Translate

الأحد، 15 سبتمبر 2013

بئر الذكريات


لا تجد رأسها اي راحة علي اي وضع. لا علي جانبي خديها الذي تسلمه للحشية التي قسا قلبها القطني فاصبح كالحجر ولا لرأسها الذي تطن في جنباته أزيز المروحة القديمة التي لا تطفق رئتيها سوي هواء يشبه فحيح الأفاعي.
تنظر للشباك المغلق وتعاود النظر الي الدولاب. طاقة الشباك ارتفعت في السقف فشعرت كأنها سجينة الغرفة. الباب المغلق يكرس لعزلة قلبها في البيت.
تحاول عبثا أن تغفو قليلا. استيقظت علي جلبة المنزل باكرا وترديدات محفوظة يلفظها أصحابها في وجهها كما يبصقون ... لا حياة ... لا مبالاة. تعلقت صغيرتها برقبتها تمنحها بعض الأمان اللحظي. تستمر الجلبة تكتم علي أنفاسها بعد قليل صمتٌ كصمت القبور ....
لكن بئر الذاكرة ينفتح علي مصراعيه ... ضفائرها المقعوصة بعناية بالشرائط الحمراء الجديدة والثوب الذي سهرت امها حتي الفجر كي تضع اللمسات الاخيرة عليه يقف امام عينيها في فجور معلقا علي باب الدولاب ... آه أعتصرتها حسرة علي غياب صاحبة الخاتم الوردي.... فاض بئر الذاكرة بدموع ساخنة 

