها تلقائيا- بالغ الاثر في حملة المقاطعة التي اختارها العديد منهم طواعية من دون ترتيب مسبق . 
لم يكن من الممكن أن يمر اعتقال وسجن كثير من رموز الثورة مرور الكرام و لم يكن من الممكن أن يشارك هؤلاء الشباب في الانتخابات الرئاسية - والكثيرون منهم كانوا مؤيدين لتحرك الثلاثين من يونيو بعد ما حدث بعد ذلك من تجاوز وتجاهل واعتقال وتشويه. 
لقد اختصر السيسي عليهم الطريق ولم يجعلهم حتي في حيرة من أمرهم حتي أن أحدا لم يطرح السؤال الذي لازم الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية ٢٠١٢ هل نعصر ليمون؟ ونأخذ خيار المضطر.  كانت القضية محسومة والود بين شباب الثورة والسيسي مفقودا ولم يبذل الرجل جهدا لتبديل الوضع سوي بالحديث بكلام أجوف عن أن الشباب في قلب المستقبل. بينما استمرت الاعتقالات بمقتضي قانون منع التظاهر وحجة ملاحقة العناصر الارهابية حتي الساعات الاخيرة من انطلاق السباق الانتخابي. كما جاء حكم حظر جماعة ستة أبريل واتهامهم بالعمالة لتكون القشة التي قصمت ظهر البعير. 
وحتي في الحوارات القليلة التي أدلي بها-  ابدي وزير الدفاع السابق عزمه على السير قدما فيما سعي إليه من منع التظاهرات وفرض المزيد من القيود على مواقع التواصل الاجتماعي. ونسي السيسي وفريقه الانتخابي أنه ليس بوسعه أن يستغني عن قطاع الشباب في بلد أربعين في المائة من سكانه تحت سن الاربعين وتسعة وعشرين في المائة منهم تحت سن التاسعة والعشرين.
والحقيقة أن السيسي لم يسع لكسب ود الشباب أو غير الشباب وهذا هو الخطأ الثالث الذي وقع فيه فالرجل كان يردد دوما أنه لم يسع للرئاسة ولم يكن يرغب فيها وإنما جاء بناء على "استدعاء" من الشعب و"تكليف" منه. فتعامل مع الشعب المصري بطريقة "الغاوي ينقط بطاقيته" فلم يقم مؤتمرا شعبيا  واحدا خلال حملته الانتخابية التي لم أفهم أبدا ما هو مغزاها طالما أنه رفض الاعلان عن برنامج انتخابي واضح كما أنه لم يقبل الدخول في مناظرة مع خصمه الوحيد حمدين صباحي وأكتفي عوضا عن ذلك بالخروج إلي الشعب عبر شاشات التلفزيون في برامج كانت معدة سلفا بل إن إخراجها كان أقرب إلي الدعاية المباشرة منه إلي الحوار البناء. وهنا مكمن الخطأ القاتل الرابع للمشير السيسي. 
فالآلة الاعلامية الجهنمية لم تتوقف عن تفخيم ذات السيسي منذ اليوم الأول لعزل مرسي وتصويره على أنه المنقذ الوحيد لمصر من "شر الاخوان" وأن على مصر أن ترد الجميل وتطالب السيسي بخوض الانتخابات الرئاسية ليتوج ما فعله من الخلاص من الإخوان و"يتم جميله". لم يكن هناك سرا في أن الاعلام الخاص الذي يسيطر عليه رجال الأعمال قد فرض نفسه تقريبا على السيسي وعلى برنامجه وعلى شخصه تحقيقا لمصالح خاصة . واثبات أنهم "رجال الرئيس" وزينوا له بقدر لا يستهان به من الغباء كل ما قاله وكل ما فعله. بل وقاموا بتغذيه النعرات الشوفينية التي تجرم كل ما يخالفهم في الرأي أو يوجه انتقادا للسيسي. وخرجوا تارة بمسلسلات سيديهات شباب الثورة وتارة أخري بمؤامرة أبلة فاهيتا وأخيرا بنموذج سيدة "شت أب يور ماوس أوباما". أشياء جميعها كان ينافي المنطق والعقل واستهلكت الوقت والجهد في متاهات كان بالامكان تفاديها بقليل من الحكمة وقليل من الصدق مع النفس. فسقط السيسي بسيف الإعلام كما سقط الاخوان بسيف الدين. 
ليس أمام السيسي وقتا لكي يضيعه وإذا كان حقا يريد أن يبدأ حقبته الرئاسية بشكل واع ولائق عليه أولا أن يستدعي حكماءه كي يستعرض أخطاءه بامانة ونزاهة وشفافية بدلا من التدليس والتهوين .. عليه يستوعب أول درس في السياسة من الشعب المصري. 

