Translate

الجمعة، 14 مارس 2014

أخر الرجال المحترمين



توني بن …أخر الرجال المحترمين 
ربما لو ذكر اسم "توني بن" للبعض في العالم العربي يظنون أنك تقصد "توني بلير" رئيس الوزراء الاسبق وأنك أخطأت في اللفظ أو الكتابة. وقد يكون لهم بعض العذر في ذلك وقد يكون من سخريات القدر أن يتشارك توني بن وتوني بلير في الاسم الاول ويتشابه اسميهما الثاني. وشتان ما بين الاول والاخير. ومن المؤسف فعلا الا يعلم الناس في العالم العربي الكثير عن هذا الرجل العظيم الذي يعد بحق مثالا للسياسي المحترم إذا جاز في أي حال أن نصبغ صفة الاحترام علي العمل السياسي. 

قبل سنوات طويلة تم تكليفي بتغظية أعمال المؤتمر الانتخابي لحزب العمال المعارض.. كانت هذه طريقة مكان العمل في تقديم العاملين الجدد للانخراط في الحياة البريطانية ومتابعة الاصول والقواعد الانتخابية في البلد..وقد احسنوا صنعا. كان من المهم - كجزء من التغطية الاخبارية - أن استمع إلي جانب الحلقات النقاشية التي تتناول القضايا العربية واسعدني الحظ بحضور احداها وكان "توني بن" هذا السياسي اليساري المخضرم حاضرا ومحاضرا فيها. بعد حلقة النقاش تقدمت إليه بجرأة ساذجة وطلبت منه إجراء حوار معه بعد أن قدمت إليه نفسي وصفتي ومكان عملي فوافق دون تردد. بدا لي دمثا ودودا متواضعا وعالما بكل ما يدور في العالم العربي وقتها. اخجل الأن أن أقول أنني لم اكن قبل هذا اللقاء قد سمعت بالرجل. ولي بعض العذر تماما كما لقراء هذه السطور كل العذر في ألا يعرفوا قدر هذا الرجل العظيم الذي غيبه الموت منذ أيام . 
حينما عدت إلي مكان عملي وافصحت لمديري عن "المقابلة الاولي" التي أجريها في المكان ومع من كانت قال لي مندهشا وضاحكا "توني بن مرة واحدة يعني أول ما تشطحي تنطحي؟" كان من الواضح أنني حققت مقابلة جيدة وإن لم تكن نادرة فالرجل كان يحب الاعلام والكلام وكان خطيبا مفوها ويكفي أن يعلم قارئ هذه السطور أن هذا السياسي المخضرم الذي بقي تحت قبة مجلس العموم البريطاني خمسين عاما كاملة كتب مذكراته في ثمانية مجلدات نعم ثمانية مجلدات !! كما أنه ضمن خطبه في مجلدين حققا مبيعات قياسية. 
كان الرجل فخورا بولعه بالكلام والخطب السياسية والمقالات والمقابلات وكان يمازح الاعلاميين قائلا: :عندما اقابل الرب ساتقدم اليه بخطبة مؤلفة من خمسة عشر مليون كلمة ثم اسأله مارأيك فيما قلت ؟" وبقي يحب الكلام حتي أنه تحدث للناس حتي بعد موته فلم ينس توني بن أن يسجل رسالة صوتية لمدة دقيقة وأوصي أن تذاع بعد وفاته… وجه فيها الشكر لوالديه واولاده واحفاده واختص زوجته "كارولين" بشكر منفرد قائلا إنها رفيقة مشوار عمره على مدي خمسين عاما واختتم بالقول إنه يرجو إلا يكون قد سبب احراجا أو أذي لاي شخص لان من يشتغل بالسياسة عليه أن يكون صريحا وجارحا أحيانا. ولم ينس أن يمازح الناس بالقول إنه سيشاهد الرسالة من العالم الآخر. 
هذه الدقيقة التي تركها "توني بن" إرثا ربما لخصت حياته ومشواره وطريقته الخاصة اللاذعة ومزاحه الذي يتميز بنكهة إنجليزية خالصة
فتوني بن لم ينس أن يشكر عائلته الارستقراطية التي سبب لها خيبة أمل برفضه أن يحمل أيا من ألقابها المتوارثة وبرفضه أن يدخل مجلس اللوردات المخصص للطبقات الراقية في بريطانيا وفضل عوضا عن ذلك خوض غمار السياسة وأن يصبح نائبا منتخبا في البرلمان وعلي مدي خمسة عقود. 
ولم ينسن أن يشكر زوجته التي قال عنها في رقة وعذوبة : "اشعر أمامها بقلة الحيلة فأنا اعتمد عليها في كل شيء من التعليقات الذكية والصخب العقلاني الذي تثيره عندما نتناقش في خطبي وكتاباتي ومرورا بملابسي التي تقوم بشراءها وشعري الذي تقصه بنفسها وتتأكد أن مظهري لائق ومحترم قبل أن أخرج من باب البيت ومع ذلك تبدو كارولين نفسها جميلة الهندام ورائعة الطلة" 
لم ينس "توني بن" أن يقدم اعتذارا لاي شخص تسبب له في أذي فالرجل الذي دخل البرلمان وهو شاب لم يتجاوز الخامسة والعشرين لم يعرف المجاملة ولا المواربة يوما في مجال السياسة الذي يعد فيه الكذب والنفاق عملة رائجة جدا. 
لم يقل "توني بن" يوما ما لم يفعل ولم يفعل سوي ما يقول. فعندما أختار اليسار والاشتراكية والانحياز للفقراء لم يدخل مجلس اللوردات الذي كان يستحقه بالوراثة ولم يتنمي لحزب المحافظين الذي يناسب بالضرورة عائلته ومكانته الاجتماعية. أنما دخل مجلس العموم بالانتخاب المستحق ليصبح نائبا لامعا وزيرا وزعيما للكتلة الانتخابية لحزب العمال. 
لم يكن "توني بن" كذلك مجرد "بوق يساري" من أصحاب الكلام الرنان الاجوف بل كان صاحب مبدأ وموقف..  وكان الكثيرون من الساسة اللامعين وعلي رأسهم مارجريت ثاتشر وتوني بلير يحسبون له ألف حساب. وعندما بغت وطغت ثاتشر السيدة الحديدية كان لها بالمرصاد. وفي حربها الشهيرة مع عمال المناجم الذين أضربوا عن العمل عامين كاملين وقف في وجهها ووقف في صفهم . 
وحين قرر "توني بلير" خوض الحرب علي العراق وقف له بالمرصاد وسيذكر التاريخ على الدوام الخطاب الشهير الذي ألقاه في مجلس العموم الذي أدان فيه توني بلير زعيم حزب العمال الحاكم حيث اتهمه صراحة بالانقلاب على مبادئ حزب العمال وبالتواطئ مع اليمين الأمريكي متمثلا في الرئيس السابق جورج بوش الابن وديك تشيني للاطاحة بنظام صدام حسين بدون وجه حق واشعال حرب لا يعرف أحد مداها. 
وحينما انتصر توني بلير بالاعيبه واقنع ببراهين كاذبة البرلمان بأن صدام حسين لديه أسلحة للدمار الشامل وحصل على ما يريد من تأييد البرلمان للحرب على العراق.  نزل "توني بن" مثل أي مواطن بريطاني محترم الشارع وشارك الالاف في تظاهرات "أوقفوا الحرب" التي كانت تخرج كل أسبوع احتجاجا علي الحرب الوشيكة علي العراق. هذه المظاهرات التي كانت تزداد قوة كل يوم سبت من كل اسبوع. إلي أن وصل عدد من شاركوا في هذا الطقس الاسبوعي في الاسبوع الاخير قبل الحرب علي العراق الي رقم لم تشهده بريطانيا في تاريخها الحديث …اربعة ملايين من البريطانيين يصرخون جميعا في قلب لندن يصرخ "لا للحرب". وانذر "توني بن" نفسه لقضية نزع السلاح النووي وكان من أكثر المؤيدين لنزع السلاح من طرف واحد وهو الامل الذي لم يتحقق ابدا. 
بقي توني بن السياسي المخضرم في قلب القضايا التي تهم بلده التي كان يري أنها يجب أن تبقي ضمير العالم لما لها من ارث ثقافي وتاريخي لكن عينه كانت علي القضايا الدولية وكان من اشد المعادين للسياسات الاستطانية الاسرائيلية ولحائط العزل وبقي مدافعا مخلصا عن القضية الفلسطينية التي كان يؤمن بأن محنة شعبها تسببت فيها السياسة البريطانية وبقي دوما يذكر بالفخر كيف أن برلمان ويستمنستر الذي كان عضوا فيه وقتها أوقف جنون الحكومة البريطانية إبان العدوان الثلاثي علي مصر عام ستة وخمسين. ويؤمن أن النزاهة السياسية هي الطريق الوحيد لمستقبل أفضل لبريطانيا وصورتها أمام العالم. 
ظل "توني بن" مخلصا لمبادئه وتقاليده الاشتراكية يسير في الشارع كما يسير العامة ويخاطب الناس ويركب معهم المترو يمازحهم بنكاته اللاذعة ولم يعزل نفسه يوما عن الذين انتخبوه نائبا عنهم علي مدي خمسين عاما كاملة وعندما تقاعد عن العمل البرلماني عام ألفين وواحد قال بسخرية " أريد أن اتفرغ قليلا للسياسة"
كان مارقا لاذعا ساخرا صاخبا … كان آخر الرجال المحترمين    