الثلاثاء، 3 سبتمبر 2013

شبح "كيلي" وانتصار الأكاذيب

 "ديفيد كيلي" قفز في ذهني الاسم فجأة مثل الشخصيات الأسطورية وأنا أتابع تفاصيل تفاعل الغرب مع تطورات الأزمة السورية وما قيل عن استخدام الاسلحة الكيميائية في ريف دمشق. ولمن لا يعرف "ديفيد كيلي" فلهم العذر فالرجل لم يرد اسمه في الأخبار سوي مرات قليلة تعد علي الأصابع لكنها - في رأيي -  كافية كي يحفر اسمه في ذاكرة الكثيرين وكافية لكي يعود الاسم ليلاحق الكثيرين في صحوهم ويقض مضاجهم بالليل  مثل الأشباح . 
"ديفيد كيلي" لمن لم تسعفه ذاكرته هو مفتش الاسلحة البريطاني الذي سرب (علي الأرجح) معلومات الي هيئة الاذاعة البريطانية BBC تفيد بأن مسؤولين في الحكومة البريطانية تلاعبوا بأدلة امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل لتبرير غزو العراق.
بدأ الجدل بتقرير اعتيادي  لمراسل BBC أندرو غيليغان يؤكد أن "مصدرا كبيرا" في المخابرات ابلغه أن الحكومة البريطانية آنذاك بزعامة "توني بلير" تلاعبت بمعلومات استخباراتية بشأن العراق. قامت الدنيا ولم تقعد بعد ذلك التقرير الذي لم يستغرق اذاعته على الهواء أكثر من دقيقتين اثنتين.    
لم تهدأ الزوبعة واتخذت ردود الفعل تتوالي وتتصاعد. ومارس "بلير" شخصيا ضغوطا غير مسبوقة علي BBC وعلى مراسلها للكشف عن المصدر ... هذا المصدر الذي فضحه وفضح كذبه أمام العالم .
تشبث "غريك دايك" المدير العام لهيئة الاذاعة البريطانية بحق المراسل في عدم الكشف عن مصدره وأعلن أن BBC مستقلة ولن تخضع لتهديدات أي كانت ..لكن ضغوط الحكومة استمرت في التصاعد والتصعيد بحجة أن الامر يتعلق بالأمن القومي البريطاني وحين يتعلق الامر بالأمن القومي فعلي الجميع أن ينصاع وينسي حقوق المواطن في المعرفة وحقوق الصحافة في أن تكون سلطة رابعة أو تكون لها استقلالية.
كانت معركة شرسة بحق استخدم فيها" بلير" نفوذه وحيله وسلطاته ودهاءه. وكان له ما أراد. 
لم يتوقف "توني بلير" لحظة لنفي الكذب الذي لاحق حكومته ومسؤوليه. لم يعترف أبدا بأن حكومته لفقت أدلة علي وجود أسلحة دمار شامل في العراق لتبرير الغزو. تجاهل كل ذلك وأصبح نصب عينيه شئ واحد أن يعرف من الذي وشي به وأن يعاقب BBC ومراسلها ومديرها علي التجرؤ علي التسبب في إحراج كبير لحكومته وجعله مضغة في أفواه أصدقائه قبل أعدائه . وصمم على الانتقام وكان له ما أراد . لوقت غير قصير لم يسمع احد شيئا في أروقة BBC ولا الصحافة عن "أندرو غليغان" حتي ظهر فيما بعد ككاتب متواضع في احدي الصحف اليمينية . انتهي مستقبله في BBC وطال الوقت أم قصر وبعد حرب خفية أطيح كذلك  ب "غريغ دايك" من منصبه كمدير عام في صفقة لم يعرف أحدا بنودها حتي اليوم علي الرغم من أنه كان واحدا من انجح المديرين وأكثرهم ألمعية علي الاطلاق. أما "ديفيد كيلي" فقد كشف عنه الغطاء وخضع لاستجواب برلماني قاس وتم وقفه عن العمل ووجد مقتولا أو منتحرا بقطع شرايين رسغه بعد نزهة بمفرده في مقاطعة أوكسفورد شاير حيث كان يعيش حياة هادئة. 
رواية تصلح بامتياز لانه تكون فيلما يحصد جوائز عالمية ونهاية مأساوية تليق برواية شكسبيرية. 
مات "ديفيد كيلي" أو قتل لا يهم لكنه بقي وسيبقي شاهدا علي إرادة الكذب والتدليس عندما تنتصر علي الحق والأمانة.  بقي شاهدا علي أن الغرب عندما يريد يفعل مهما كان الثمن. وأن المبادئ والحقوق وقواعد الديمقراطية يمكن أن تذهب لأول سلة قمامة اذا ما أرادت القوة الغاشمة أن تقول كلمتها. 
لست مغرمة بالحكايات والروايات ولكني مولعة بقراءة المواقف ورصدها. 
ويبدو أن الغرب لا يكلف نفسه مشقة إبداع تجارب جديدة عندما يتعامل مع العالم العربي. أصبح وجهة مكشوفا لدرجة أنه لا يأبه حتي بتأليف رواية جديدة أو تلفيق أدلة. لا يهم إن جاء مفتشون دوليون عن سلاح كيميائي بتقرير يدين نظام بشار الاسد أو المعارضة أو طرف ثالث. فالنتيجة محسومة سلفا وتقارير الاستخبارات الامريكية في التنصت علي ضباط الجيش السوري وهم يتحدثون عن سلاح وأسلحة كيميائية  جاهزة في ورقة ما في درج ما في مكتب ما لمسؤول ما في الادارة الامريكية وعدا ذلك لا يهم. 
لا يهم أن يسأل أحد لماذا انتظر بشار الاسد الي أن يأتي المفتشون الدوليون الي دمشق في عقر داره ليشن هجوما بالسلاح الكيميائي علي الغوطة التي تبعد عدة كيلو مترات عن قلب العاصمة السورية. لا يهم أن يسأل أحد عن الاستفادة التي يمكن أن تعود على بشار والحكمة في أن يورط نفسه في ذلك في هذا الوقت بالذات بقضية من هذا النوع . لا يهم أبدا أن يتحدث أحد عن المنطق في أن المعارضة السورية هي المستفيد الوحيد من تحريك القضية بعد تراجع الغرب عن التسليح المباشر لها. لا يهم أن يضع أحد احتمال أو فرضية أن الاسلحة الكيميائية قد وقعت في يد القاعدة أو جبهة النصرة أو غيرها.  لا يهم أن يقول العقلاء أن نظام بشار قتل ويقتل كل يوم اضعاف وأضعاف القتلي في الغوطة. لا يهم كلام الخبراء العسكريين من أن توجيه ضربة عسكرية محدودة لبشار وجيشه سيجعل منه بطلا وضحية لا مجرما يستاهل العقاب.
لا يهم كل هذه الفرضيات التي  يطرحها بالمناسبة اليوم رجل الشارع في الغرب وليس رجل الشارع العربي. 
القضية باختصار أن السيناريوهات جاهزة وخطط التقسيم معدة والتدخل قادم قادم ولتسقط عاصمة عربية جديد ويضيع ما تبقي من شعب صمد للتنكيل والقتل والتشريد على مدي عامين ونصف. ولتنتصر إرادة الكذب. 

