Translate

‏إظهار الرسائل ذات التسميات من القلب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات من القلب. إظهار كافة الرسائل

السبت، 26 يوليو 2014

بئر الذكريات ...اصدار ثان



لا تجد رأسها اي راحة علي اي وضع. لا علي جانبي خديها الذي تسلمه للحشية التي قسا قلبها القطني فاصبح كالحجر ولا لرأسها الذي تطن في جنباته أزيز المروحة القديمة التي لا تطفق رئتيها سوي هواء يشبه فحيح الأفاعي.
تنظر للشباك المغلق وتعاود النظر الي الدولاب. طاقة الشباك ارتفعت في السقف فشعرت كأنها سجينة الغرفة. الباب المغلق يكرس لعزلة قلبها في البيت.
تحاول عبثا أن تغفو قليلا. استيقظت علي جلبة المنزل باكرا وترديدات محفوظة يلفظها أصحابها في وجهها كما يبصقون ... لا حياة ... لا مبالاة. تعلقت صغيرتها برقبتها تمنحها بعض الأمان اللحظي. تستمر الجلبة تكتم علي أنفاسها بعد قليل صمتٌ كصمت القبور ....
 لاذت كنتها بالغرفة الاثيرة في البيت المهدم  ...استحوذت عليها وأعلنتها ملكية خاصة لبعض ايام .. لا مجال للصراعات الأنثوية هنا .. كانت الغرفة دائماً لها باعتبارها المفضلة لكنها تدرك أنها لم تعد كذلك ...٠بالتأكيد لم تعد كذلك.
استسلمت لوضعها الجديد غير آبهة. لم يعد لديها بعد كل هذه السنوات رغبة في أن تترك انطباعا روادتها رغبة قوية أن تغرق في طي النسيان...
لكن بئر الذاكرة ينفتح علي مصراعيه ... ضفائرها المقعوصة بعناية بالشرائط الحمراء الجديدة والثوب الذي سهرت امها حتي الفجر كي تضع اللمسات الاخيرة عليه يقف امام عينيها في فجور معلقا علي باب الدولاب ... أعتصرتها حسرة علي غياب صاحبة الخاتم الوردي 

الجمعة، 18 أبريل 2014

حكايات الاسوانية .... الحقيقة والخيال في مذبحة الهلايلة والدابودية



حكايات الأسوانية الحقيقة والخيال في "مذبحة الهلايلة والدابودية" 