الثلاثاء، 20 مايو 2014

ثورة الهوامش ..شت أب يور ماوس



ثورة الهوامش …. شت أب يور ماوس 

هل تتذكرون المشهد الدرامي المؤثر في فيلم "خلي بالك من زوزو" والذي قام فيه مجموعة من البنات والشباب من طبقة ارستقراطية بدعوة تحية كاريوكا الراقصة العجوز لاحياء حفلة حتي يجعلوا منها أضحوكة ويسخروا منها ومن ابنتها التي قامت بدورها الجميلة الراحلة سعاد حسني والتي تخلع ملابس الهوانم وتبدأ في الرقص أمامهم وهي في الحقيقة لم تتعري لترقص أنما كانت تُعري شلة طبقة الارستقراطية من زيفهم وتجردهم من الأنسانية… 
هذا المشهد تكرر بحذافيره في منتدي دبي للاعلام الذي وجه الدعوة للسيدة المصرية البسيطة مني البحيري للمشاركة في المنتدي بدعوي أنها تمثل ما وصف بثورة الهوامش في الإعلام. ومني البحيري لمن لا يعرف هي تلك السيدة المصرية البسيطة التي اشتهرت بفيديو "أوباما شت أب يور ماوس" حيث وجهت رسالة إلي الرئيس الامريكي تدعوه فيها إلي عدم التدخل في الشأن المصري أصرت أن تكون باللغة الأنجليزية حتي تصل الرسالة إليه . 
مني هذه السيدة البسيطة الحاصلة علي دبلوم تجارة هي مثال لما نسميه إعلاميا "رجل الشارع". فهي تتمتع بتلقائية وعفوية وبساطة متناهية في عرض قضيتها. وبالطبع هذا هو المحتوي الذي ينبغي لأي إعلامي محترم أن يركز عليه. فمبادئ الإعلام الراقي -كما تعلمتها-  تقتضي أن نفكر في المحتوي وتفاعل المتلقي معه وجزء من تفاعل المتلقي مع المحتوي هو التوحد مع الشخصية المحورية. وعلى ذلك فاستقراء رأي رجل الشارع يعد أضافة ثرية ومهمة لأي محتوي إعلامي. 
لكن ما حدث مع مني البحيري غير ذلك. فبدلا من التركيز على عرض قضيتها ورأيها بشكل مهني بدأ الإغراق في التركيز على الطرفة والدعابة في كلامها ألا وهو عدم اتقانها اللغة الانجليزية والجسارة التي تتحدث بها التي تثير قدرا من الانبهار الممزوج بالسخرية. التعامل مع هذا العنصر بشكل عرضي يمكن أن يكون عنصرا جذابا في الإعلام لبعض الوقت وفي الوهلة الأولي حيث لا توجد شبهة استغلال لهذا الجانب وهذا الجانب دون غيره. 
وقد تابعت مثل الملايين المصريين "مني" التي اصبحت تلقب بالسيدة الخضراء نسبة إلي الخمار الذي ترتديه دوما والذي تقول إنها لا تملك غيره بقدر كبير من الدعابة بل وضحكت مثل الكثيرين على طريقتها الجسورة فى الحديث باللغة الانجليزية التي كسرت كل قواعدها و"براءة الأطفال في عينيها" … كل هذا في حدود المقبول والمعقول. وحتي ما قامت به بعض القنوات الفضائية من استضافة السيدة مني في إطار الفضول الكبير الذي رافق الفيديو المنشور لها يبقي معقولا ومقبولا وتحويل حوارها إلي "كوميكس" هو نتاج طبيعي لثورة المحتوي الإعلامي. 
لكن غير المقبول ولا المعقول والذي ينتهك ليس فقط ابسط القواعد الإعلامية المحترمة ولكن أبسط القواعد الإنسانية هو أن يتم استغلال هذه السيدة لتلعب دور "الأراجوز" أو "القرد أبو صديري" كي يتضاحك عليها من يفترض فيهم أنهم إعلاميون أصحاب مهنة ذات قيمة. ولم اتمالك شعوري بالصدمة حين رأيت الإعلامي اللبناني المعروف نيشان ديرهاروتيونيان يقف بجوارها وهي تدلي ب "حديث صحفي " ليضحك عليها ويتغامز من خلفها في مشهد رخيص أساء إليه كثيرا إعلاميا وإنسانيا أيضا. 
والمثير للأسى أن السيدة "مني غانم المري" المدير العام للمكتب الإعلامي في حكومة دبي ورئيس اللجنة العليا المنظمة لمنتدي الإعلام العربي عندما سئلت عن مغزي استضافة مني البحيري أمعنت في التبرير لهذه السقطة بالقول إنها جاءت في إطار ندوة ثورة الهوامش وأنها ـ أي مني البحيري - سوف تتواجد ولن تشارك في جلسات المنتدي كونها "ظاهرة" افرزها الإعلام الجديد وجعل منها نجمة في الوقت الراهن !!
ولدي عدد من الأسئلة في صميم مهنة الإعلام إذا ما كانت جحة "مني المري" هي الإعلام وخدمة الإعلام وفتح نقاش ثري للظواهر الإعلامية… ما هي القيمة الإعلامية لوجود مني البحيري في المنتدي ؟ ولماذا كان من الضروري أن تتواجد مني البحيري بنفسها في ندوة كان من الممكن ببساطة أن تناقش الموضوع دون وجود "الجثة" كما نقول ؟ ولماذا وكيف اقنعتم هذه السيدة بأنها أصبحت نجمة ومحط اهتمام كبير وأنها أصبحت إعلامية يشار إليها بالبنان لتقف في وسط بهو قاعات المنتدي لتدلي بدلوها وتكرر أرائها السياسية الذي باتت مقتنعة أنها ذات قيمة كبري؟  ولماذا سمحت لأنفسكم باستغلال هذه السيدة المصرية إنسانيا واستغلال بساطتها وسذاجتها؟ وما هو المبرر الأخلاقي لذلك ؟ 
والسؤال الأهم كيف سمحت مصر ورئيس وزراءها إبراهيم محلب الذي شارك في المنتدي بأن يتم اختصار مصر إعلاميا ومهنيا في محفل مهم مثل منتدي دبي بهذا الشكل ؟  ومن المسؤول عن تمرير مثل هذه المشاركة الرخيصة في منتدي عربي يؤم مئات من الإعلاميين من شتي أنحاء العالم؟ 
أقولها بصوت عال … أيها الإعلاميون الذين اختصرتم مصر والإعلام فيها في ثورة الهوامش شت أب يور ماوس.   

الجمعة، 18 أبريل 2014

حكايات الاسوانية .... الحقيقة والخيال في مذبحة الهلايلة والدابودية



حكايات الأسوانية الحقيقة والخيال في "مذبحة الهلايلة والدابودية" 