السبت، 10 أغسطس 2013

الإعلام والمهمة المستحيلة



قالت لي صديقتي ورفيقة عمري بحماس: " إحنا عارفين مين اللي معانا ومين اللي ضدنا.. الجزيرة ضدنا .. العربية معانا .. أنتو ضدنا.. " ضحكت قليلا وقلت لها مستنكرة : احنا ضدكم ازاي يعني؟ ولماذا نكون ضدكم وما الذي يجعلك تقولين ذلك؟" ردت علي بشكل مباشر .. نتابع ونستمع ونعرف أنكم لستم معنا .. أنتم مع الأخوان" لم تكن هذه المرة الأولي التي أواجه التهمة التي الصقتها بي صديقتي التي تربطني بها درجة قرابة أيضا.. ولم تكن المرة الوحيدة التي تلاحق المؤسسة التي أعمل بها هذه السمعة.. والحقيقة أن شخصا ممن يتابعونني علي توتير قال لي نفس الكلام تقرييا قبل أيام.. "نعرفكم تساندون الأخوان.. أصلا  القناة دي ..... طالعة من رحمكم ابنتكم". فرددت عليه مازحة: "لا خلاص تبرأنا منها"
علي مدي سنوات طويلة عملت بها فى الإعلام اعتدت علي هذه التهم وهذه التصنيفات هذا معنا وهذا ضدنا. فإرضاء الناس إعلاميا غاية لا تدرك في كثير من الأحيان. لكن التهم تزداد وتتعاظم في أوقات الاستقطاب السياسي والتناحر والفرقة والتجاذب بين الاطراف المتصارعة. وخاصة عندما تكون المواقف رمادية ومتشابكة ويصعب فيها تحديد موقف قاطع. هنا تكون التهم جاهزة ومتسارعة. وقد اعتدنا علي ذلك لدرجة أننا نضحك ونقول طالما جميع الأطراف تكيل لنا الشتائم فنحن على الطريق الصحيح. 
وهذا لا يعني أن الإعلام برئ ولا يخطأ وكاتبة هذه السطور تقع كغيرها تحت طائلة الخطأ لكن الضمير المهني هو المرجع في نهاية المطاف. وقد اعتدت علي تشبيه الإعلامي بالطبيب الذي يجب أن يصارح المريض بحقيقة مرضه حتي لو كانت قاسية. فيستحق في نهاية الأمر ما لا ذنب له فيه ..لعنات المريض وغضب أهله ومحبيه. 
وأذكر جيدا عندما ذهبت إلي موريتانيا لتنظيم دورة تدريبية للزملاء الأذاعييين وسمعت أغرب شيء في حياتي. قال لي أحد المتدربين إن إذاعة بي بي سي شهدت انحسارا كبيرا فى نسبة الاستماع إبان حرب العراق. سألته لماذا قال لي لأنها كانت تقول الحقيقة المجردة دون مجاملة أو تزييف. كنتم تقدمون صورة صادقة لما يحدث علي الأرض وقد شعر الشعب الموريتاني الذي كان مغرما ب "صدام حسين" بالصدمة لانهيار نظام حكمه فصب جام غضبه علي بي بي سي وتوقف عن سماعها وأخرسها. أي أن بي بي سي دفعت ببساطة ثمن نقل الحقيقة المجردة الصادمة. هذا وللتاريخ فقد كانت هذه المؤسسة العريقة والعاملين فيها من أشد المعارضين لغزو العراق ودخلت فى صراع مرير مع حكومة توني بلير انتهت بفوز بلير مرحليا لتسدد إليه ضربة موجعة بعد سنوات.
لا أود أن أعطي دروسا فى المهنية ومصداقية الأعلام. لكنني أتوقف قليلا أمام المهمة التي أصبحت مستحيلة اليوم - مهمة الاعلام. ولا شك أن الوضع في مصر اليوم من أصعب قضايا الساعة التي تواجه الأعلاميين اليوم … وضع فريد بكل المقاييس وعلي ذلك فارضاء جميع أطراف المعادلة يعد ضربا من ضروب الخيال. كما أن نقل جميع وجهات النظر بحيادية وتجرد غاية لا يمكن الوصول إليها بسهولة. 
في الأزمة السورية وعلي مدي شهور طويلة واجه الأعلاميون صعوبة كبيرة فى نقل ما يحدث فى داخل البلد لشح المعلومات وانعدامها تقريبا. السبيل الوحيد لدخول البلاد عن طريق نظام بشار الأسد وعلي ذلك فعليك أن تنقل وجهة النظر التي يراها ويوافق عليها النظام وفي المقابل إذا ما رغبت في المجازفة ودخول المناطق التي تسيطر عليها المعارضة المسلحة يصبح لزاما عليك نقل وجهة نظرها دون سواها. 