الأحد، 2 فبراير 2014

بين الكفن والحذاء



غالبا ما أجد صعوبة في الحديث عن شؤون شخصية عندما اتحدث عن قضية ما .. ربما لأنني تربيت في مدرسة إعلامية تعتبر أن أظهار الجانب الشخصي من قضية ما يخل بمصداقية الطرح ويجعلك طرفا في القضية وبالتالي أفضل ما يفعله الصحفي والإعلامي أن يطرح القضية بتجرد ويحاول جاهدا أن يعطي الفرصة لكل طرف في أن يبدي وجهة نظره طالما أنه يفعل ذلك في حدود اللياقة وأنه لا يزيف الحقائق. 
لكنني بعد سنوات من العمل الإذاعي والصحفي تعلمت أيضا أن لكل قضية عادلة وجها انسانيا وأن الإنحياز للمبادئ ليس فيه ما يسيء أو يشين. وأن قول نصف الحقيقة أسوأ من الكذب. 
ولا يمكن أن يمر شهر يناير في كل عام دون أن أتذكر أن هذا الشهر المفعم بالبرد والمطر وهبني أكبر منحة يمكن لأنثي أن تحصل عليها.. منحة الأمومة.. كان يوما فارقا في حياتي كنت قبله إنسان وأصبحت بعده إنسان آخر. مخلوق بعثر الكثير وغير كل شئ في قلبي وعقلي وقناعاتي وقضاياي ومشاعري وأفكاري.. باختصار لم تعد الدنيا بالنسبة لي كما كانت. 
وتمر سنوات كثيرة في عمري ولا أنسي هذا اليوم بل وأتأمل كيف أضافت الأمومة لحياتي الكثير وجعلتني أكثر فهما للحياة وأكثر تعلقا بها كيف جعلت مني كيانا مختلفا يشعر أن له أمتداد في الكون. ولا أظن أنني اختلف كثيرا عن الأمهات في هذه المشاعر لكنني وجدت في أمومتي الهاما للدفاع عن حياة الأطفال وسعادتهم وحقهم في الحياة والتعليم والصحة… حقهم في أن يعيشوا دون خوف أو ألم. حقهم في أن نحميهم حتى من أهواءنا الشخصية ومبرراتنا. 
لذلك لم يكن من السهل على أن أري صورا التقطت في ميدان التحرير لأطفال يحملون فوق رؤوسهم أحذية عسكرية في أشارة على تأييد ذويهم للجيش وقادة الجيش وربما عرفانا بجميل يشعر أباءهم به. شعرت بكثير من الصدمة من هذا الاستغلال المسيء للأطفال في قضية لا تخصهم ولا تعنيهم وليست من عالمهم. بالضبط كما أصدرت مجلة سمير ـ هذه المجلة التي تربي عليها ملايين من جيلنا - قبل شهور عددا يحمل صورة سمير وهو يرتدي الزي العسكري. من الذي سمح بمثل هذا الاستغلال السيء لمجلة يفترض أنها تخاطب عقول الأطفال ؟ وعاد الى مخيلتي هذا المشهد المريع عندما شاهدنا حمل أطفال في عمر الزهور أكفانهم في اعتصام رابعة لجماعة الأخوان المسلمين. من أعطي الحق لهؤلاء أن يرتكبوا هذه الجريمة نعم الجريمة بحق هؤلاء الأطفال كيف لأم أن تجعل من ابنها أو ابنتها وقودا لحرب سياسية ؟ كنت اسأل نفسي 
اتذكر أن أول مرة شاهدت فيها أطفالا يرتدون الزي العسكري كانت تظاهرة لحركة حماس في استعراض للقوة ضد إسرائيل منذ سنوات طويلة. كان الكثيرون يرون في صورة الطفل بالزي العسكري شجاعة وبسالة وأن عصابة الرأس التي تحمل الشهادتين هي بالضرورة مبرر لأبيه وأمه علي عدالة القضية التي اقحموا أطفالهم فيها. وتكررت مثل هذه المشاهد مع الثورة السورية ولم يكتف الآباء والأمهات بالزي العسكري الذي أصبح "موضة قديمة" في استغلال الأطفال فجربوا تقنية أكثر فاعلية فرأينا أطفالا رضع في المهد وبجوارهم بنادق الكلاشنيكوف عوضا عن زجاجة الحليب واللعبة. 
والمثير للأسي أن يتناقل الناس هذه الصور علي أنها صور للشجاعة والبسالة وعدالة القضية. لكنها ليست كذلك ابدا ولن تكون وعدالة أي قضية أو زيفها لن تتعزز بمظهر طفل يحمل كفنه أو يضع حذاء عسكريا فوق رأسه. هذه المشاهد في الواقع لا تشير سوي لعقلية قاصرة تعتبر الطفل مثل الدمية آداة لتحقيق غرض وليس انسانا له مشاعره وشخصيته وعالمه. والأكثر من هذا أنها تزج بالطفل في قضية لا تعنيه ولا تخصه وتغامر بأمنه وسلامته البدنية وسلامة النفسي. ناهيك عن حملات التشويه العقلي التي يتعرض لها ليتبني أفكارا ومباديء ليست أفكاره وليست مبادئه ولا تتناسب مع عمره وتفكيره. اتركوا اولادكم بسلام اتركوهم في مدارسهم وملاعبهم. اتركوهم يشربوا الحليب ويلعبوا بالعروسة والعربية حتي لا نجد أحدهم يحمل يوما حزاما ناسفا ليقتل به دون أن يدري تماما كما فعلت فتاة أفغانية في العاشرة من عمرها ذلك قبل أيام. أولادكم ليسوا لكم أولادكم أبناء الحياة.  