كان اكتشافا مذهلا ذلك الذي عايشته خلال الفترة الماضية.. لم أعرف أن شعور الأنسان بالألم على شئ يحبه ويعشقه يجعل من الصعب جدا عليه أن يكتب عنه. هذا ما حدث لي عندما قرأت وسمعت وشاهدت المشاهد البشعة التي دارت أحداثها في أسوان حاولت مرارا دون جدوي أن أكتب عما حدث حتي مجرد بوست على فيسبوك أو مائة وأربعين حرفا على توتير. لم استطع .. شئ ما بداخلي كان يرفض الاعتراف بأن هذا يحدث في الحقيقة كنت أشعر أن جزءا من براءة أيام طفولتي تنمحي بكل قسوة مع كل صورة ومع كل خبر يتحدث عن "مذبحة أسوان"
الكثير من الأصدقاء والأقارب والجيران لجأوا إلي كي أقدم لهم تفسيرا لما يحدث .. لكنهم عادوا خائبين فلم يكن لدي إجابة ولم يكن عندي تفسير لماذا تحولت مدينتي إلي ما يشبه ساحة الحرب لماذا أصبحت الجثث تارة ملقاة في الشوارع وأخري محمولة على عربات الكارو لماذا كل هذا الدم وهذا العنف في أسوان التي يعشقها كل من يأتي إليها ويشيد بطيبة أهلها؟  
ذهبت إلي أسوان ولم يكن في نيتي إجراء تحقيق صحفي لأنني متأكدة أنني سأنظر إلي موطني بشكل مختلف كنت أبحث عن الحقيقة في عيون أبناءها. قررت أن اترك جانبا كل ما قيل في الإعلام وما قيل على شبكات التواصل الإجتماعي لأن الكثير منها قيل من منطق النفخ في النيران من أجل أن "يبيع الخبر أكثر". على سبيل المثال قالت لي جارتي إنها سمعت في أحد البرامج التلفزيونية إن القتلي وصل عددهم "خمسين ألفا" فسألتها هي أسوان فيها كام ألف؟ ووصفت أحداهن على توتير ما يحدث بحرب داحس والغبراء ! وأصر الكثيرون من النشطاء على فيسبوك وتوتير أن النوبيين مقهورون ومغلوبون في الصراع. فيما دلل أنصار الصعايدة على أنهم المغلوبون في الصراع بدليل أن عدد الضحايا بينهم هو الأكبر.   
قررت أن أنحي كل ذلك جانبا وأنزل الشارع لأحدث للبشر كي أعرف الحقيقة لا الخرافة كلام الناس الحقيقيين بدلا من الجالسين في المكاتب المكيفة وفي مقاهي الانترنت. أجمعت آراء كل من ألتقيت بهم دون استثناء سواء من الصعايدة من الهلايلة أو النوبة من الدابودية على أن الخلاف بدأ بكلام طائش مسئ للجانبين كتب على جدران مدرستين متقابلتين ينعت بأوصاف بذيئة أبناء القبلتين. وأكد لي عم عبد الله النوبي ولديه خبرة في الخطوط أن الذي كتب العبارات من الجانبين "شخص واحد"وأن ذلك واضحا جليا من طريقته في كتابة الياء والألف. وأجمع الكل أيضا على أن العداء بين الجانبين مستعر منذ عام وسخر الجميع من مقولة أن الأخوان هم السبب فيما حدث. وأشار معظم من ألتقيت بهم إلي تقاعس أمني كبير في وقف شرارة النار حين اشتعلت كما تحدث البعض كيف أن السلطات قصدت " تأديب " الطرفين بعدم التدخل فيما تحجج بعض المسؤولين بإن التدخل الفوري دون دعم كان يمكن أن يقود إلي مذبحة لقوات الأمن التي كانت غير مجهزة. 
قال لي معظم من ألتقيت بهم - بمن فيهم الصعايدة- إن جماعة من الهلايلة ممن احترفوا الاجرام وتجارة المخدرات اعتادوا الاستقواء على الدابودية وعلى غيرهم وأنهم قتلوا بعضا من النائمين غدرا من النوبيين ومن بينهم سيدة نوبية وقاموا بنهب وسلب المنازل ومن يعرف طباع الصعايدة مثلي يدرك أنهم على كل مساوئ عادة الثأر التي مازالت موجودة لديهم لا يمكن أن يقتلوا نائما كما أن قتل النساء ثأرا يعد من المحرمات تقريبا في أعراف الصعيد. ولا يمكن أن يُقتل رجل عليه ثأر وبصحبته امرأة سواء كانت زوجته أو أمه أو شقيقته فهذا عار على من يرتكبه. 