كان اكتشافا مذهلا ذلك الذي عايشته خلال الفترة الماضية.. لم أعرف أن شعور الأنسان بالألم على شئ يحبه ويعشقه يجعل من الصعب جدا عليه أن يكتب عنه. هذا ما حدث لي عندما قرأت وسمعت وشاهدت المشاهد البشعة التي دارت أحداثها في أسوان حاولت مرارا دون جدوي أن أكتب عما حدث حتي مجرد بوست على فيسبوك أو مائة وأربعين حرفا على توتير. لم استطع .. شئ ما بداخلي كان يرفض الاعتراف بأن هذا يحدث في الحقيقة كنت أشعر أن جزءا من براءة أيام طفولتي تنمحي بكل قسوة مع كل صورة ومع كل خبر يتحدث عن "مذبحة أسوان"
الكثير من الأصدقاء والأقارب والجيران لجأوا إلي كي أقدم لهم تفسيرا لما يحدث .. لكنهم عادوا خائبين فلم يكن لدي إجابة ولم يكن عندي تفسير لماذا تحولت مدينتي إلي ما يشبه ساحة الحرب لماذا أصبحت الجثث تارة ملقاة في الشوارع وأخري محمولة على عربات الكارو لماذا كل هذا الدم وهذا العنف في أسوان التي يعشقها كل من يأتي إليها ويشيد بطيبة أهلها؟  
ذهبت إلي أسوان ولم يكن في نيتي إجراء تحقيق صحفي لأنني متأكدة أنني سأنظر إلي موطني بشكل مختلف كنت أبحث عن الحقيقة في عيون أبناءها. قررت أن اترك جانبا كل ما قيل في الإعلام وما قيل على شبكات التواصل الإجتماعي لأن الكثير منها قيل من منطق النفخ في النيران من أجل أن "يبيع الخبر أكثر". على سبيل المثال قالت لي جارتي إنها سمعت في أحد البرامج التلفزيونية إن القتلي وصل عددهم "خمسين ألفا" فسألتها هي أسوان فيها كام ألف؟ ووصفت أحداهن على توتير ما يحدث بحرب داحس والغبراء ! وأصر الكثيرون من النشطاء على فيسبوك وتوتير أن النوبيين مقهورون ومغلوبون في الصراع. فيما دلل أنصار الصعايدة على أنهم المغلوبون في الصراع بدليل أن عدد الضحايا بينهم هو الأكبر.   
قررت أن أنحي كل ذلك جانبا وأنزل الشارع لأحدث للبشر كي أعرف الحقيقة لا الخرافة كلام الناس الحقيقيين بدلا من الجالسين في المكاتب المكيفة وفي مقاهي الانترنت. أجمعت آراء كل من ألتقيت بهم دون استثناء سواء من الصعايدة من الهلايلة أو النوبة من الدابودية على أن الخلاف بدأ بكلام طائش مسئ للجانبين كتب على جدران مدرستين متقابلتين ينعت بأوصاف بذيئة أبناء القبلتين. وأكد لي عم عبد الله النوبي ولديه خبرة في الخطوط أن الذي كتب العبارات من الجانبين "شخص واحد"وأن ذلك واضحا جليا من طريقته في كتابة الياء والألف. وأجمع الكل أيضا على أن العداء بين الجانبين مستعر منذ عام وسخر الجميع من مقولة أن الأخوان هم السبب فيما حدث. وأشار معظم من ألتقيت بهم إلي تقاعس أمني كبير في وقف شرارة النار حين اشتعلت كما تحدث البعض كيف أن السلطات قصدت " تأديب " الطرفين بعدم التدخل فيما تحجج بعض المسؤولين بإن التدخل الفوري دون دعم كان يمكن أن يقود إلي مذبحة لقوات الأمن التي كانت غير مجهزة. 
قال لي معظم من ألتقيت بهم - بمن فيهم الصعايدة- إن جماعة من الهلايلة ممن احترفوا الاجرام وتجارة المخدرات اعتادوا الاستقواء على الدابودية وعلى غيرهم وأنهم قتلوا بعضا من النائمين غدرا من النوبيين ومن بينهم سيدة نوبية وقاموا بنهب وسلب المنازل ومن يعرف طباع الصعايدة مثلي يدرك أنهم على كل مساوئ عادة الثأر التي مازالت موجودة لديهم لا يمكن أن يقتلوا نائما كما أن قتل النساء ثأرا يعد من المحرمات تقريبا في أعراف الصعيد. ولا يمكن أن يُقتل رجل عليه ثأر وبصحبته امرأة سواء كانت زوجته أو أمه أو شقيقته فهذا عار على من يرتكبه. 
هذه الحادثة كانت محورية في تأجيج ما كان يمكن أن يعد حادثا بسيطا. وجعل أهل النوبة يتكاتفون سويا مع الدابودية ويشنوا هجوما مضادا قتل فيه ما يصل إلي خمسين من الهلايلة. لم يسكت الهلايلة على ذلك وإنما ردوا بالثأر بقتل طبيب نوبي مشهود له بالخلق في محل عمله بصورة بشعة وتقطيع أوصاله. ومن يعرف عادات الثأر في الصعيد يعرف أن القبائل - مع الأسف الشديد- لا تعتمد مبدأ من قتل يقتل لكنهم ينتقون أفضل من في القبيلة الأخري كي يقتلوه ثأرا. 
على الطريق من كوم أمبو لأسوان فوجئت بشخص نوبي بملابس مدنية يقف بالقرب من أحدي نقاط التفتيش رافعا بندقية متأهبا وبعد ذلك بأيام كنت على الطريق من كوم أمبو لإدفو دخلت محل للموبايل لشراء كارت تلفون وفوجئت برجل يرتدي جلبابا رافعا سلاحه. مثل هذه المشاهد التي لم اعتد عليها ولم اراها في سنوات عمري التي قضيتها في أسوان أكدت لي بالدليل القاطع ما أجمع عليه الكل أن سلاحا كثيرا يغرق البلد مصدره ليبيا وأن قطعة السلاح التي كانت بعشرة ألاف جنيه أصبح سعرها اليوم ألفين من الجنيهات. وكل ذلك أغري الجميع بالتسابق على شراء السلاح خاصة في ظل انعدام الأمن. الجميع يعرف أن الكبار من رجال الصعيد يقتنون في العادة سلاحا حفظا للهيبة لكن المؤكد أن وجود السلاح اليوم بشكل كبير في يد المتهورين من صغار السن ساهم في تفاقم المشكلة. هذا إلي جانب الكثير من المشكلات التي يعاني منها الصعيد أصلا من ارتفاع كبير للبطالة وسيطرة الجماعات المتطرفة على المشهد الاجتماعي وتغذية النعرات الطائفية.   
كانت هناك حكاية وراء الحكاية ربما لم يعرفها الجالسون إلي أجهزة الكمبيوتر والسمارت فون علي شبكات التواصل الإجتماعي ولم يهتم بها الأعلاميون الذين كان كل همهم أن يضيفوا البهارات والأثارة لقصصهم ..ألا وهي الأثر الشرير نعم الشرير الذي أحدثته هذه الأزمة بأقوات الناس في أسوان التي تعتمد بشكل رئيسي على السياحة سواء الداخلية والخارجية. وبالطبع أضرت هذه الاخبار بالسياحة بشكل مهول في موسم من أهم المواسم السياحية . أنا من أشد المنحازين إلي طرح الحقائق كما هي لكنني في نفس الوقت ضد المبالغة والأثارة المبالغ فيها لتحقيق مكاسب وقتية وانتصارات وهمية. 
كان يمكن أن يكون هذا الموسم السياحي أفضل من سابقيه بقليل كان يمكن تطويق مستصغر الشرر الذي تحول إلي نيران تأكل الأخضر واليابس بقليل من الحكمة والسرعة في التعامل الأمني. كان يمكن للإعلام المصري أن يتعامل بقدر من المسؤولية بدلا من تحويل مشكلة يمكن أن تحدث في أي بلد وأو نجع من نجوع مصر دون أن تتحول إلي "مذبحة" و"حرب داحس والغبراء". كان يمكن للناشطين في مجال حقوق النوبة -التي انحاز إليها علي طول الخط-  ألا ينفخوا في النيران وألا يستغلوا هذا التوقيت لطرح قضايا عالقة من سنين لكن لا علاقة لها اساسا بما حدث مثل المطالبة بالتعويضات وحق احترام الخصوصية واللغة. كان يمكن لكل من شمر عن ساعديه للمشاركة في حرب الأثارة المؤسفة بهاشتاج مذبحة أسوان اعلى توتير أو بوست على فيسبوك أن يتروا قليلا ويعرفوا الحقائق كما هي. كان يمكن لكل هؤلاء أن يتحلوا بقدر من الحكمة ليعرفوا أن الجميع من أهل النوبة والصعيد على حد سواء سيخسرون في النهاية ويدفعوا ثمنا باهظا من أقواتهم وأرزاق أطفالهم ثمنا لهذه الحروب الوهمية علي شاشات التلفزيون وشبكات الانترنت. 
في رحاب معبد فيله الراقد في بهاء وروعة في أحضان النيل من آلاف السنين .. جلست أنا وأسرتي الصغيرة واحدة من ثمانية أشخاص لا غير نستمتع بالاستماع إلي رواية أزوريس الخالدة في عرض الصوت والضوء. جو أسطوري تحت سماء صافية وفي جو رائع وراقي لا تعرفه أغني بلاد العالم . لا أخفي عليكم شعرت بالحسرة تعصر قلبي الجواني علي التراب الأسواني وجدتني أسأل .. أسوان تبيع أجمل ما في الكون فمن يشتري ؟ 