لكن الوضع المعقد فى مصر عكس ذلك تماما. فإذا كان شح المعلومات يجعل من نقل الصورة الحقيقية من داخل سوريا صعبا. فغزارة المعلومات وتدفقها انهارا فيما يتعلق بتطورات الأحداث في مصر بشكل متسارع يجعل مهمة الإعلاميين مستحيلة. فالجميع نصب نفسه مذيعا وصحفيا ومحللا سياسيا وحكما وقاضيا. الجميع يمتلك حسابا على تويتر أو فيسبوك وبامكانه أن ينشأ منتدي ويكون لديه ألاف من المتابعين حتي وإن لم يكن يعمل بالإعلام أصلا. لدي الجميع خاصية الشير وتنزيل الصور من علي الانترنت ورفعها علي موقعه أو صفحته. يعرف الجميع مواقع كبريات الصحف العالمية ويستعين ب خاصية غوغل ترانسليشن لنقل ما يريد من أراء وتعليقات. 
كل هذا الصخب يجعل من مهنة الإعلام مهنة صعبة للغاية. فماذا تبقي للإعلام كي يقدمه بعد أن تستهلك مواقع التواصل الاجتماعي جميع الأخبار بعد ساعات من ورودها؟ وكيف يمكن للإعلام أن يقدم شيئا جديدا متميزا عن كل الموجود على مواقع التواصل الإجتماعي ؟
علي مدي الأيام القليلة الماضية واظبت في القاهرة على شراء جميع الصحف المصرية وشعرت بالرثاء لها. فالتغطية الأخبارية استهلكت فى برامج التوك شو والمواقع الأخبارية فلم يعد من تميز لهذه الصحيفة أو تلك سوي أقلام بعض الكتاب والمحللين. وحتي ذلك لم يعد له القداسة التي كانت لعمود أنيس منصور أو مصطفي أمين. ولم يعد القارئ ينتظر هذا الكاتب أوذاك فما الدافع لذلك. فقد تبادل الجميع الأراء والصور والبوستات وأصدروا الأحكام فى الليلة السابقة فلم يتبق للصحف سوي البقاء على أرصفة النسيان -إلا من رحم ربي. 
ومع ذلك لا يبقي الإعلام البديل دون خطايا تماما كما أن الأعلام التقليدي لم يكن أبدا دون أخطاء . فالجميع أصبح يتذكر الأن كيف أن صورا لمشاهد فى وقعت في سوريا تم نشرها علي أنها من رابعة وأن شريط فيديو تم اذاعته علي أنه لوقائع اقتحام مركز شرطة في الدقهليه لم يكن كذلك. وعدد ممن يروجون لصور ووقائع مغلوطة باللغة الانجليزية لمخاطبة الغرب أصبحوا معروفين علي فيسبوك وتويتر وتمت ملاحقتهم بتهم الكذب من قبل المتابعين والراصدين لهم وتم فضحهم باللغة الانجليزية أيضا وعلي نفس المواقع وبنفس السلاح . 
في خضم كل ذلك يبقي علي عاتق الإعلام التقليدي خاصة المكتوب مهمة مستحيلة. أن يقدم المميز والصحيح ويبتعد عن  المزايدات. فى الفترة الماضية وخاصة فيما يتعلق بالأزمة المصرية تعملت ما لا اتعلمه في سنوات طويلة من العمل الإعلامي. تعلمت أن العملة الجيدة تطرد فى النهاية العملة الرديئة وأن الرخص والمزايدات لا مكان لها حتي وإن بدا غير ذلك لأول وهلة. تعملت أيضا أن الامكانيات الهائلة والصيت وشبكة المراسلين لا تصنع بالضرورة إعلاما جيدا وكنت اتشكك دوما في ذلك لكني أؤمن اليوم بأن المهارات الإعلامية والصدق والامانة في النقل أهم بكثير من الأموال والامكانيات. تأكدت أيضا أن الأزمات الكبيرة علي صعوبة التعامل معها تفرز الأعلام الجيد المحترم من الإعلام المنحاز المغرض. وأهم ما تعلمته أن في الإعلام - كما هو في الحياة -" الكذب مالوش رجلين"