الجمعة، 27 ديسمبر 2013

اللورد ليڤيسون والصغيرة ميلي ...لماذا أنهي ميثاق ملكي ثلاثمائة عام من حرية الصحافة البريطانية

في سرية تامة تقارب تلك التي تحيط بالأسرار النووية وخلف الأسوار العالية والأبواب المغلقة في قصر باكنغهام اجتمع خمسة من كبار وزراء الحكومة البريطانية لتوقيع "ميثاق ملكي" لتنظيم عمل الصحافة وذلك للمرة الأولي منذ 300 عام.. نعم صحيح ما قرأتم فالمرة الأولي منذ عام 1695 تعرف صاحبة الجلالة الصحافة البريطانية قانونا يحاسبها ويراقبها ويعاقبها .. في بادرة نادرة تحالف زعماء أكبر ثلاثة أحزاب على الساحة السياسية - حزب المحافظين ممثلا في رئيس الوزراء ديفيد كاميرون وشريكه في الائتلاف الحكومي نيك كليغ وغريمهما زعيم حزب العمال إد ميليباند - تحالف الجميع ومعهم رأس الدولة الملكة إليزاليث وقرروا أن الوقت قد حان لوضع "رقابة ما على السلطة الرابعة".
لم تكن المعركة سهلة ومازالت رحاها تدور في أروقة المحاكم حتى الساعة. فلم يكن بالإمكان أن يستسلم أباطرة الصحافة البريطانية الذين يفاخرون بحريتهم وتقاليدهم العريقة بسهولة بوضع سيف على رقابهم. وحتي اللحظات الأخيرة من دخول نائب رئيس الوزراء نيك كليغ ومعه الوزراء الأربعة لمقابلة الملكة كان أصحاب الصحف ومالكيها يحاولون وقف التوقيع على" الميثاق الملكي" عن طريق القضاء لكنهم فشلوا. قضي الأمر ووافق البرلمان على معاقبة الصحف التي لا تشارك في النظام الجديد من خلال دفع تعويضات استثنائية تصل إلي مليون جنيه استرليني.
لكن الجدل مازال قائما وأباطرة الصحافة لم يرفعوا الراية البيضاء. هاجموا بشراسة في كل ما تحت أيديهم من صحف وأوراق وبرامج تلفزيونية وإذاعية الميثاق الملكي والهيئة الرقابية الجديدة حتي قبل أن تري النور. فكيف يقبل من تمتع بالحريات ثلاثة قرون بجهاز رقابي يملي عليهم أرادة فيما يتناولون ويقولون. وتحالفت معهم الجمعيات المدافعة عن حرية التعبير وهاجمت الميثاق والهيئة الرقابية. وأدانت جمعية الصحافة البريطانية هذه الهيئة التي تتمتع بنفوذ واسع القرار وقالت إن التنظيم الجديد سيضع عبئا يشل عمل الف ومائة صحيفة تمثلها الجمعية.