الأحد، 2 فبراير 2014

بين الكفن والحذاء



غالبا ما أجد صعوبة في الحديث عن شؤون شخصية عندما اتحدث عن قضية ما .. ربما لأنني تربيت في مدرسة إعلامية تعتبر أن أظهار الجانب الشخصي من قضية ما يخل بمصداقية الطرح ويجعلك طرفا في القضية وبالتالي أفضل ما يفعله الصحفي والإعلامي أن يطرح القضية بتجرد ويحاول جاهدا أن يعطي الفرصة لكل طرف في أن يبدي وجهة نظره طالما أنه يفعل ذلك في حدود اللياقة وأنه لا يزيف الحقائق. 
لكنني بعد سنوات من العمل الإذاعي والصحفي تعلمت أيضا أن لكل قضية عادلة وجها انسانيا وأن الإنحياز للمبادئ ليس فيه ما يسيء أو يشين. وأن قول نصف الحقيقة أسوأ من الكذب. 
ولا يمكن أن يمر شهر يناير في كل عام دون أن أتذكر أن هذا الشهر المفعم بالبرد والمطر وهبني أكبر منحة يمكن لأنثي أن تحصل عليها.. منحة الأمومة.. كان يوما فارقا في حياتي كنت قبله إنسان وأصبحت بعده إنسان آخر. مخلوق بعثر الكثير وغير كل شئ في قلبي وعقلي وقناعاتي وقضاياي ومشاعري وأفكاري.. باختصار لم تعد الدنيا بالنسبة لي كما كانت. 
وتمر سنوات كثيرة في عمري ولا أنسي هذا اليوم بل وأتأمل كيف أضافت الأمومة لحياتي الكثير وجعلتني أكثر فهما للحياة وأكثر تعلقا بها كيف جعلت مني كيانا مختلفا يشعر أن له أمتداد في الكون. ولا أظن أنني اختلف كثيرا عن الأمهات في هذه المشاعر لكنني وجدت في أمومتي الهاما للدفاع عن حياة الأطفال وسعادتهم وحقهم في الحياة والتعليم والصحة… حقهم في أن يعيشوا دون خوف أو ألم. حقهم في أن نحميهم حتى من أهواءنا الشخصية ومبرراتنا. 
لذلك لم يكن من السهل على أن أري صورا التقطت في ميدان التحرير لأطفال يحملون فوق رؤوسهم أحذية عسكرية في أشارة على تأييد ذويهم للجيش وقادة الجيش وربما عرفانا بجميل يشعر أباءهم به. شعرت بكثير من الصدمة من هذا الاستغلال المسيء للأطفال في قضية لا تخصهم ولا تعنيهم وليست من عالمهم. بالضبط كما أصدرت مجلة سمير ـ هذه المجلة التي تربي عليها ملايين من جيلنا - قبل شهور عددا يحمل صورة سمير وهو يرتدي الزي العسكري. من الذي سمح بمثل هذا الاستغلال السيء لمجلة يفترض أنها تخاطب عقول الأطفال ؟ وعاد الى مخيلتي هذا المشهد المريع عندما شاهدنا حمل أطفال في عمر الزهور أكفانهم في اعتصام رابعة لجماعة الأخوان المسلمين. من أعطي الحق لهؤلاء أن يرتكبوا هذه الجريمة نعم الجريمة بحق هؤلاء الأطفال كيف لأم أن تجعل من ابنها أو ابنتها وقودا لحرب سياسية ؟ كنت اسأل نفسي 
اتذكر أن أول مرة شاهدت فيها أطفالا يرتدون الزي العسكري كانت تظاهرة لحركة حماس في استعراض للقوة ضد إسرائيل منذ سنوات طويلة. كان الكثيرون يرون في صورة الطفل بالزي العسكري شجاعة وبسالة وأن عصابة الرأس التي تحمل الشهادتين هي بالضرورة مبرر لأبيه وأمه علي عدالة القضية التي اقحموا أطفالهم فيها. وتكررت مثل هذه المشاهد مع الثورة السورية ولم يكتف الآباء والأمهات بالزي العسكري الذي أصبح "موضة قديمة" في استغلال الأطفال فجربوا تقنية أكثر فاعلية فرأينا أطفالا رضع في المهد وبجوارهم بنادق الكلاشنيكوف عوضا عن زجاجة الحليب واللعبة. 
والمثير للأسي أن يتناقل الناس هذه الصور علي أنها صور للشجاعة والبسالة وعدالة القضية. لكنها ليست كذلك ابدا ولن تكون وعدالة أي قضية أو زيفها لن تتعزز بمظهر طفل يحمل كفنه أو يضع حذاء عسكريا فوق رأسه. هذه المشاهد في الواقع لا تشير سوي لعقلية قاصرة تعتبر الطفل مثل الدمية آداة لتحقيق غرض وليس انسانا له مشاعره وشخصيته وعالمه. والأكثر من هذا أنها تزج بالطفل في قضية لا تعنيه ولا تخصه وتغامر بأمنه وسلامته البدنية وسلامة النفسي. ناهيك عن حملات التشويه العقلي التي يتعرض لها ليتبني أفكارا ومباديء ليست أفكاره وليست مبادئه ولا تتناسب مع عمره وتفكيره. اتركوا اولادكم بسلام اتركوهم في مدارسهم وملاعبهم. اتركوهم يشربوا الحليب ويلعبوا بالعروسة والعربية حتي لا نجد أحدهم يحمل يوما حزاما ناسفا ليقتل به دون أن يدري تماما كما فعلت فتاة أفغانية في العاشرة من عمرها ذلك قبل أيام. أولادكم ليسوا لكم أولادكم أبناء الحياة.  