الجمعة، 14 يونيو 2013

الإيرانيون لا يعصرون الليمون


                          
في مثل هذا اليوم قبل أربع سنوات كنت أقف شاهدا علي طوابير طويلة من المواطنين الإيرانيين يدلون بأصواتهم في الانتخابات الرئاسية. اعترف أنني فوجئت بمثل هذا الإقبال المنقطع النظير من المواطنين الذين يعتبرون أن الإدلاء بأصواتهم أمانة وواجب وحق لله والوطن - هكذا قالوا لي.  كان من اللافت أن طوابير النساء كانت أطول بكثير من طوابير الرجال. سيدات من مختلف الاعمار والتوجهات والمشارب منهن من تحمل الكتب الدراسية والبلاك بيري ومن جاءت تحمل طفلها الوليد الذي لم يتجاوز عمره أيام ومن تنتمي الي الطبقات الشعبية ترتدي "الشادور" وهو اللباس الأسود التقليدي للايرانيات وهو  بالمناسبة ليس له علاقة بدرجة تدين من ترتديه بل يشبه الي حد بعيد "الملاية اللف" التي كانت ترتديها المصريات فيما مضي من زمن. 
جاء الإيرانيون من كل صوب وحدب وفي عيونهم الأمل في أن تأتيهم الانتخابات بالجديد .. أي جديد يحرك البحيرة الراكدة من حولهم. كان من الواضح أنها معركة تكسير عظام بين الاصلاحيين والمحافظين.
 في الأيام التي سبقت الانتخابات كان الحشد بين المعسكرين علي أشده شوارع طهران اكتست باللافتات الانتخابية ومؤيدو الطرفين يجوبون شوارع طهران في تتابع مثل موجات بشرية. تخرج مظاهرة لمؤيدي المرشحين الإصلاحيين تغني  "يادكتور سرقت الذهب والنفط وأعطيتنا أجولة البطاطس" وذلك في تهكم علي الرئيس محمود أحمدي نجاد الذي كان - حسبما قال الناس لي - يوزع علي الفقراء أجولة البطاطس بنفسه خلال الليل. وبعدها بدقائق تخرج مظاهرة آخرى لمؤيدي المحافظين تنشد الأناشيد الدينية وتقسم بالولاء لاتباع "الإمام" أي الإمام الخوميني ومحاربة "عبيد الأمريكان". 
 تجولت في العديد من مناطق طهران أرصد نبض الشارع الإيراني وكان الانقسام والاستقطاب واضحا للغاية. معظم سكان المناطق الفقيرة كانوا من المؤيدين لاحمدي نجاد حتي الشباب منهم . استطاع أحمدي نجاد ببراعة ومن خلفه المؤسسة الدينية المتنفذة أن يغذي أحلام البسطاء بأنه سيجعلهم القوة النووية الضاربة في العالم سيقفون في وجه أمريكا "الشيطان الأكبر".
قالوا لي أنه بسيط طاهر اليد يرتدي نفس الملابس التي كان يرتديها قبل أن يتولي الرئاسة. يمشي مثلهم في الأسواق ويأكل مثلما يأكلون ويقبل يد المرشد ويمتزج مع الملالي. 
علي الطرف الآخر من مدينة طهران المزدحمة والتي يخنق عادم السيارات أنفاس من يسير فيها وجدت شريحة آخري من الإيرانيين. الطبقة المتوسطة وفوق المتوسطة التي تحلم بالحرية والديمقراطية وحرية الاعلام والانترنت وأشياء كثيرة ربما لا تهم أقرانهم من الطبقات الدنيا والشعبية. لم أجد صعوبة في التواصل معهم. معظم يجيد الانجليزية بطلاقة والغالبية منهم يتحدثون بلكنة أمريكية واضحة. يرتدي الشباب منهم الملابس علي الطراز الغربي كان أحدهم كان يرتدي تي شيرت مكتوب عليه I love New York مازحته قائلة إلا تخشي من الشرطة الدينية رد قائلا "كلنا نحب أمريكا أنا احبها في العلن وهم يحبونها في الخفاء".
في وقت متأخر من الليل وقفت الفتيات اللواتي يتوفرن علي نسبة عالية من الجمال يوزعن علي السيارات المنشورات التي تدعو إلى انتخاب أحد المرشحين الإصلاحيين "مهدي كروبي" و"حسين موسوي" ( وكلاهما قيد الإقامة الجبرية منذ اربع سنوات وحتي اليوم ) قالت لي إحداهن وهي تحاول في دلال إعادة الايشارب الصغير الأنيق علي رأسها من جديد: "سننتصر هذه المرة". ولم ينتصروا ! 