هذه الحادثة كانت محورية في تأجيج ما كان يمكن أن يعد حادثا بسيطا. وجعل أهل النوبة يتكاتفون سويا مع الدابودية ويشنوا هجوما مضادا قتل فيه ما يصل إلي خمسين من الهلايلة. لم يسكت الهلايلة على ذلك وإنما ردوا بالثأر بقتل طبيب نوبي مشهود له بالخلق في محل عمله بصورة بشعة وتقطيع أوصاله. ومن يعرف عادات الثأر في الصعيد يعرف أن القبائل - مع الأسف الشديد- لا تعتمد مبدأ من قتل يقتل لكنهم ينتقون أفضل من في القبيلة الأخري كي يقتلوه ثأرا. 
على الطريق من كوم أمبو لأسوان فوجئت بشخص نوبي بملابس مدنية يقف بالقرب من أحدي نقاط التفتيش رافعا بندقية متأهبا وبعد ذلك بأيام كنت على الطريق من كوم أمبو لإدفو دخلت محل للموبايل لشراء كارت تلفون وفوجئت برجل يرتدي جلبابا رافعا سلاحه. مثل هذه المشاهد التي لم اعتد عليها ولم اراها في سنوات عمري التي قضيتها في أسوان أكدت لي بالدليل القاطع ما أجمع عليه الكل أن سلاحا كثيرا يغرق البلد مصدره ليبيا وأن قطعة السلاح التي كانت بعشرة ألاف جنيه أصبح سعرها اليوم ألفين من الجنيهات. وكل ذلك أغري الجميع بالتسابق على شراء السلاح خاصة في ظل انعدام الأمن. الجميع يعرف أن الكبار من رجال الصعيد يقتنون في العادة سلاحا حفظا للهيبة لكن المؤكد أن وجود السلاح اليوم بشكل كبير في يد المتهورين من صغار السن ساهم في تفاقم المشكلة. هذا إلي جانب الكثير من المشكلات التي يعاني منها الصعيد أصلا من ارتفاع كبير للبطالة وسيطرة الجماعات المتطرفة على المشهد الاجتماعي وتغذية النعرات الطائفية.   
كانت هناك حكاية وراء الحكاية ربما لم يعرفها الجالسون إلي أجهزة الكمبيوتر والسمارت فون علي شبكات التواصل الإجتماعي ولم يهتم بها الأعلاميون الذين كان كل همهم أن يضيفوا البهارات والأثارة لقصصهم ..ألا وهي الأثر الشرير نعم الشرير الذي أحدثته هذه الأزمة بأقوات الناس في أسوان التي تعتمد بشكل رئيسي على السياحة سواء الداخلية والخارجية. وبالطبع أضرت هذه الاخبار بالسياحة بشكل مهول في موسم من أهم المواسم السياحية . أنا من أشد المنحازين إلي طرح الحقائق كما هي لكنني في نفس الوقت ضد المبالغة والأثارة المبالغ فيها لتحقيق مكاسب وقتية وانتصارات وهمية. 
كان يمكن أن يكون هذا الموسم السياحي أفضل من سابقيه بقليل كان يمكن تطويق مستصغر الشرر الذي تحول إلي نيران تأكل الأخضر واليابس بقليل من الحكمة والسرعة في التعامل الأمني. كان يمكن للإعلام المصري أن يتعامل بقدر من المسؤولية بدلا من تحويل مشكلة يمكن أن تحدث في أي بلد وأو نجع من نجوع مصر دون أن تتحول إلي "مذبحة" و"حرب داحس والغبراء". كان يمكن للناشطين في مجال حقوق النوبة -التي انحاز إليها علي طول الخط-  ألا ينفخوا في النيران وألا يستغلوا هذا التوقيت لطرح قضايا عالقة من سنين لكن لا علاقة لها اساسا بما حدث مثل المطالبة بالتعويضات وحق احترام الخصوصية واللغة. كان يمكن لكل من شمر عن ساعديه للمشاركة في حرب الأثارة المؤسفة بهاشتاج مذبحة أسوان اعلى توتير أو بوست على فيسبوك أن يتروا قليلا ويعرفوا الحقائق كما هي. كان يمكن لكل هؤلاء أن يتحلوا بقدر من الحكمة ليعرفوا أن الجميع من أهل النوبة والصعيد على حد سواء سيخسرون في النهاية ويدفعوا ثمنا باهظا من أقواتهم وأرزاق أطفالهم ثمنا لهذه الحروب الوهمية علي شاشات التلفزيون وشبكات الانترنت. 
في رحاب معبد فيله الراقد في بهاء وروعة في أحضان النيل من آلاف السنين .. جلست أنا وأسرتي الصغيرة واحدة من ثمانية أشخاص لا غير نستمتع بالاستماع إلي رواية أزوريس الخالدة في عرض الصوت والضوء. جو أسطوري تحت سماء صافية وفي جو رائع وراقي لا تعرفه أغني بلاد العالم . لا أخفي عليكم شعرت بالحسرة تعصر قلبي الجواني علي التراب الأسواني وجدتني أسأل .. أسوان تبيع أجمل ما في الكون فمن يشتري ؟ 