الأحد، 15 سبتمبر 2013

الإعلامي والسياسي والحقوقي


                        
اعترف أنني شعرت بالصدمة للوهلة الأولي التي اختفت فيها ما تسمي بالقنوات الدينية وقناة خمسة وعشرين الناطقة باسم جماعة الأخوان المسلمين من على شاشات التلفزيون . فذاكرتي لا تسعفني بتذكر أني شهدت شيئا مثل ما حدث سوي ما حدث عام ألف وتسعمئة وستة وتسعين في بريطانيا وكنت شاهدا علي حدوثه من قريب. عندما قرر الشريك التجاري لهيئة الاذاعة البريطانية وقف بث التلفزيون العربي ل بي بي سي والذي كان مشروعا مشتركا بين الجانبين  . كانت الإدارة وقتها تتمتع - بمقتضيات التعاقد مع الشريك السعودي - باستقلالية تحريرية كاملة. وعلى ذلك قررت إدارة التلفزيون العربي وقتها إذاعة حلقة من برنامج بانوراما الشهير عن حقوق الإنسان في السعودية. كانت قناعة الإدارة البريطانية للقناة وقتها أنه لا يوجد ما يبرر ألغاء الحلقة من البرنامج المدرج علي جدول القناة وأن هذا يعني محاباة الشريك التجاري. وقف جميع الصحفيون يشاهدون البرنامج علي شاشات الإذاعة الداخلية ويطلقون لخيالهم العنان في ردود فعل الشريك التجاري السعودي لكن لم يدر بخلد أيا من كان أنه في اليوم التالي ستكتب نهاية أول تجربة تلفزيونية ناطقة بالعربية لبي بي سي . في منتصف الظهر قُطع الارسال وطُلب من الصحفيين والمحررين أن يتركوا كل شيء كما هو وأن يأخذوا متعلقاتهم الشخصية فقط. 
لكن ظروف إغلاق القنوات الدينية وقناة خمسة وعشرين تختلف كثيرا في تفاصيلها عن هذا الحادث وجاءت في أوج أزمة سياسية طاحنة وشاهد عشرات الآلاف عبر يوتيوب مقاطع فيديو لقوات الأمن وهي تقوم باعتقال العاملين في هذه القنوات بتهم لا يعرف أحدا ما هي وبدون أي حكم قضائي. علي أن ذلك يماثل ما حدث لقناة الفراعين وصاحبها توفيق عكاشة الذي تم مطاردته واعتقاله علي الهواء ومن ثم إطلاق سراحه دون أن يعرف أحد لماذا وكيف اُعتقل ولماذا أُطلق سراحه. 
ولا يعنيني هنا أن أتوقف أمام جدل قضائي لست علي دراية بتعقيداته وتفاصيله التي يمكن أن يتوه فيها الكثيرون لكني أتوقف أمام قيمة الاعلام وما يقدم في هذه القنوات وغيرها.
 أول مرة انتبهت فيها  لوجود القنوات الدينية كانت قبل نحو ثلاث سنوات. كنت أقوم بزيارة لبلدة صغيرة في صعيد مصر هي مسقط رأس أبي. لاحظت أن كل بيت زرته من بيوت أقاربي وعائلتي أولاد عمومتي كان الجميع بلا استثناء  يتطلعون إلى شاشة إحدي هذه القنوات. ولا أبالغ إن قلت أنني اكتشفت أن الجميع لا يداوم سوي على مشاهدة هذه القنوات والمسلسلات الدرامية. ولفت نظري وقتها أن إحدي هذه القنوات تقدم مفاهيم مغلوطة عن الشيعة. كنت عائدة لتوي من طهران في زيارة عمل وعندما حاولت تصحيح ما يقال لم يكترث أحد فى البيت لما أقوله كثيرا. بينما بدا أن الجميع واثقون أكثر فيما تقوله هذه القنوات التي تتاجر بتجارة رائجة للغاية "الدين". وخرجت وقتها بقناعة مفادها أنه  لا يمكن إلا يلتفت المصريون إلي شخص جالس أمامهم يتحدث عن الدين أو بالاحري يتظاهر بالمعرفة  لشؤون الدين. 
كان من الواضح أن هذه القنوات أدت الغرض الذي أراده لها نظام مبارك. الحديث في الدين ولا حديث في السياسة. ولذا لم يكن مستغربا أبدا أن هذه القنوات لم تكن تتحدث في السياسة قبل الثورة والحقيقة أنه ليس لدي توثيق كامل لما كانت تبثه هذه القنوات لكن المؤكد أنها كانت تتمتع بشعبية جارفة لدي قطاعات كبيرة من الشعب المصري وخاصة لدي الطبقة الشعبية لذا اعتمدت الخطاب الدارج الذي يصل فى كثير من الاحيان إلى الفجاج  كما أنها حققت - ولا شك - أرباحا خيالية إثر ذلك. 
ولم يكن مستغربا أن تدخل هذه القنوات بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير على خط السياسة والخطاب العام. فهي على أي الأحوال بدأت فى جني ما استثمرت فيه من شعبية. او بالاحري شعبوية. فأطلقت لنفسها العنان في الخطاب السياسي الممجوج الذي لا يستند إلى اي حقائق بل مجرد تمرير رسائل سياسية واجتماعية تغلفها طبقة هشة من التدين الزائف. واتسع النطاق لتصبح ما يسمي بالقنوات الدينية أداة طيعة للهجوم على الخصوم دون أي رابط أو رادع وأغرقت نفسها فى خطاب أقل ما يقال عنه أنه "مستفز وبذئ" . واعتمدت قناة الفراعين نفس السياسة تقريبا مع اختلاف الأسماء والوقائع. 
واحقاقا للحق فلم تكن هذه القنوات تغرد خارج السرد فيما ذهبت اليه ولكنها كانت الأكثر نشازا والأكثر قبحا. ربما لانها كانت تستغل ما لا يجب استغلاله " الدين". وقد شهدت مصر ومازالت كما هائلا من "التسيب الإعلامي" فى أعقاب ثورة الخامس والعشرين من يناير.  اصبح المذيع أو المذيعة يجلس كل ليلة أمام الكاميرا ليطالعنا بعدد من الأخبار القصيرة أو فقرات إخبارية محدودة ثم يمتطي صهوة جواده فيخرج إلينا بما بدا له من آراء شخصية وأحكام لا تستند الي منطق ولا صواب. نسي الإعلامي والإعلامية فى مصر الفارق الجوهري بين "الشاشة" و "الكنبة". فسمحوا لأنفسهم أن يقولوا ما يشاؤون وما يرغبون. والجميع يستوي في ذلك من القنوات الفضائية والأرضية وتلفزيون الدولة والإعلام الخاص. 