 
اللافت للنظر أن حتي الانتساب إلي هذه الهيئة الرقابية يبقي اختياريا. لكن الصحف التي ترفض الانضواء تحت لوائها ستعرض نفسها لدفع تعويضات كبيرة عن الأضرار إذا ما تعرضت لملاحقات قضائية. ويؤكد الزعماء السياسيون أن الهيئة الجديدة ستحول دون حدوث مخالفات وأنها جاءت تجسيدا لإرادة تحقيق قضائي مستقل قام به اللورد ليفيسون وقدمه خلاصة تحقيقاته التي تمتعت بصلاحيات لا حدود لها في تقرير وصل إلى ألفي صفحة بالتمام والكمال..
فما هي حكاية لورد ليڤيسون وماهي حكاية تقريره الذي سيرسم مستقبل الإعلام البريطاني في السنوات القادمة ؟
بدأت الحكاية بهاتف نقال .... نعم هاتف نقال ترجع ملكيته لفتاة مراهقة.
تقرير صحفي كشف قيام بعض المحررين في صحيفة "نيوز أوف ذا ورلد" الأسبوعي ذائعة الصيت بالتلاعب بالهاتف النقال لفتاة تدعي "ميلي دولر" وقاموا بمسح رسائل مسجلة عليه .. كانت "ميلي " قد اختفت من منزلها وقيام المحررين (بمساعدة بعض عمال الأمن في شركة الهاتف) بمسح الرسائل أعطي أملا زائفا لأهلها وللشرطة في أنها مازالت علي قيد الحياة وفي الحقيقة أنها قُتلت بعد وقت قصير جدا من أختفاءها وتم العثور علي جثتها بعد ذلك بشهور.
كان هذا أول خيط كشفته عنه صحيفة "الغارديان" في يونيو عام 2011 توالت بعده الاحداث ولم تتوقف حتي الساعة ".
تتابعت خيوط "المؤامرة " لتغزل وتنسج بيتا مثل بيت العنكبوت أسود .. قاتم .. مخزي .. وقاتل…  
قائمة الضحايا التي بدأت باسم فتاة اسمها "ميلي" اتسعت وتوسعت لتضم الممثلة الشهيرة انجلينا جولي وبراد بيت واريكسون المدير السابق لمنتخب انجلترا ووين روني نجم فريق مانشستر يوناتيد ووالد اللاعب الشهير ديفيد بكهام وأحد أعضاء العائلة المالكة الذي لم يذكر اسمه لاسباب قضائية بسبب صغر سنه وغيرهم
كثيرين .
الكشف عن تنصت محرري "نيوز أوف ذا ورلد" علي هاتف الفتاة "ميلي دولر" التي تم العثور علي جثتها قتيلة عام 2002 أدي بعد أسابيع قليلة من تكشف الفضيحة إلي إغلاق الصحيفة الشهيرة "نيوز أوف ذا ورلد " بعد مرور 168 عاما علي صدورها .
لم يكن حدثا عاديا او عرضيا أن تُغلق صحيفة بريطانية ذائعة الصيت أبوابها بعد مرور 168 عاما عليها . لم يحتاج الأمر لحصار مقر الجريدة ... لم يخرج أحد عليهم بالسيوف والجنازير وقنابل المولوتوف . لم تغلق الصحيفة أبوابها بأمر قضائي ولا بأمر من رئيس الحكومة ولا بأمر من جلالتها ....ولكنها توارت خزيا وخجلا من أن بعضا من محرريها تلصصوا علي هاتف نقال لمراهقة من عامة الشعب.
إخلال مخزى بالمهنية والمصداقية قامت علي إثره الشركات المعلنة بسحب تعاقدها مع الصحيفة وطالب بعده السياسيون بضرورة التحقيق في قضية التلصص وأخلاقيات الإعلام .
ظلت النيران التي اشتعلت بعود ثقاب تأكل في طريقها الأخضر واليابس في أمبراطورية الملياردير الأسترالي الشهير روبرت مردوخ. لتطال في نهاية المطاف ربيبته وابنته الأثيرة "ربيكا بروكس" التي أجبرها "الخزي " علي الاستقالة بصفتها مسؤولة التحرير في الصحيفة. وقدم مردوخ لأهل "ميلي" مليونين من الجنيهات الاسترلينية تعويضا لهما عن الألم الذي تسبب فيه محرروه بالاعتقاد خطأ أن ابنتهما مازالت علي قيد الحياة. خرج مردوخ نفسه ليعلن آسفه واعتذاره لوالدي "ميلي" ولأي شخص تألم أو تضرر من التجسس الذي ارتكبه الصحفيون الذين يعملوا لديه. ونُشرت اعتذارات مدفوعة الأجر في جميع الصحف ودفع مردوخ مجددا ملايين الجنيهات لقاء تسويات مع الضحايا حتي لا يقاضونه.
لكن ذلك لم يكف ف "ربيكا بروكس" كانت أيضا صديقة مقربة لرئيس الوزراء ديفيد كاميرون وقيل أنهما في مرحلة ما من تاريخ علاقتهما الوثيقة تبادلا ما يزيد علي ثلاثين رسالة نصية في يوم واحد علي هواتفهما.
وليس ذلك فحسب لكن "أندي كولسون" الذي كان مستشارا إعلاميا ل "كاميرون" وقت كشف الفضيحة كان يعمل مديرا للتحرير في الصحيفة المنكوبة..
فهل غض "كاميرون" الطرف علي ما يحدث في امبراطورية مردوخ من فساد وإفساد لحياة العامة من الناس في مقابل تأييد الصحف التي يديرها مردوخ -وهي كُثر- لحزب المحافظين وزعيمهم "كاميرون" هل كان هذا هو ثمن الدخول إلى عشرة داوننغ ستريت ؟
أسئلة صعبة بدأت تغلي في أروقة البرلمان في ويستمنستر ويزداد موقف رئيس الوزراء حرجا كل يوم. لم يتجاهل كاميرون ما يحدث حوله ويتصرف كأن شيئا لم يكن.
ولم يكن بوسعه في النهاية سوى أن يخضع للضغوط ليبرأ ساحته. أُجبر كاميرون علي أن يكلف اللورد "بريان ليڤيسون" وهو قاض رفيع المستوي بإجراء استجواب مهني واسع النطاق بالتوازي مع التحقيقات الجنائية.
كان علي لورد ليڤيسون أن يجري تحقيقا في ثقافة وممارسات وأخلاقيات الإعلام وأن يبحث تحديدا في العلاقة بين الصحافة والشرطة -التي ارتكبت مخالفات بغض الطرف - وعامة الناس وإصدار توصيات حول مستقبل الصحافة وتنظيم العمل الصحفي.
علي مدي سنة كاملة حقق لورد ليڤيسون وفحص مئات وآلاف الأوراق والأدلة والبراهين .. استمع إلى شهادات وشكاوي من كل من كان له علاقة أو يظن أن له علاقة بهذه الفضيحة التي سُميت "مردوخ غيت" .
وقد مَثل "كاميرون" - نفسه- أمام لجنة اللورد ليڤيسون في إطار هذه التحقيقات وأذيعت الجلسات علي الهواء مباشرة كي يري الناس كيف يتعلثم "كاميرون" أمام القاضي ويحكموا بأنفسهم إن كان قد ارتكب أخطاء فادحة بعلاقته الحميمية مع روبرت مردوخ وربيبته ربيكا بروكس وبتعيين مستشار إعلامي ( آندي كولسون ) ليس اهلا للثقة اتضح فيما بعد تورطه في ارتكاب جريمة تلصص علي الهواتف النقالة لاثنين من وزراء الداخلية السابقين وهما تشارلز كلارك وديفيد بلانكت.
لم يكن المشهد سعيدا بكل تأكيد. فالصحافة البريطانية كانت دوما تتفاخر بأن لها من القواعد المهنية والتحريرية ما يجعلها بحق سلطة رابعة في البلاد ..وعلي مدي سبعين عاما لم تشهد أروقة صاحبة الجلالة سوي سبعة تحقيقات فقط بهذا النمط.
نال تقرير لورد ليڤيسون من مصداقية الصحافة البريطانية الكثير وخرجت من تحت يديه مثخنة بالجراح. والرجل لم يتراجع عن مهمته لم يهتم ولم تأخذه شفقة ولا رحمة كان مثل الجراح الذي بين يديه مريض يعاني من ورم سرطاني متوغل ... فساد .. رشوة موظفين عموميين تنصت علي هواتف الناس وعرقلة سير العدالة وتجاهل حقوق الأفراد وخصوصياتهم من أجل الحصول علي قصة مثيرة.
لكن التقرير برأ "كاميرون " من تهمة المتاجرة بالنفوذ السياسي من أجل الحصول علي دعم مردوخ وإمبراطورية الإعلامية بعد أن لقنه درسا لن ينساه بضرورة التعامل من الصحافة من بعيد ودون الخوض في علاقات مقربة من أروقة الصحافة.
لم تنته مهمة قاضي الاستئنافصاحب الصيت اللامع عند هذا الحد. فالعلاج الممتد من أبجديات العمل الجاد لم يقتنع لورد ليڤيسون بما يسمي بالرقابة الذاتية التي تمارسها المؤسسات الصحفية. فأوصي بوضع "قانون منظم" للعمل الصحفي وهيئة تكبح جماح الطموح المرضي لبعض الصحفيين وجنون صاحبة الجلالة. فجاء باقتراح الميثاق الملكي وهيئة الرقابة المستقلة.
كلفوا الرجل بالمهمة وأتمها هو علي خير وجه وألقي بالكرة في ملاعبهم. وكان عليهم أن يختاروا ... صحافة حرة طليقة لا يقف أمامها شيء حتي حدود خصوصيات البشر والتلاعب بحياتهم الخاصة أو صحافة مقيدة مرتجفة اليد لا تقوي علي الانتقاد والإشارة إلى مواطن الخلل.
لن ينتهي الجدل بصدور الميثاق الملكي وتشكيل الهيئة الرقابية ولن يتراجع أباطرة الصحافة البريطانية عما أعتزموه. فلماذا يتحمل الجميع وزر قلة قليلة اخطأت وتقف اليوم أمام القضاء الجهة الوحيدة التي لها الحق في أن تحاسب من أخطأ وأجرم.
لا يوجد أسود وأبيض ولا حلول جاهزة .الحل في النقاش المجتمعي الذي يشارك فيه الجميع. فهكذا تبني الديمقراطيات العريقة دولة المؤسسات.
ضغوط ومطالب تمارسها سلطة التشريع الممثلة للشعب علي سلطة التنفيذ التي تتصرف بمسؤولية  فتكلف بدورها سلطة القضاء حتي يعلم الجميع من المخطئ ومن المصيب. ... وكل ذلك من أجل احترام "ميلي" رمز المواطن حتى وإن كان غادر دنينا الي الحياة الأخرى.
   

الأحد، 22 ديسمبر 2013

المتشددون يغزون مقاعد الدراسة في بريطانيا




كيف تسلل المتشددون إلى أروقة الجامعات البريطانية وأجبروا النساء علي الجلوس في المقاعد الخلفية 