اخترت أن يكون بازار طهران آخر محطة في جولاتي في عاصمة كنت أعلم أنني ربما لن أتمكن مرة أخري من زيارتها. في جنبات الحوانيت الصغيرة المتلاصقة ببعضها البعض كانت هناك بعض من أفخم وأجمل أنواع السجاد التي يمكن أن يراها أي شخص في حياته. كان واضحا أن لا تجارة ولا بيع ولا شراء. بل ركود وركود. يعتمد بعضهم علي السفر وبيعها في الخارج أو عليه انتظار ما ندر من السياح الأجانب الذين يغامرون بالقدوم إلى هذا البلد الذي تخنقه الكثير من التعقيدات والمخاطر الأمنية. في ثالث محل وقعت عيني علي لوحة مغزولة بخيوط حريرية صورة للرئيس المصري الرحل جمال عبد الناصر ! لم أتمالك نفسي من الدهشة ابتسم صاحب المحل قائلا لم الدهشة أنه زعيم وطني نحبه كثيرا ونقدره أنه مثل الزعيم محمد مصدق. وكيف يمكن للشعوب أن تنسي من ينحاز لها ويقف في وجه الإمبريالية الغربية ؟ 
كان حديث البازار مغلفا بكثير من الحذر. تعلم الإيرانيون ألا يكونوا منفتحين مع الغرباء. إنهم يعشقون الحديث في السياسة لكنهم لا يفصحون بالضرورة عمن سينتخبون. التجار منهم علي وجه الخصوص - وهم طبقة متنفذة ويحسب لها حساب - لا يمكن أن يكشفوا بوضوح عن خياراتهم السياسية ولكنهم لا يفرطوا في حقهم الانتخابي أبدا. اكتفوا بالإشارة إلى صعوبة الحياة ووقف الحال فى ظل عقوبات اقتصادية خانقة. ربما يأت الغد بجديد - قال لي أحدهم. ولم يأت الغد بجديد. 
في يوم الانتخابات نفض الجميع أحلام الليالي السابقة وارتدوا أجمل ما لديهم وذهبوا إلى الحرب ....إلى مراكز الاقتراع. كان يوما طويلا ومرهقا انتشرت فيه الشرطة بكثافة . أمرني أحدهم في صلافة أن أغلق جميع أزرار معطفي قبل أن يسمح لي بالدخول الي مركز الاقتراع الذي أقيم في أحد الحسينيات. ولم يسمح آخر للمترجمة التي ترافقني بدخول لجنة أخري علي الرغم من أنها مُعينة من قبل وزارة الثقافة والإرشاد.
طوابير الإيرانيين أجبرت السلطات علي تمديد وقت الاقتراع ثلاث مرات. قبل إغلاق المراكز طيرت احدي الوكالات الغربية خبر فوز "موسوي". قضينا الليلة ما بين تكذيب خبر وتصديق اخر وفي الصباح جاءت الأنباء بما لا يشتهي الكثيرون. تأهب الجميع وبدأ الحشد. العرس الديمقراطي الكبير تحول في اليوم التالي إلى كابوس. قضينا ساعات طويلة فى انتظار ما نعرفه بالفعل وعلينا أن نؤكده فقط "فاز أحمدي نجاد بولاية ثانية" 
لم ينتظر الإيرانيون مثلنا إعلان النتائج الرسمية وبدأت الاحتجاجات والملاحقات من شارع لشارع والضرب بالهروات وإطلاق الأعيرة النارية. خرج الإيرانيون غير مصدقين كانوا يعلمون أنهم أختاروا بوعي وعن ثقة في المستقبل. وحدثت الخديعة وتم تزييف إرادتهم. هذا ما كانوا يقولون لي والشرطة تلاحقنا معا من شارع لشارع. 
كان أخر يوم في طهران . ذهبت برفقة بعض الزملاء إلى مكان بعيد نلتمس قدرا من الراحة بعد ثمانية أيام من العمل الشاق. في الطريق كان واضحا أن الغضب أخذ مداه. مع دقات الثامنة مساء أطلق جميع سائقي السيارات صفارات سياراتهم وأطفئ من في البيوت الأنوار .. سبحت طهران في الظلام لدقائق. أخذت تروي المترجمة - وهي من أصل عراقي ولا تجرؤ حتى على نطق اسمها الحقيقي "شيماء" واستبدلته باسم فارسي "شيوا" كيف أن زوار الفجر أخذوا جارها الشاب ذات يوم ليعود بعد عشر سنوات كاملة في السجن وهو حطام إنسان سألتني في حسرة : "هل هذا هو الدين ؟ إذا كانوا المتدينون يفعلون ذلك فماذا يفعل الكفار؟" 
هناك علي الجبل كانت الأمور أكثر هدوءا إلا من بعض الشباب الذين كانوا يبكون في الشارع حزنا صرخ بعضهم فينا "مبسوطين ؟ عاد أحمدي نجاد سيظل كابوسا لأربع سنوات" وظل كذلك
عندما هبطنا إلى الشارع بعد راحة قصيرة لم نعد إلى نفس المدينة تبدلت فى ساعات. لا تنمحي من ذاكرتي صورة فتاة بارعة الجمال صبغت أظافرها ببراعة بلون أحمر وتحمل بكل عناد حجرا كبيرا وتدق في عنف وجنون على الحواجز الحديدية ويتردد الصوت نفس الصوت فى كل أنحاء طهران. 
كان من المحزن جدا أن أشهد هذه التقلبات ما بين الأمل والرجاء واليأس. 
لكنهم عادوا من جديد بعد أربع سنوات ... بامل جديد فى الغد وأن المعجزة ستحدث ذات يوم وتتحقق إرادتهم السياسية .. فالإيرانيون لا يعصرون الليمون.. 