ولن أتوقف أمام القنوات الخاصة فهي "موال لوحده". ورأس المال بالضرورة هو الذي يملي السياسة التحريرية. وأتذكر جيدا حديثاً لرجل الأعمال المعروف احمد بهجت للتلفزيون المصري قال فيه إنه لم يفكر أبدا يوما فى افتتاح قناة تلفزيونية لكنه وجد نفسه ينفق الكثير من الأموال  على الإعلانات فى القنوات الأخري فقال لنفسه ولماذا لا يكون لى قناة وبالمرة أوفر مصاريف الإعلانات!!  فى الحقيقة احترمت صدق الرجل وصراحته. المسألة لا تعدو كونها صفقة تجارية أي بزنيس. والبزنيس لا يعني بالضرورة عائدا ماديا ولكن قد يكون عائدا سياسيا أو استثمار لمصلحة طرف أو غير ذلك. وأحسب  أن جميع القنوات الخاصة تقريبا تعتمد نفس هذه السياسة. 
لكن ما أتوقف أمامه قليلا هو الاعلام المملوك للدولة هذا الاعلام الذي يجب أن يخدم "المواطن". وسأعود قليلا الي الوراء وانتقي ثلاثة نماذج  للتدليل على ما أقصد والسبب في انتقائها ليس لإنها النماذج الوحيدة ولكن لإنها قد تكون الأفضل في عرض وجهة نظري . والثلاثة لها علاقة بالاعلام المملوك للدولة خبر يشير إلى  أن لجنة تحقيق في المهنية في التلفزيون المصري توصلت الي أن سياساته تعاني من التخبط خاصة في أوقات الأزمات حيث ينتظر الأوامر .
 المذيعة اللامعة والمرشحة السابقة لرئاسة الجمهورية بثينة كامل تخطئ (عن عمد) وتقول ونواصل النشرة "الإخوانية. والزميلة الفاضلة هالة فهمي ترفع أمام جمهور برنامج "ضمير" علي القناة الثانية "كفنها" احتجاجا علي سياسيات الإعلام المصري "المضللة" لمجريات ما يحدث حقيقة في الشارع حسبما قالت. 
الخبر الأول أثار إعجابي لأن اللجنة كانت صادقة في تقييمها لأداء التلفزيون المصري وكان لديها الشجاعة الكافية لعرض النواقص ووضع أصبعها علي موطن الخطأ وهذا أول طريق النجاة في رأيي . المشكلة إذا في عدم وجود قواعد تحريرية يرجع إليها العاملون كميثاق شرف يلتزمون به مهما تغيرت الحكومات وتعاقبت التيارات السياسية .
موقف السيدة  بثينة كامل التي أجل لها كل الاحترام مهنيا وشخصيا واحترم نضالها من أجل المرأة والحريات أثار إعجابي لأول وهلة بشجاعتها في أن تقول ما ترغب دون الالتفات لعواقب ذلك . لكن علي المستوي المهني أصابتني حالة من الارتباك . هل هي بثينة كامل المذيعة أم الناشطة السياسية والمناضلة ؟ من الواضح أنه كان لديها وقتها الكثير من الاعتراضات علي الصياغة التحريرية للنشرة ولكن هل الاعتراض يجب أن يكون علي شاشات التلفزيون ؟ وماذا عن المشاهد الذي ينتظر خبرا دون تعليقات او تلميحات او مشاجرة علي الهواء بين مذيعة ومحرر نشرة ؟ 
أما الزميلة  هالة فهمي فلا اعلم عنها الكثير لكن أصدقاء محترمين أثق في حكمهم يشيدون بشجاعة هذه السيدة وصمودها من سنوات داخل ماسبيرو . وقد كبرت كثيرا في عيني وهي تتحدث لعمرو أديب كيف أنها لا تود أن تستبدل عملها الحالي في القطاع الإعلامي الحكومي بعمل في قناة خاصة لانها تعتبر أنها "تخدم الشعب" . لكن هذا لم يغير موقفي المهني مما فعلته. احترم انتماءاتها السياسية واحترم صمودها وصدقها مع النفس لكن جميعها صفات وميول تخص الشخص نفسه ولا تعني المتلقي في شيء ومشهد "الكفن" قد يثير الإعجاب لفترة لكنه لن يترك أثرا ابعد من ذلك في رأيي المتواضع.
فى بريطانيا حيث اعمل وامتهن الاعلام هيئة تسمي اختصارا Ofcom وهي الهيئة المنظمة لخدمات الراديو والتلفزيون.  هذه الهيئة من وظيفتها التأكد أن المشاهد أو المتلقي البريطاني يستفيد من الخدمة الإعلامية بالشكل الأفضل. كما أنها تحقق في الشكاوى التي يتقدم بها عامة الناس من خدمة إعلامية معينة. فعلي سبيل المثال أصدرت الهيئة قبل اسابيع قليلة إنذارا لقناة صفا الشيعية بعدما جاء إليها شكاوي من أن القناة توجه سبابا إلى سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأن هذا النهج يسيء إلى المسلمين السُنة ويجرح مشاعرهم. تحققت الهيئة من الشكوي وخلصت إلى أن الشكوي حقيقية  فما كان منها إلا إن أصدرت إنذارا للقناة أما التوقف أو الإغلاق بمقتضي إذن قضائي. نعم  حتى في بريطانيا التي تفخر بعراقة ومصداقية أعلامها هناك حدود للحرية الإعلامية ما يجب وما لا يصح المسموح والخط الأحمر.  
ربما من الظلم البين أن نقارن ما يحدث في بريطانيا بما يحدث في مصر في المجال الإعلامي. ليس فقط لأن المحيط الإعلامي في بريطانيا اصبح ناضجا بما يكفي لأن يصوب نفسه. لكن لأن المشهد السياسي في مصر أصبح معقدا بما يكفي لأن يكون لكل طرف حسابات ومعادلات وتصفية حسابات وغالبا ما يكون الإعلام ورقة رابحة في هذه اللعبة السياسية ولو لمرحلة مؤقتة. 
 سوف يستمر التخبط الإعلامي وسوف تجدون الكثيرين  يتجرأون علي محاصرة الاستوديوهات والقنوات وإرهاب المذيعين والإعلاميين. وسوف يستمر الكثيرون ممن لا يفقهون في أبجديات الأعلام شيئا يتقمصون دور المذيعين ويمتطون صهوات الشاشات الفضائية. وهؤلاء لا أجد في نفسي أي رغبة حقيقة في أن أناقش ما ارتكبوا ويرتكبون لأنني ببساطة لا اعتبرهم إعلاميين أساسا. 
الحل في أن يجد الإعلاميون المصريون المحترمون الحقيقون أرضية واحدة يتفقون عليها. اسمها القواعد المهنية والحيادية. صحيح انه لا يوجد حياد في المطلق لكن يكفي شرف المحاولة. وعلي كل مكان أن يجد تلك الأرضية المشتركة حتي لا نفتح بابا للمزايدات والإعلام والإعلام المضاد. 