الأحد، 2 فبراير 2014

بين الكفن والحذاء



غالبا ما أجد صعوبة في الحديث عن شؤون شخصية عندما اتحدث عن قضية ما .. ربما لأنني تربيت في مدرسة إعلامية تعتبر أن أظهار الجانب الشخصي من قضية ما يخل بمصداقية الطرح ويجعلك طرفا في القضية وبالتالي أفضل ما يفعله الصحفي والإعلامي أن يطرح القضية بتجرد ويحاول جاهدا أن يعطي الفرصة لكل طرف في أن يبدي وجهة نظره طالما أنه يفعل ذلك في حدود اللياقة وأنه لا يزيف الحقائق. 
لكنني بعد سنوات من العمل الإذاعي والصحفي تعلمت أيضا أن لكل قضية عادلة وجها انسانيا وأن الإنحياز للمبادئ ليس فيه ما يسيء أو يشين. وأن قول نصف الحقيقة أسوأ من الكذب. 
ولا يمكن أن يمر شهر يناير في كل عام دون أن أتذكر أن هذا الشهر المفعم بالبرد والمطر وهبني أكبر منحة يمكن لأنثي أن تحصل عليها.. منحة الأمومة.. كان يوما فارقا في حياتي كنت قبله إنسان وأصبحت بعده إنسان آخر. مخلوق بعثر الكثير وغير كل شئ في قلبي وعقلي وقناعاتي وقضاياي ومشاعري وأفكاري.. باختصار لم تعد الدنيا بالنسبة لي كما كانت. 
وتمر سنوات كثيرة في عمري ولا أنسي هذا اليوم بل وأتأمل كيف أضافت الأمومة لحياتي الكثير وجعلتني أكثر فهما للحياة وأكثر تعلقا بها كيف جعلت مني كيانا مختلفا يشعر أن له أمتداد في الكون. ولا أظن أنني اختلف كثيرا عن الأمهات في هذه المشاعر لكنني وجدت في أمومتي الهاما للدفاع عن حياة الأطفال وسعادتهم وحقهم في الحياة والتعليم والصحة… حقهم في أن يعيشوا دون خوف أو ألم. حقهم في أن نحميهم حتى من أهواءنا الشخصية ومبرراتنا. 
لذلك لم يكن من السهل على أن أري صورا التقطت في ميدان التحرير لأطفال يحملون فوق رؤوسهم أحذية عسكرية في أشارة على تأييد ذويهم للجيش وقادة الجيش وربما عرفانا بجميل يشعر أباءهم به. شعرت بكثير من الصدمة من هذا الاستغلال المسيء للأطفال في قضية لا تخصهم ولا تعنيهم وليست من عالمهم. بالضبط كما أصدرت مجلة سمير ـ هذه المجلة التي تربي عليها ملايين من جيلنا - قبل شهور عددا يحمل صورة سمير وهو يرتدي الزي العسكري. من الذي سمح بمثل هذا الاستغلال السيء لمجلة يفترض أنها تخاطب عقول الأطفال ؟ وعاد الى مخيلتي هذا المشهد المريع عندما شاهدنا حمل أطفال في عمر الزهور أكفانهم في اعتصام رابعة لجماعة الأخوان المسلمين. من أعطي الحق لهؤلاء أن يرتكبوا هذه الجريمة نعم الجريمة بحق هؤلاء الأطفال كيف لأم أن تجعل من ابنها أو ابنتها وقودا لحرب سياسية ؟ كنت اسأل نفسي 
اتذكر أن أول مرة شاهدت فيها أطفالا يرتدون الزي العسكري كانت تظاهرة لحركة حماس في استعراض للقوة ضد إسرائيل منذ سنوات طويلة. كان الكثيرون يرون في صورة الطفل بالزي العسكري شجاعة وبسالة وأن عصابة الرأس التي تحمل الشهادتين هي بالضرورة مبرر لأبيه وأمه علي عدالة القضية التي اقحموا أطفالهم فيها. وتكررت مثل هذه المشاهد مع الثورة السورية ولم يكتف الآباء والأمهات بالزي العسكري الذي أصبح "موضة قديمة" في استغلال الأطفال فجربوا تقنية أكثر فاعلية فرأينا أطفالا رضع في المهد وبجوارهم بنادق الكلاشنيكوف عوضا عن زجاجة الحليب واللعبة. 
والمثير للأسي أن يتناقل الناس هذه الصور علي أنها صور للشجاعة والبسالة وعدالة القضية. لكنها ليست كذلك ابدا ولن تكون وعدالة أي قضية أو زيفها لن تتعزز بمظهر طفل يحمل كفنه أو يضع حذاء عسكريا فوق رأسه. هذه المشاهد في الواقع لا تشير سوي لعقلية قاصرة تعتبر الطفل مثل الدمية آداة لتحقيق غرض وليس انسانا له مشاعره وشخصيته وعالمه. والأكثر من هذا أنها تزج بالطفل في قضية لا تعنيه ولا تخصه وتغامر بأمنه وسلامته البدنية وسلامة النفسي. ناهيك عن حملات التشويه العقلي التي يتعرض لها ليتبني أفكارا ومباديء ليست أفكاره وليست مبادئه ولا تتناسب مع عمره وتفكيره. اتركوا اولادكم بسلام اتركوهم في مدارسهم وملاعبهم. اتركوهم يشربوا الحليب ويلعبوا بالعروسة والعربية حتي لا نجد أحدهم يحمل يوما حزاما ناسفا ليقتل به دون أن يدري تماما كما فعلت فتاة أفغانية في العاشرة من عمرها ذلك قبل أيام. أولادكم ليسوا لكم أولادكم أبناء الحياة.  