من الصعب أن يتخيل القارئ في العالم العربي أن تثير قضية الفصل بين الجنسين الجدل في بلد مثل بريطانيا. فالكثيرون في العالم العربي يعتقدون أن مثل هذا القضايا لم تعد موجودة أصلا في الغرب وهناك من يظن أن الاختلاط في الجامعات الاوروبية مباح على الغارب حتي في غرف نوم المدن الجامعية وهو تصور مغلوط برمته. فالجامعات البريطانية تحكمها ضوابط صارمة في الكثير من مناحي الحياة الجامعية ومقاعد الدراسة وبالتأكيد في المدن الجامعية ومن يخرج عن هذه القواعد لا يسلم من المُسألة ولا يأمن من العقاب. 
غير أن الجدل الدائر في الجامعات البريطانية الآن والذي وصل إلى أعتاب داوننج ستريت وأستدعي تصريحا قويا من رئيس الوزراء "ديفيد كاميرون" أوضح فيه بجلاء أن لديه رأي ثابت في قضية الفصل بين الجنسين في مقاعد الدراسة الجامعية وأنه ليس من المقبول أن يملي أي متحدث في منتدي جامعي إرادته علي الحياة الجامعية التي تتمتع بتقاليد راسخة في حرية التعبير وخاصة في المؤسسات التعليمية.   
لم يكن التصريح الذي جاء من أكبر المؤسسات التنفيذية في البلاد الاول في القضية ولم يكن الأخير أيضا بل جاء ليفتح فيضا من التعليقات والتصريحات في الدوائر الجامعية وخارجها تراوحت ما بين الدهشة والاستغراب ومرورا بالشجب والاستنكار وانتهاءا بالتظاهر خارج المباني الجامعية بلافتات تندد ب  "الفصل العنصري القائم علي أساس الجنس"
كان من الممكن لأي رئيس حكومة غربية أن يفلت بهذا التصريح ويسمع الكثير من المديح أو حتي التأييد والموافقة على ما يقول. لكن بريطانيا صاحبة التقاليد العتيدة دائما ما تعود إلي القوانين والقواعد. فالقوانين لم تُسن لتُخرق ولم تُوضع كي تُنتهك إنما هي الفيصل في النزاعات والخلافات كبيرة كانت أم صغيرة.  والقوانين تشير إلى أن من حق المؤسسات الجامعية أن تطبق "طواعية" الفصل بين الجنسين في بعض المناسبات داخل الحرم الجامعي كما أكدت "نيكولا دانريدج" الرئيسة التنفيذية للجامعات البريطانية. والتي أصرت علي أن الجامعات يجب ألا تفرض مبدأ الفصل فرضا قسيرا لكنها يمكن أن تسمح بالفصل إذا ما ابدي المشاركون في ندوة أو تدريب ما رغبة في ذلك. 
لكن القوانين والقواعد الجامعية ليست هي الحاضرة في هذا الجدل فحسب فمن يعرف المجتمع البريطاني حق المعرفة يعلم تمام العلم أن الفصل بين الجنسين مبدأ ثابت وأصيل في كثير من المؤسسات الجامعية والمدرسية أيضا. وأنا شخصيا أتذكر عندما كنت أقوم باختيار مدرسة لابنتي فوجئت بأن غالبية المدارس التي تتمتع بسمعة جيدة في المجال الاكاديمي والتربوي مدارس منفصلة ونفس الحال بالنسبة للاولاد. فكثير من التربويين في بريطانيا يؤمنون بأن الفصل بين الاولاد والبنات في المراحل الدراسية الاولي يعود بالفائدة على الأطفال ذكورا كانوا أما أناثا.  كما أن هناك العديد من الكليات النسوية في بريطانيا التي تتمتع بسمعة أكاديمية ممتازة لكن ذلك راجع الي التقاليد البريطانية العتيقة التي كانت تحرم البنات فيما مضي من قسط وافر من التعليم فتحولت هذه المؤسسات التعليمية إلى مراكز تنوير ودعوة لمنح الفتاة قسطا عادلا من التعليم يناهز أقرانها من الذكور. 
كان من الممكن أن يبقي الجدل والنقاش في أروقة الجامعات والمدارس وبين ضفاف الدراسات التربوية والنسوية إذا ما جاء الحديث عن الفصل في المقاعد الجامعية في سياقه الطبيعي لكنه لم يكن كذلك.  
كانت البداية مع تقرير أصدرته مؤخرا هيئة تطلق علي نفسها اسم "حقوق الطالب" اشار إلى أن مايزيد على ربع الزيارات الأكاديمية التي يقوم بها متحدثون "إسلاميون" إلى الجامعات البريطانية ينتج عنها فصل بين الفتيات والشباب في أروقة الجامعة. 
تلقفت بعد ذلك الصحف ذات التوجهات اليمينية مثل ديلي ميل الموضوع ونشرت صورا لندوة استضافتها جامعة ليستر في فبراير الماضي تحت عنوان "دورة تدريبية على الدعوة الإسلامية" ظهر فيها القاعة وقد احتل الرجال المقاعد الامامية فيما تُركت المقاعد الخلفية للنساء. نشر الصورة التي لا تختلف كثيرا عن مقاعد الدراسة في القاهرة أو بني غازي أو حتي صنعاء أثار الكثير من الاستهجان: فكيف تُجبر المرأة في بريطانيا البلد صاحب التقاليد العريقة في الحفاظ على حرية الرأي والتعبير والتي تنادي بالمساواة - على الجلوس في المقاعد الخلفية وأين ؟ في قاعة دراسية في أحد أكبر الجامعات البريطانية؟ 
 تحت ضغط الهجوم في الصحافة البريطانية اضطر المتحدث في هذه الندوة بعينها"سليم شاغاتي" الذي ينتمي إلى هيئة تطلق على نفسها "الاكاديمية الاسلامية للتعليم والبحث" في الدفاع عما بدا في الصورة من تميز ضد المرأة وقال إن النساء المسلمات اللاواتي حضرن الندوة كان من الممكن لهن الشكوي إذا ما كن قد شعرن بأن ظلما قد لحق بهن. مضيفا أنه لابد وأن الصورة التقطت في بداية الندوة قبل امتلاء القاعة بالنساء.
لم يقف دفاع "شاغاتي" عند هذا الحد فقد احتمي بدوره بالقوانين والقواعد مشيرا إلى أن منظمي الندوة استشاروا لجنة حقوق الانسان للحريات والمساواة التي (أي اللجنة) أفادت بأن ما قامت به الندوة من فصل بين النساء والرجال في إطار القانون طالما تم توفير منطقة بها مقاعد مختلطة لمن يرغب في ذلك ( وهو ما لم يحدث واقعيا بالطبع ). ولم يقف "سليم شاغاتي" عند هذا الحد بل قال إن على ديفيد كاميرون أن يقوم باداء "فروضه المدرسية" واستذكار القواعد الخاصة بهذه الموضوع بدلا من أن يحاول التربح مشكلة غير موجودة أصلا".
لكن هذا الدفاع من الهيئة المسماة "الاكاديمية الاسلامية للتعليم والبحث" لم يمنع الكثير من اللغط حولها حيث تم منع الأكاديمية من إدارة نقاش تحت عنوان " هل هناك رب؟ " كان من المفترض أن تستضيفه كلية لندن. وطلبت فيه أيضا الفصل في المقاعد بين الجنسين. غير أن نفس الاكاديمية التي قيل إن عددا من أعضائها يتبنون طرحا متشددا خاصة فيما يتعلق باوضاع المرأة تم السماح لأحد أعضائها مجددا بدخول جامعة ليستر لكن أحدي الصور لمدخل القاعة التي استضافت الندوة والتي اظهرت بوضوح ضرورة دخول "الأخوة" من جانب و" الأخوات" من جانب أخر أثارت الكثير من اللغط وأجبرت إدارة الجامعة على التأكيد على عدم تكرار هذا النهج في الفصل بين الجنسين والتحقيق مع "الجماعة الأسلامية" أحدي الجامعات الطلابية في حرم الجامعة والتي تفاخر بتطبيق مبدأ الفصل بين الجنسين. 
لم يفلح دعاة الفصل بين النساء والرجال في مقاعد الدارسة الجامعية في التمترس طويلا وراء القواعد التي جعلتهم يستخدمون المبادئ التي وضعت من أجل حرية التعبير لغرض الحد من حرية التعبير. ولم يفلحوا كذلك في اقناع مناؤيهم بأن هذا القاعدة تستخدم لاسباب عقائدية وهو ما تحرص عليه الهيئة العليا للجامعات البريطانية كمبدأ أصيل. 
فبعد أن قالت الهيئة العليا للجامعات الشهر الماضي إن الجماعات الدينية الاصولية ( والتي تضم في هذه الحالة المجتمعات المسلمة) من حقها أن تمارس الفصل بين الجنسين في الندوات والاجتماعات العامة التي تعقد في أروقة الجامعة. عادت - تحت الضغط السياسي والاعلامي - لتعلن أنها ستقوم بالعمل مع لجنة حقوق الانسان للمساواة بغرض مراجعة القواعد الخاصة بالفصل بين الجنسين والعمل على تعديلها حتي لا تكون مجحفة بأي صورة من الصور للمرأة. 
وزاد ديفيد كاميرون في التأكيد علي أنه متمسك بكل ما اعلنه في هذا الشأن لكنه أكد في نفس الوقت علي أن هذا الموقف الرافض للفصل بين الجنسين في أروقة الجامعة لا ينسحب بأي حال من الأحوال على دور العبادة ولا يقصد به أي إساءة لمعتقد. وتبعه تصريحات من عدد من الساسة المعروفين بتأييدهم للمجتمع المتعدد الثقافات مثل "جاك سترو" القطب الكبير في حزب العمال المعارض والبروفيسير طارق رمضان أستاذ الاسلام الحديث في جامعة اكسفورد الذي أكد على أن لا يوجد نص قرآني أو حديث شريف يلزم بالفصل بين الجنسين في مقاعد الدارسة.  ووسائل الأعلام لم تتوقف عند تذكرة الناس بالمدرسة الإسلامية التي فرضت على البنات الجلوس في المقاعد الخلفية وسمحت للولاد فقط بالجلوس في المقاعد الأمامية. 
لم ولن ينتهي الجدل في هذه القضية عند هذا الحد فمن يرغبون في فرض الفصل بين الجنسين ووضع المرأة في الصفوف الخلفية يستغلون مناخ التعددية الثقافية التي تباهي به بريطانيا كثير من الدول الأوروبية ويلعبون بقواعد حرية الرأي والعقيدة لصالح التميز ضد المرأة. لكن لن يبقي الأمر طويلا كي يكتشف المدافعون عن الحريات أن الأمر لا يعدو كونه "حق أريد به باطل"