الاثنين، 22 أبريل 2013

مصر منورة بأهلها


مصر منورة باهلها
لا تكف مصر المحروسة عن تفجير بالونات الدهشة فى وجه أى شخص يتابع جنونها وتقلباتها وشطحاتها. ما أن يبتعد المرء عنها بضع أسابيع حتى يعود إليها فيجدها دولة غير الدولة وبلد غير البلد. 
وقد لا يلاحظ من يعيش فيها هذه التقلبات والشطحات كثيرا. لكن من يبتعد عنها قليلا يعيش صدمة حضارية فى كل مرة يعود فيها إليها.  وأضافت مصر بعد الثورة لجنونها وتقلبها وتغيرها الكثير من البهارات والنكهات والألوان. القليل منها يثير الإعجاب والبعض يثير الضحك والكثير يثير الأسى. فلا تعرف أين أنت من كل ذلك. 
سائق التاكسي في شوارع القاهرة يعتبر بالنسبة لى ترمومتر الحرارة لما يحدث في الشارع المصري. وأشعر بالفعل أنه يعكس ما يدور في قلب وعقل المواطن المصري دون فزلكة أو تحليلات سياسية أو شروح مطولة فى الاقتصاد. ولأنني أخاف دوما قيادة السيارات فى شوارع المحروسة ولا اجرؤ على مغامرات المواصلات العامة فاعتمد فى كل تنقلاتى علي التاكسي. 
في الصيف الماضي قال لى معظم سائقى التاكسي : "أنا اخترت الرئيس مرسي والاخوان المسلمين علشان بيعرفوا ربنا كفاية بقى فساد" عندما جئت إلى مصر في زيارة عمل فى شهر يناير تكررت على مسامعي من نفس الشريحة -شريحة سائقى التاكسي عبارة " أنا ما انتخبتش الاخوان ولا انتخبت مرسي". وفى زيارتي الأخيرة فى أوائل الشهر الجاري تبدل الحال من جديد وأصبحت العبارة الدارجة على لسان رفاق طريقى من سائقي التاكسي "أنا انتخبت اللواء شفيق" وزاد أحدهم عبارة "دا انا كنت رايح اهنيه" وقبل أن أغادر البلد بعد زيارة لم تدم أكثر من أسبوعين كان سائقو التاكسي يؤكدون لى : "عايزين مبارك يرجع أنا ح ابوس أيده يرجع" 
هذا عن تقلبات رجل الشارع المصري وتبدل آراءه من النقيض إلى النقيض. 
فى يوم واحد طالعت أربعة أخبار فى صحيفة واحدة جعلتني أضحك طويلا ( من الغلب ) وأقول لنفسي سبحان الله ! 
الخبر الاول أن القضاة يتنحون بالجملة عن محاكمة الرئيس المخلوع مبارك وأن هناك حيرة وتوترا بين القضاة خوفا من نظر القضية المتهم فيها. 
والخبر الثاني يقول إن الدفاع عن المتهمين فى قضية تهريب السجناء من سجن وادي النطرون أثناء ثورة ٢٥ يناير طلب من المحكمة استدعاء الرئيس الحالي محمد مرسي للاستماع إلى شهادته بصفته "مسجونا سابقا"!  ولسؤاله عن كيفية هروبه من السجن وكيف حصل على هاتف "الثريا" الذي تحدث من خلاله إلى قناة الجزيرة القطرية. 
أما الخبر الثالث فكان عن "تكريم" جامعة الأزهر الدكتور أسامة العبد رئيس الجامعة الذي أُقيل على خلفية تسمم آلاف الطلاب بالمدينة الجامعية ( أي والله) 
أما الخبر الرابع فكان عن وزير الاعلام صلاح عبد المقصود الذي وجهت اليه صحيفة شابة أثناء حديثه عن سؤالا يقول " أين هى حرية الاعلام والصحافة ؟" فما كان من الوزير اللامع أعزه الله إلا أن رد بالقول : "ابقي تعالى اقولك فين" ! 
لست مولعة بفكرة ماذا يمكن أن يكون أو ماذا يجب أن يحدث. لكننى مغرمة بقراءة الواقع حد الإدمان. ولا انشغل كثيرا بالدراسات الاجتماعية والجيوسياسية والمؤشرات الاقتصادية قدر انشغالي بما يقول البشر. 
والبشر فى بلادي اليوم -كما رأيتهم- يتخبطون كثيرا ولا يعرفون الصواب والخطأ. الناس تعبوا كثيرا ولم يعد لديهم قدرة على استيعاب ما يحدث. لم يعد لديهم الرغبة فى أن يحتملوا المزيد من التخبط والأخطاء المتكررة. لديهم خيبة إمل كبيرة فيما يحدث ولا يعرفون متى ينتهي هذا الكابوس ليس لديهم مانع حتى من أن يرتدوا من إجل لقمة العيش الثوب القديم الذى مزقوه فى حالة صحوة نادرة لا تتكرر إلا كل مائة سنة. 
لا يعرف الناس اليوم من المجرم ومن المظلوم. من السجين ومن السجّان .. لا يعرف الناس من يستحق العقاب ومن يستحق التكريم .. لا يعرف الناس اليوم هل يضحكون من الغباء إم من الوقاحة. 