الأحد، 17 نوفمبر 2013

الجالسة في القطار

الجالسة في القطار
جلست مطرقة ف صمت ...زمت شفتيها .. طلاء الشفاه فاقع اللون جعل شفتيها تبدو اكبر من حقيقتها.
جميع عضلات جسدها تئن من فرط التعب.  غطست ف الكرسي الضيق في عربة المترو الرمادية اتقاء للتلامس مع جارها مفتول العضلات الذي يحتل كرسيه ونصف كرسيها في تبجح.
سرحت في أضواء المصابيح الكاشفة التي تطل من السقوف كما لو كانت شموسا غبية لا تعرف موعد الشروق فجاءت الي سقف عربة مترو بالخطأ.
تبحث داخل بحر ذاكرتها السرمدي عن حبل سري يربطها بعالم الأضواء الاصطناعية وألوان اللوحات الإعلانية الذي يخنق بقسوة روحها الضائعة .
لا تعي تفاصيل الهمهمات المبهمة التي تخرج من أفواه الكتل البشرية الخانقة حولها.
محور تركيزها في صوت البوم الذي ينعق من آن لآخر يعلن نهاية فصل من عذاب رحلتها الأبدية في هذه العربة الصفيح وبداية فصل آخر.
تعرف المحطة التي عليها أن تنزل فيها ما برحت صديقتها توصيها بالاسم العجيب الذي فشلت في مقاربته باي شئ تعرفه تكرر في نفسها مرارا "كلاب هام جانكشن .. كلاب هام جانكشن"
يا الله  ألم يجدوا اسما أفضل من هذا.
لم يكن عليها في قريتها المختبئة وراء الزمن سوي أن تقفز في مؤخرة العربة الصغيرة المكشوفة تحشر نفسها بين رفيقاتها وتثرثر معهن بصوت يكسر خجل الشمس الوردية.
تظل العربة تفجعهن بحركة قافزة علي الطريق الترابي المطعم بأحجار عنيدة. يضحكن معا مرة ويصرخن في صبر الألم مرات.
كانت تنظر في نهاية كل رحلة ..الجائزة. يد سائق العربة الخشنة الممدودة إليهن إشارة النزول.
تنتهك صاحبة الصوت المشنوق في سقف عربة المترو أذنيها بعنف "ذيس اذ كلاب هام جنكشن" 