الأحد، 17 نوفمبر 2013

الجالسة في القطار

الجالسة في القطار
جلست مطرقة ف صمت ...زمت شفتيها .. طلاء الشفاه فاقع اللون جعل شفتيها تبدو اكبر من حقيقتها.
جميع عضلات جسدها تئن من فرط التعب.  غطست ف الكرسي الضيق في عربة المترو الرمادية اتقاء للتلامس مع جارها مفتول العضلات الذي يحتل كرسيه ونصف كرسيها في تبجح.
سرحت في أضواء المصابيح الكاشفة التي تطل من السقوف كما لو كانت شموسا غبية لا تعرف موعد الشروق فجاءت الي سقف عربة مترو بالخطأ.
تبحث داخل بحر ذاكرتها السرمدي عن حبل سري يربطها بعالم الأضواء الاصطناعية وألوان اللوحات الإعلانية الذي يخنق بقسوة روحها الضائعة .
لا تعي تفاصيل الهمهمات المبهمة التي تخرج من أفواه الكتل البشرية الخانقة حولها.
محور تركيزها في صوت البوم الذي ينعق من آن لآخر يعلن نهاية فصل من عذاب رحلتها الأبدية في هذه العربة الصفيح وبداية فصل آخر.
تعرف المحطة التي عليها أن تنزل فيها ما برحت صديقتها توصيها بالاسم العجيب الذي فشلت في مقاربته باي شئ تعرفه تكرر في نفسها مرارا "كلاب هام جانكشن .. كلاب هام جانكشن"
يا الله  ألم يجدوا اسما أفضل من هذا.
لم يكن عليها في قريتها المختبئة وراء الزمن سوي أن تقفز في مؤخرة العربة الصغيرة المكشوفة تحشر نفسها بين رفيقاتها وتثرثر معهن بصوت يكسر خجل الشمس الوردية.
تظل العربة تفجعهن بحركة قافزة علي الطريق الترابي المطعم بأحجار عنيدة. يضحكن معا مرة ويصرخن في صبر الألم مرات.
كانت تنظر في نهاية كل رحلة ..الجائزة. يد سائق العربة الخشنة الممدودة إليهن إشارة النزول.
تنتهك صاحبة الصوت المشنوق في سقف عربة المترو أذنيها بعنف "ذيس اذ كلاب هام جنكشن" 

الجمعة، 15 نوفمبر 2013

ليلي والذئاب


ليلي والذئاب ..
لعنة الختان تلاحق الفتيات في الغرب

لم يفهم المارة في أحد مراكز التسوق المزدحمة في لندن لماذا انهارت "ليلى حسين" الشابة الصومالية الجميلة باكية والحسرة تعتصر قلبها. وقفت وفي يديها بعض الاوراق التي تثبت أن ما تركته وراءها في بلادها من إرث ثقيل يلاحقها مثل الكابوس في هذه البلاد البعيدة.
وقفت "ليلى" في هذا الصباح أمام المرآة وارتدت ثوبا فضفاضا بالوان تضاهي ألوان الشمس واعتمرت على رأسها شالا إفريقيا أنيقا. بحثت في داخلها على حفنة من الشجاعة كي تواجه الحقيقة كما هي دون أي رتوش. لكن التجربة اثبتت لها أن الحقيقة ابشع بكثير مما تصورت ومما تحتمل.
جاءت "ليلى" في الصباح إلي أحد مراكز التسوق وفي يديها أوراق إلتماس زائف تطالب المارة بالتوقيع عليه تأييدا لختان الاناث في بريطانيا باعتبار أنه جزء من الثقافة والتقاليد الصومالية والاسلامية. لم تغرق كثيرا في التفاصيل لكنها كررت علي مسامعهم كلمة "بتر" لتؤكد علي حقيقة ما تنطوي عليه هذه العملية. جاوبها المارة بالقول "نعم.. نعم".
في خلال نصف ساعة فقط تمكنت "ليلى" من الحصول على تسعة عشر توقيعا علي إلتماس يؤيد عملية ختان الإناث باعتبارها جزءا من الثقافة الصومالية الاسلامية. شخص واحد فقط رفض التوقيع وعدد بسيط من الموقعين كتبوا تعليقا بجوار التوقيع قالوا فيه إنهم يدركون أن هذه العملية خطأ لكنهم يؤيدونها طالما أنها جزء من الثقافة الاصلية التي تنتمي اليها "ليلى".
انهارت "ليلى" لم تستطع اكمال هذه التجربة الغريبة. كيف يمكن لأي شخص أن يؤيد "بتر" جزء حساس من جسد طفلة لمجرد مزاعم بأنه جزء من الثقافة الاصلية لعرق أو دين ما ؟ عايشت ليلى البالغة من العمر اثنين وثلاثين عاما بنفسها عندما كانت طفلة تجربة التعرض للانتهاك الجسدي وتروي في وثائقي للقناة الرابعة في التلفزيون البريطاني كيف أن أربع نساء قمن بأجراء عملية الختان لها عندما كانت في السابعة .. "كنت واعية تماماً لما يحدث" تروي ليلى في ألم " كنت أشعر بكل قطع وحشي انتهك جسدي ظللت أصرخ من فرط الألم حتى اسودت الدنيا في عيناي وفقدت وعيي". أسست "ليلى" قبل أعوام جمعية "بنات حواء" في محاولة منها للتعريف بمخاطر هذه العادة المدمرة لحياة الفتيات لكنها تشعر أن جهودها في ملاحقة المسؤولين عن تلك الممارسة في بريطانيا غير مجدية.
وعلي الرغم من أن القانون البريطاني جرّم ختان الإناث منذ عام الف وتسعمائة وخمسة وثمانين مازالت الأرقام والإحصائيات تؤكد أن مثل هذه العمليات تجري في بريطانيا. وتشير الإحصائيات من المستشفيات والمراكز الطبية إلي أن حوالي ستة وستين ألف امرأة في بريطانيا أُجريت لهن عملية الختان ومعظم الضحايا ينتمين للأسر المهاجرة من الصومال ومصر والسنغال والسودان. وتتكشف معظم هذه الحالات لدي معاودة المراكز الطبية من مضاعفات الختان مثل بلل الفراش ومشكلات الدورة الشهرية والولادات المتعسرة ناهيك عن المشكلات الجنسية التي غالبا ما تحجم النساء من هذه العرقيات عن ذكرها.
خلال سنوات طويلة من العمل في برامج المرأة روي لي عدد من أطباء أمراض النساء والتوليد العرب الذين يعيشون ويعملون في بريطانيا كيف يواجهون حالات نساء اجريت لهن عملية الختان تسبب لهم صدمة في غرف التوليد أو لدي الكشف عليهن أثناء الحمل والولادة وكيف أن الجهاز التناسلي الخارجي بأكمله يكون مبتورا في حالات ما يسمي بالختان الفرعوني الرائج لدي الأسر الصومالية والسودانية. لكن تظل هذه الحالات مسكوتا عنها. فلا يوجد ما يلزم الأطباء والقابلات العاملين في بريطانيا بالابلاغ عن هذه الحالات.