الاثنين، 22 أبريل 2013

مصر منورة بأهلها


مصر منورة باهلها
لا تكف مصر المحروسة عن تفجير بالونات الدهشة فى وجه أى شخص يتابع جنونها وتقلباتها وشطحاتها. ما أن يبتعد المرء عنها بضع أسابيع حتى يعود إليها فيجدها دولة غير الدولة وبلد غير البلد. 
وقد لا يلاحظ من يعيش فيها هذه التقلبات والشطحات كثيرا. لكن من يبتعد عنها قليلا يعيش صدمة حضارية فى كل مرة يعود فيها إليها.  وأضافت مصر بعد الثورة لجنونها وتقلبها وتغيرها الكثير من البهارات والنكهات والألوان. القليل منها يثير الإعجاب والبعض يثير الضحك والكثير يثير الأسى. فلا تعرف أين أنت من كل ذلك. 
سائق التاكسي في شوارع القاهرة يعتبر بالنسبة لى ترمومتر الحرارة لما يحدث في الشارع المصري. وأشعر بالفعل أنه يعكس ما يدور في قلب وعقل المواطن المصري دون فزلكة أو تحليلات سياسية أو شروح مطولة فى الاقتصاد. ولأنني أخاف دوما قيادة السيارات فى شوارع المحروسة ولا اجرؤ على مغامرات المواصلات العامة فاعتمد فى كل تنقلاتى علي التاكسي. 
في الصيف الماضي قال لى معظم سائقى التاكسي : "أنا اخترت الرئيس مرسي والاخوان المسلمين علشان بيعرفوا ربنا كفاية بقى فساد" عندما جئت إلى مصر في زيارة عمل فى شهر يناير تكررت على مسامعي من نفس الشريحة -شريحة سائقى التاكسي عبارة " أنا ما انتخبتش الاخوان ولا انتخبت مرسي". وفى زيارتي الأخيرة فى أوائل الشهر الجاري تبدل الحال من جديد وأصبحت العبارة الدارجة على لسان رفاق طريقى من سائقي التاكسي "أنا انتخبت اللواء شفيق" وزاد أحدهم عبارة "دا انا كنت رايح اهنيه" وقبل أن أغادر البلد بعد زيارة لم تدم أكثر من أسبوعين كان سائقو التاكسي يؤكدون لى : "عايزين مبارك يرجع أنا ح ابوس أيده يرجع" 
هذا عن تقلبات رجل الشارع المصري وتبدل آراءه من النقيض إلى النقيض. 
فى يوم واحد طالعت أربعة أخبار فى صحيفة واحدة جعلتني أضحك طويلا ( من الغلب ) وأقول لنفسي سبحان الله ! 
الخبر الاول أن القضاة يتنحون بالجملة عن محاكمة الرئيس المخلوع مبارك وأن هناك حيرة وتوترا بين القضاة خوفا من نظر القضية المتهم فيها. 
والخبر الثاني يقول إن الدفاع عن المتهمين فى قضية تهريب السجناء من سجن وادي النطرون أثناء ثورة ٢٥ يناير طلب من المحكمة استدعاء الرئيس الحالي محمد مرسي للاستماع إلى شهادته بصفته "مسجونا سابقا"!  ولسؤاله عن كيفية هروبه من السجن وكيف حصل على هاتف "الثريا" الذي تحدث من خلاله إلى قناة الجزيرة القطرية. 
أما الخبر الثالث فكان عن "تكريم" جامعة الأزهر الدكتور أسامة العبد رئيس الجامعة الذي أُقيل على خلفية تسمم آلاف الطلاب بالمدينة الجامعية ( أي والله) 
أما الخبر الرابع فكان عن وزير الاعلام صلاح عبد المقصود الذي وجهت اليه صحيفة شابة أثناء حديثه عن سؤالا يقول " أين هى حرية الاعلام والصحافة ؟" فما كان من الوزير اللامع أعزه الله إلا أن رد بالقول : "ابقي تعالى اقولك فين" ! 
لست مولعة بفكرة ماذا يمكن أن يكون أو ماذا يجب أن يحدث. لكننى مغرمة بقراءة الواقع حد الإدمان. ولا انشغل كثيرا بالدراسات الاجتماعية والجيوسياسية والمؤشرات الاقتصادية قدر انشغالي بما يقول البشر. 
والبشر فى بلادي اليوم -كما رأيتهم- يتخبطون كثيرا ولا يعرفون الصواب والخطأ. الناس تعبوا كثيرا ولم يعد لديهم قدرة على استيعاب ما يحدث. لم يعد لديهم الرغبة فى أن يحتملوا المزيد من التخبط والأخطاء المتكررة. لديهم خيبة إمل كبيرة فيما يحدث ولا يعرفون متى ينتهي هذا الكابوس ليس لديهم مانع حتى من أن يرتدوا من إجل لقمة العيش الثوب القديم الذى مزقوه فى حالة صحوة نادرة لا تتكرر إلا كل مائة سنة. 
لا يعرف الناس اليوم من المجرم ومن المظلوم. من السجين ومن السجّان .. لا يعرف الناس من يستحق العقاب ومن يستحق التكريم .. لا يعرف الناس اليوم هل يضحكون من الغباء إم من الوقاحة. 