الأربعاء، 20 فبراير 2013

بنت الأبلة فكيهة



في سنوات عمري الصغير لم اقدر أبدا ولم افهم مغزي هذه المناداة. بالنسبة إلى كانت مجرد مناداة مجرد تسمية مثل اسمي "صفاء". كان جميع من حولي ينادوني "بنت الابلة فكيهة". 
 لم أجد غرابة أو حرجا أوحتي مجرد تساؤل يقفز إلى ذهني أو دلالات لهذه التسمية. تعاملت مع الاسم بشكل طبيعي واحيانا كثيرة بقدر من الفخر لان والدتي مدرسة في نفس مدرستي وفي سنوات تالية مفتشة في التربية والتعليم تراقب عمل المدرسين وتقيمهم وتقوم عملهم وفي بعض الأحيان كانت تدرس في الفصل فيتعلم التلاميذ والمدرسين في آن واحد. 
كل ما اذكره من هذه الكنية وقتها أن علي واجب إضافي أن أكون مثالا للانضباط ولا أقل من ذلك. ف "بنت الابلة فكيهة" ليس مسموحا لها أن تنسي الواجب أو الدفاتر أو الكتب مثلا. ناهيك عن إساءة التصرف أوحتي الشقاوة الطفولية. كان هذا حالي وحال أخوتي الخمسة:  "أولاد الابلة"  
بعد سنوات بدأت أدرك أشياء أخري في المحيط الذي أعيش فيه .. لم يكن مقبولا في بلدتي الصغيرة في أقصي صعيد مصر أن يُذكر اسم النساء علانية هكذا فهي أم فلان أو زوجة فلان واحيانا لا تنادي المرأة باسمها أبدا ولا يعرف لها اسم في غالب الأحوال الاسم اسم المرأة مسالة سرية للغاية .. ويشعر أي شخص تقريبا بالإهانة لمجرد أن يُسأل عن أسم والدته. وإن اضطر لذكر اسمها في مصلحة حكومية كان يهمس بالاسم. 
وبقي أسم أمي معلنا دون أدني حرج لنا ولها والاهم من ذلك لم يكن يزعج أبي قط يوما أن يُنادي علي زوجته باسمها وهو الذي تربي وعاش طوال حياته في اقاصي الصعيد. كانت أمي تختلف عن والدته التي كان يحبها حبا جما ولم اسمعه يوما يجادلها أو يرد لها طلبا. لكنه كان يدرك أن أمي من جيل مختلف تعلمت وعملت واختارت أن تكون بجواره لا خلفه. لم يطلب يوما من أمي أن تكون مثل جدتي. لم يشعر بالحرج أو الانزعاج أن يُنادي علي أطفاله باسم زوجته. وهو  مدير لمدرسة ثانوية في بلدة صغيرة وفوق ذلك يدير بعد الظهر عملا خاصا يحتم عليه الاختلاط بالناس من جميع الطبقات المتعلم والجاهل ..المتفتح والمنغلق ..البائع في الشارع والطبيب 
فى بعد تال كان لأمي معركة أخري ... هي معركة كل امرأة عاملة وأم. أن توفق بين متطلبات عملها وواجبات بيتها وأسرتها وللأمانة لا اعرف أبدا حتي يومنا هذا كيف فعلت ذلك في زمن لم يكن فيه "هوم ديلفري" ولا البقال بالتليفون ولا وجبات الميكروييف والخضار المجمد. ولم يكن الأسر والعائلات من الطبقة المتوسطة أمثالنا تعرف المطاعم سوي في الأعياد والعطلات الصيفية. لا أعرف كيف كانت تعمل ستة أيام في الأسبوع وتربي خمسة أطفال وتطهو بمعدل ثلاث أو اربع مرات في الأسبوع .. ولا أدري كيف كان في ثلاجتها كل يوم طبق حلو بعد الأكل المعتاد لزوجها واطفالها ومن يأتي فجأة لزيارتها من الاقارب والجيران. لا استطيع أن اتخيل كيف استطاعت أن تخيط ملابسنا الشتوية والصيفية ؟ كيف تمكنت ببراعة أن تعيش في حياة كل طفل من أطفالها الخمسة فهذا يريد أن يسافر في رحلة مدرسية وهذه ترغب في تعلم الانجليزية وتلك (أنا)  تريد أن تشارك  في جميع الحفلات المدرسية وكان عليها أن تخيط ملابس فريق الموسيقي وفريق المسرح. مجهود لا يقدر عليه فريق متكامل من الطباخين والخياطيين والمربيات. 