ولا يقتصر الأمر على النساء اللاواتي جئن كمهاجرات إلى بريطانيا وأجريت لهن عملية الختان في بلدانهن الأصلية لكن الأمر أصبح يتهدد الجيل الثاني من الفتيات والبنات اللاواتي يولدن في أسر مصرية أو سودانية أو صومالية. ويقدر تقرير رسمي قام باعداده مجموعة من أخصائي الصحة في انجلترا وويلز من أن نحو اربعة وعشرين الف فتاة وطفلة يعشن في بريطانيا قد تجري لهن عملية ختان سواء داخل بريطانيا أو في بلدانهن الأصلية التي ينتمي إليها أسرهن. حيث لا توجد هيئة رقابية حكومية لملاحقة من يروجون لهذه الممارسة.
وتقول "جانيت فايل" الاستشارية لدى الكلية الملكية البريطانية للقابلات إنه لا توجد هيئة حكومية تلاحق مرتكبي هذه الجريمة. وتطالب "جانيت فايل" باعتبار الختان نوع من الإساءة "الاجرامية" للبنات يعاقب المسؤولون عنها بمقتضي القانون كما تطالب المستشارة "فايل" التي تعرض هذا الأسبوع التقرير الخاص بختان الأناث في بريطانيا أمام البرلمان البريطاني بإلزام العاملين في القطاع الصحي بالإبلاغ عن أي حالة أي فتاة تجري لها عملية ختان أو حتى الفتيات اللاواتي قد يكن عرضة لمثل هذه العملية. والذهاب الي ابعد من ذلك وانتهاج سياسة توعية بمخاطر الختان الصحية وآثارها النفسية والجسدية على البنات كتلك الحملة لمواجهة مرض الإيدز.
لكن الطريق ليس ممهدا أو سهلا.  وأكبر عقبة أمام وقف هذه الممارسة في بلد يدعي أنه صاحب أعرق الديمقراطيات فى العالم يكمن في الديقمراطية نفسها التي تخشي ما يسمي ب "الحساسية العرقية والدينية". فبريطانيا التي تضم اليوم مهاجرين من كل الأعراق والتي أصبح الدين الإسلامي فيها قبل عامين الديانة الثانية بعد المسيحية حيث يقارب عدد المسلمين ثلاثة ملايين نسمة - تخشى ما قد ينظر اليه علي أنه تدخل من الدولة في شأن عرقي أو إسلامي.
وإلي أن يدرك القائمون علي هذه السياسات أن ختان الإناث ليس من الأسلام في شيء وأنه جريمة لا تغتفر تحت أي مسمي عرقي أو ثقافي ستبقي الذئاب تلاحق ليلى.

  

الأحد، 3 نوفمبر 2013

أنا "مالالا يوسف"