الاثنين، 19 نوفمبر 2012

عن البنات والاتوبيس والوجع .......





بلهجتها الصعيدية الطفولية جلست تبحث في رأسها الذي يضج بالالم عن اسماء صاحبتها في أتوبيس المدرسة المنكوب في حادث أسيوط ....”نوران والبت فاطمة والبت أروي والبت داليا ..وفاطمة أنا ماعرفهاش بس كانت جنبنا “ ولما ُسألت بتحبي المدرسة؟ قالت لا أنا مش باحب المدرسة ...لكن المهم في المدرسة صحباتها.... تعليقاتها البريئة ...وردودها التلقائية   دقت ناقوسا في ذاكرتي ..واثارت وجعا في قلبي ...اعرف هذا الكلمة تماما سمعتها قبل سنوات وانا اعد سلسلة أذاعية بعنوان “مدرسة للبنات”  من “صفاء” ابنه منفلوط هي  الاخري ... اتذكر صفاء ليس لانها تقاسمني اسمي فحسب ولا لأنها كانت من منفلوط التي تعيش وجعا يدمي القلب ويقهر النفس  لكن لانني اتذكر الدهشة التي شعرت بها عندما جاءت “صفاء”المتفوقة بشهادة الميسرات في مدارس المجتمع ف -جاءت تحكي لي  في ثبات وهدوء عن السر في تسربها من المدرسة وغيابها سنوات طويلة عنها لتعود  فيما بعد ليس لصفوف المدراس الحكومية التي تحظر عودة البنات الي المدرسة بعد أن يتخطين سنا معينا ولكن لمدارس المجتمع التي اقامتها منظمة اليونيسيف بالتعاون مع الحكومة المصرية ..لا اعلم  إن كانت هذه المدارس واتذكر أنها كانت تجربة ناجحة للغاية في مكافحة التسرب المدرسي ـ لا اعلم إن كانت قائمة مازالت أم لا . لكنني  مازالت اتذكر كلمات صفاء : “ أنا رحت أول يوم المدرسة دي لقيت فيها ضرب ...وأنا مش باحب الضرب خالص ...ما حبيتش اروح المدرسة تاني” 
لم يكن عيبا في صفاء التي نجحت بعد ذلك بتفوق والتحقت بكلية الطب وربما تقرأ اليوم كلامي هذا ... كان الخطأ في البيئة المدرسية.. في منظومة القهر والضرب التي تكون في انتظار الطفل وهو يخطو خطواته الاولي نحو المدرسة ...فأما أن تكون علاقة ود وحب وأما أن تكون علاقة قهر ورعب ....لذا شعرت بالفاجعة  والصدمة من تصريحات وزير التعليم في احدي زياراته الميدانية لاحدي مدارس الغربية بأنه يؤيد سياسة الترهيب والترغيب ولا مانع عنده في “ ضرب التلاميذ شريطة ألا يكون ذلك مبرحا أو بالعصا” 
لا اعرف ما هي المنظومة التي افرزت هذه العقلية التي تقر الضرب وهي علي رأس هرم التربية والتعليم ؟ هل درس سيادته الاصول التربوية هل يقبل أن يتعرض ابنه او ابنته للضرب ؟ الا يعلم أنه يقنن بذلك انتهاكا لحق أصيل من حقوق الطفل ؟ 
لا ادري اذا كانت مدارس المجتمع مازالت تعمل في صعيد مصر أم لا ولا ادري هل بامكانها اليوم أن تنقذ” صفاء” واخواتها من مصير القلق والخوف من الضرب الذي اصبح مقننا بمن هو علي أعلي الهرم التربوي في مصر  أو رعبا من المدرسات اللاواتي يقمن بقص الشعر أو يأمرن التلاميذ بتلميع أحذيتهن ....
الصغيرة الناجية من كارثة القطار تحدثت ببراءة تقطع نياط القلوب عن  صاحباتها اللاواتي تعرفهن واحدة واحدة وتتلو اسمائهن بخجل فهي  لا تعرف ماذا ستقول لهن : مش عارفة ح اقولهم ايه” .....ولم نسي في غمار الحياة ماذا تعني صداقة الاطفال البريئة المنزهه عن كل غرض ...عليك أن تستمع الي هذه الصغيرة التي “ لا تحب المدرسة” فهي كالدواء المر بالنسبة لها لكن صاحباتها “ورفيقات الاتوبيس “ هي السكر الذي تضعه علي  الدواء حتي تستطيع أن تبتلعه ...وفي ثماني دول في العالم العربي طفت نجوعها وقراها وأن أعد هذه السلسلة التي اعتبر أنها علامة فارقة في حياتي المهنية والشخصية - كان هذا شعور البنات من اليمن الي سوريا الي المغرب ....”رفقة الصاحبات” هي التي تجعل البنت تحب المدرسة حتي لو كان فيها عوامل طرد أخري مثل الترهيب والضرب ..هذه البنية الراقدة تصارع الالام المبرحة لم تتذكر من المدرسة سوي الصاحبات والرفيقات وهي في الواقع مثلها مثل عشرات الالاف من بنات جيلها - ينحصر حبها للمدرسة في أنها تقدم لها فرصة لتلتقي بصديقاتها وتتعلق بهن لانها تعلم أنها طريقها للملاذ والحماية والحلم بالغد .....
هل ادركتم بعد فداحة ما ارتكبنا ؟ هل عرفتم أننا بالاهمال والتسيب  بعثرنا في لحظة علي قضبان السكك الحديدية  مع اشلاء هؤلاء الاطفال احلام  جيل ...خنقنا فيهم الامان ومواعيد الصحبة البريئة