وفي بعد ثالث كان علي أمي أن تشق طريقها بثبات في مجتمع صعيدي ذكوري محافظ لا يعتد بقيمة المرأة وعمل المرأة. وكانت أمي "قاهرية" غريبة لم تكن ابنه ذلك الرجل أو أخت لآخر. لم يكن في يديها من سلاح سوي عملها وإخلاصها ودأبها.  لم اسمع أمي يوما تقول إنها ستترك العمل وتهرب من المسؤولية والإرهاق والتعب علي الرغم أن صحتها لم تكن يوما علي ما يرام. ظلت تعمل قرابة أربعين عاما أو أكثر من حياتها. دون كلل أو ملل وبقيت دائماً كما هو "المعلم الحق" تعلم كل من حولها وتنير لهم الطريق. أولادها أطفالها في المدرسة الأقارب والجيران. ف استحقت عن جدارة لقب "الأبلة فكيهة" 
أنا لا اكتب مرثية لأمي فهي في غني عنها اليوم وهي في ذمة خالقها .. أنا أكتب مرثية لجيل بأسره. لم تكن "الابلة فكيهة" وحدها. كانت هناك "أبلة نادية" و "أبلة ليلي" و "أبلة جوزفين" وكثيرات من جيل نساء عرفن قيمة العمل وعرفن قيمة خدمة المجتمع. نساء اكتسبن عن حق احترام كل من حولهن. أني أرثي هذا الجيل الفذ من النساء واللاواتي عرفن قيمة أنفسهن قبل أن يطلبن من المجتمع أن يعرف قيمتهن. جيل لم يكن مهووسا بما يجب أن يرتدي من ملابس أو في أي المساجد يصلي فكانت الحشمة تكفي والصلاة في البيت في وقتها تكفي . لم يكن لدي هذا الجيل من النساء وقت يضيعن أمام شاشات التلفزيون العامرة ممن يطلق عليهم زيفا مشايخ المهوسيين بجسد المرأة وفتنتها وعفتها وختانها ونصفها الأسفل باختصار. 
 لم يكن نساء هذا الجيل يقضين ساعات علي فيسبوك والانترنت في قراءة نصائح تافهة وغبية عن الطاعة العمياء للزوج والاستماع الي فتاوي إن كان يحل للبنت أن تجلس مع أبيها دون محرم.
أمهاتنا كن يقضين الوقت في تعليم أطفالهن والعناية بهن وتعويضهم بالاهتمام في ما تبقي من اليوم بعد العمل. لم يكنّ بحاجة لإظهار الطاعة وقسم الولاء للزوج. فقد تعاهدن مع شركاء حياتهن علي الوفاء في السراء والضراء علي بناء حياة سليمة واقعية وحقيقية وتربية الأبناء علي القيم وحب العلم والتفاني في العمل. كن هن أنفسهن أفضل معلم وأفضل مثال علي كل قيمة من تلك القيم 
طوبي "للابلة فكيهة ورفيقاتها" 

الخميس، 24 يناير 2013

سلام علي الشهداء الأحياء

كتبتها من سنة ....في عز ضرب الثوار في التحرير ...وح اكتبها تاني 

يعتصر الخجل روحي عندما احادثهم هاتفيا وأنا في مقعدي الدافئ الوثير ....اخجل من غربتي وقلة حيلتي وأنا اسمع اصواتهم الهادئة الواثقة وسط قنابل الغاز وطلقات الرصاص وضربات العصي .."اطمئني" ...."نحن بخير الحمد لله" ..."إن الله معنا" .يقولونها تباعا....هؤلاء الذين تركوا متاعهم القليل وحملوا اكفانهم وخرجوا من أجل حرية وكرامة الوطن ..فايقن أنهم ارتقوا عن منزلة البشر ...اصبحوا شهداء احياء ...
سلام عليكم ايها الشهداء الأحياء في التحرير