لا يخيب الغرب أبدا سوء ظني فيه عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع قضايانا .. أقصد قضايا العالم العربي والأسلامي. فهو أما مغيب عنها أو يتعامل معها بمنطق المصلحة المباشرة وحينما يهتم بها يكون ذلك تعاملا سطحيا يكاد يرقي الي درجة " العبط". وأحيانا بل كثيرا ما أشك في أنه يتعمد التعامل بهذا الشكل إما استسهالا أو لنقص في الادراك والفهم أو الاثنين معا. 
لا يغرق كثير من المعلقين الغربيين أنفسهم في تفاصيل المشهد العربي والاسلامي مهما كانت حيوية ومهمة. وغالبا من يكون انتقائيا في التفاصيل التي يتعامل معها مكتفيا بالتفاصيل التي تريحه وتريح ضميره أو تظهره بمظهر إنساني يتواءم مع ما يدعي أنها مبادئ يؤمن بها حتي لم كان ذلك على حساب القضية الاصلية. 
ولا أجد هنا للتدليل على "سوء ظني" بالغرب أكثر من قضية الفتاة الباكستانية "مالالا يوسف ضيا" التي نجت من محاولة اغتيال علي يد حركة طالبان باكستان. وكان مسلحون ينتمون الي طالبان قد أطلقوا الرصاص العام الماضي علي "مالالا" البالغة الأن من العمر ستة عشر عاما وهي في طريقها الي المدرسة في وادي سوات في مشهد درامي بالغ التأثير . الكثيرون يعلمون القصة وقرأوا عنها وتابع الملايين علي شاشات التلفزيون في العالم بأسره بقلوب لاهثة عملية نقل "مالالا" من باكستان الي لندن لتلقي العلاج في أكبر المستشفيات البريطانية وكتب عشرات الكتاب والمعلقين عن شجاعة الفتاة التي وقفت في وجه حركة طالبان وكادت أن تدفع حياتها ثمنا لدفاعها عن حق الفتيات والنساء في التعليم وهو الأمر الذي تنكره وتبغضه حركة طالبان الأفغانية. 
بعد أن تلقت "مالالا" الكثير من المديح والاهتمام الذي هي أهل له وبعد أن تماثلت للشفاء في مستشفي الملكة اليزالبث في مقاطعة برمنجهام منحت هي وأسرتها بيتا وملجأ في بريطانيا وفرصة لتكمل تعليمها. 
يبدو كل هذا عاديا ومستحقا لفتاة أثبتت شجاعة نادرة في قضية حيوية هي قضية تعليم البنات. لكن الامر لم يتوقف عند هذا الحد فاصبحت "مالالا" ضيفة علي عشرات البرامج والتوك شو وخطيبة أمام الامم المتحدة في عيد ميلادها ومتحدثة في جمع من ألف شخص تتقدمهم الملكة اليزابيث في جامعة أدنبرة حيث تم منحها درجة الماجيستر الفخرية ومنحت جائزة من معهد كارنيجي الامريكي ووضعتها مجلة تايم الامريكية في قائمة أكثر مائة شخصية مؤثرة في العالم واستقبلها الرئيس الامريكي باراك أوباما وزوجته ميشيل في البيت الابيض كما تم ترشيحها لنيل جائزة نوبل للسلام. 
وأخيرا ظهر في المكتبات البريطانية نسخة من سيرتها الذاتية.. نعم سيرة ذاتية تحمل أسم " أنا مالالا يوسف ضيا" واعذروني هنا اتوقف قليلا كي اتسأل كيف يمكن أن يكون لفتاة في السادسة عشرة من عمرها سيرة ذاتية ؟ ما هو الانجاز الذي تمكنت من تحقيقه خلال ست عشرة سنة قضت نصفهم رضيعة وفي الحضانة وفي سنوات المدرسة الاولي ؟ 
غضب الكثيرون من عدم منح جائزة نوبل للسلام واعتبروا أن الجائزة مسيسة لأنها لم تمنح لمالالا .. وهي كذلك بالفعل. لكن ليس لانها لم تمنح لمالالا ولكن لانها منحت لمنظمة الاسلحة الكيميائية قبل أن تقوم بأي انجاز اساسا. افهم أن تمنح مثل هذه الجوائز لشخص مثل نيسلون مانديلا قضي عمره يدافع عن الحريات في بلده وقد افهم أن يكتب أوباما سيرته الذاتية لانه أول رئيس من أصول أفريقية يرأس الولايات المتحدة ولكن ما الذي فعلته مالالا في ستة عشر عاما ليتم ترشيحها لجائزة نوبل للسلام؟ ما هو الانجاز الذي يمكن لمراهقة في سني عمرها أن تحققه؟ 
أرجوكم توقفوا قليلا قبل أن تتهمونني بأني أقلل من قيمة هذه الفتاة التي تتحلي بشجاعة نادرة. علي العكس أنا أجلها واحترمها واعتقد أنها مثال رائع للفتيات والنساء والدفاع عن حق أصيل هو الحق في التعليم الذي قضيت أنا شخصيا نصف حياتي المهنية في الدفاع عنه. ولكنني أتوقف أمام الغرب الذي يلتقط نماذج معينة لوضعها في مصاف النجوم ويغرق في الحفاوة بها دون النظر أو الاكتراث بالصورة الكاملة. 
فلماذا لم يتحدث أحد عن رفيقات مالالا اللواتي يتعرضن كل يوم للقمع علي يد المتشددين في حركة طالبان وغيرها؟ لماذا لا تنقذهن طائرة مجهزة للعلاج من رصاصات غادرة تودي بحياتهن وتنقلهن للعيش في بريطانيا؟ لماذا لا يقفن أمام العالم ليتحدثن عن شجاعتهن في مواجهة الأرهاب؟ 
لماذا لا يتحدث الغرب عن هؤلاء الفتيات اللاواتي بلا هوية ولا اسم ؟ لماذا لا يتحدث عن عشرات الأبرياء الذين يقتلون بدون ذنب كل يوم في طلعات الطائرات الامريكية بدون طيار ؟ لماذا لا يري الغرب وجوه هؤلاء ؟ وما الذي فعله لمساعدة الحكومة الباكستانية لاستئصال شأفة الأرهاب بالتنمية البشرية والاستثمار الايجابي في الاقتصاد وليس في صفقات السلاح. 
نموذج "مالالا" يذكرني بنموذج الشابة اليمنية "توكل كرمان" التي اختيرت كي تنال جائزة نوبل للسلام العام الماضي. "توكل كرمان" خرجت في مظاهرات مثل عشرات بل مئات اليمنيات مجهولات الهوية وراء نقاب يطالبن بالعدالة والحرية. واثبتت بالفعل شجاعة نادرة في الوقوف أمام الظلم والديكتاتورية والفساد وضربت مثالا رائعا للفتيات اليمنيات اللاواتي يتحلين بشجاعة ورباطة جأش وجمال الروح والاعتزاز بالنفس حتي وإن كن يرتدين نقاب أوحجاب. 
ولا أخفيكم سرا أنني استبشرت خيرا بأن العالم التفت أخيرا لبلد اسمه اليمن تمزقه الصراعات القبلية والحروب الخفية للجماعات المسلحة والصراع بين السنة والشيعة في الجنوب ناهيك عن المشكلات المجتمعية الجمة التي يعاني منها هذا البلد الذي يرزح تحت وطأة الفقر والقهر والمرض وغياب الحريات. 
كنت انتظر من "توكل كرمان" التي التقيتها منذ سنوات في اليمن وهي صحفية شابة ثائرة-  أن تشمر عن ساعديها وتمد يديها التي اكتسبت قوة وصلابة باختيارها لنيل جائزة عالمية مرموقة فاصبحت مسموعة الكلمة في المحافل الدولية. كنت انتظر منها أن تتحدث عن معاناة المرأة اليمنية التي تحرم من التعليم في سن صغيرة وتجبر علي الزواج غير متكافئ فيما يعرف بظاهرة عرائس الموت. كنت اتمني أن تخوض حربا لتغير القوانين اليمنية لرفع سن الزواج. كنت انتظر منها أن تتحدث عن معدلات الوفيات للمرأة عند الولادة وهي الاعلي علي مستوي العالم بأسره. كنت انتظر أن تخوض توكل كرمان معركة "القات" الذي ينهب قوت الأسرة اليمنية. وقضايا كثيرة لابد وأنها تعرفها حق المعرفة وهي التي كانت تعمل في مهنة الصحافة ولابد أنها عايشت ذلك سنوات عمرها اكثر بكثير من صحفية مثلي زارت البلد مرتين فحسب. 
لكنها عوضا عن ذلك خاضت وتخوض كل يوم "حربا تويترية" دفاعا عن الاخوان وعن الرئيس المصري المعزول محمد مرسي وتهاجم عشية وضحاها الجيش المصري والفريق عبد الفتاح السيسي. والحقيقة أنني لا انكر علي أحد أن يتحدث في شؤون أي دولة أخري بما يشاء وأن يناصر ويساند أي طرف ويوجه انتقادات لمن يرغب ولكنني في الوقت نفسه لا أفهم كيف يتجاهل نفس الشخص قضايا بلده ومعاناة أبناء بلده. 
كنت اتمني بدلا من أن يجعل الغرب من "مالالا" رمزا أن يستثمر في قطاع التعليم للفتيات كنت اتمني من "مالالا" أن تعود الي وادي سوات كشهيدة حية تمشي علي قدمين وتطالب بلدها وحكومتها بافتتاح مدرسة بل سلسلة مدارس باسمها. كنت اتمني أن تشن "توكل كرمان" حملة لتغير القوانين المجحفة بحق المرأة اليمنية وتحاول أن ترفع الظلم عن بنات جلدتها بدلا من الدخول في معترك استقطاب سياسي في بلد أخر لن ينتهي في المنظور القريب.
أنا لا احب أن العب دور "عواجيز الفرح" الذي يحلو لهن أفساد أي بهجة. وسعادتي بوجود نماذج من قبيل مالالا وتوكل على الساحة الدولية كبيرة ولكن السؤال ماذا بعد ؟ ماذا بعد اغلفة المجلات العالمية وكتب السيرة الذاتية؟ ماذا بعد جائزة نوبل ودرجة الماجيستير الفخرية؟ هل سيتذكر العالم الغربي أن هناك نساء سوي توكل وفتيات غير مالالا ؟ أم إنه كتب علي هؤلاء النسوة أن يعانين في صمت ويقضين نحبهن في الظلام ويدفن في مقابر بلا شاهد ؟