الأربعاء، 17 أبريل 2013

ماجي .. رحلت في هدوء وتركتهم يتحدثون …



من الصعب الا يتوقف المرء أمام رحيل بعض الشخصيات ويتحدث عنهم . من الصعب أن يكون المرء يعيش في المملكة المتحدة ولا يتحدث عن مارجريت ثاتشر وعن رحيلها وعن حياتها وسيرتها. فالسيدة ثاتشر كانت - ولا شك- قامة تاريخية بمعني الكلمة. لكنني لا أود أن اتحدث بكلام عما يعرفه الكثيرون من أنها أول سيدة ترأس الحكومة البريطانية ولا عن سياساتها الاقتصادية التي اخرجت علي قسوتها بريطانيا من نفق الركود الاقتصادي ولا عن حربها الضروس مع النقابات العمالية والتي نجحت فيها واستحقت عنها لعنات العمال والبرولتاريا حتي الان. لكنني اتوقف أمام الأرث الانساني لهذه السيدة. 
المجتمع البريطاني لمن لا يعرف مجتمع تقليدي بامتياز بطبيعته وليس لتدينه. هذا المجتمع مازال فيه الناس يقولون للنساء حين يلدن بنتا "تهانينا" وحين يلدن صبيا "احسنت صنعا". يذكرونني دوما بالعائلات الصعيدية. وأعرف في محيطي الصغير ثلاث عائلات مزينة بثلاث فتيات. فالطبيعي أن تنجب العائلات طفلين ولكن لمن لم يحالفها الحظ بانجاب صبي تحاول المرة الثالثة. لكنها غالبا تتوقف بعد ذلك عن المحاولة لاسباب اقتصادية. فانجاب الاطفال وتربيتهم من أعلي النفقات التي تواجهها أي أسرة بريطانية. 
لا يفصح البريطانيون كثيرا عن تفضيلهم الصبيان عن البنات وجري العرف في السنوات الاخيرة أن تتحدث النساء البريطانيات عن فضيلة انجاب البنت او أن البنت زي الولد. لكن هذا الحديث يبقي مردوده علي النطاق العملي محدودا. فاذا نظرنا مثلا لمصروفات المدارس الخاصة ومعظمها تفصل بين الاولاد والبنات نجد فروقا كبيرة. مصروفات مدارس الصبيان أعلي بشكل كبير من مصروفات مدارس البنات وهو ما يعني أن العائلة تقبل علي دفع أكثر لتعليم الصبي تعليما خاصا. 
في الاطار الديني مازالت الكنيسة الانجليكانية ترفض حتي اليوم ترسيم "قس امرأة" وقد كانت هذه معركة شرسة خلال الشهور الماضية وباءت محاولات النساء دخول السلم الكنسي بالفشل. وأثارت قضية ما اذا كان يجب السماح للنساء بكسر حاجز الفصل الجنسي لتتولي مناصب رفيعة في الكنيسة جدلا واسعا. 
نظرة بسيطة إلي المرأة البريطانية في مجال العمل تؤكد أنها مازالت تحصل علي أجر أقل من نظيرها الرجل عن نفس العمل. وأن نسبة النساء في المناصب القيادية مازالت أقل بكثير من الرجال. 
كل ذلك يدل علي أن المجتمع البريطاني - علي كل التقدم الذي احرزه في المجال الحقوقي والانساني- مازال لا يعترف بالمساواة في الواقع العملي وشتان بين الواقع وما هو مكتوب من قوانين ووثائق علي الورق. ومن هنا تعتبر تجربة مارجريت ثاتشر تجربة نادرة وثرية واستثنائية أيضا. فلم يكن علي "ماجي" تخطي هذه الحواجز الذكورية فحسب لكن كان عليها أن تثبت نفسها فى مجال السياسة ايضا. وهو مجال ذكوري طبقي بامتياز. 
فلم يعرف ابدا أن السياسة البريطانية تحفل بوجود نساء لا فى المناصب القيادية ولا مناصب الصف الثاني حتي سنوات قليلة مضت. وعندما اختار توني بلير خمس عشرة سيدة دفعة واحدة حتي يكن في فريقه الوزاري في أوائل التسعينيات .. اطلقت عليهن الصحافة الشعبية لفظ "بلير تشكس" أي "دجاجات بلير" وهذا اللفظ يحمل بالطبع قدرا من السخرية وقدرا من التدليل في أن واحد ولكن مدلوله واضح بالطبع. حدث هذا بعد سنوات طويلة من نجاح مارجريت ثاتشر في الوصول للمرة الأولي الي سدة الحكم ورئاسة الحكومة البريطانية كأول امرأة في التاريخ ترأس حكومة بريطانية عن طريق الانتخاب وليس ذلك فحسب البقاء علي رأس الحكومة ثلاث مرات متتالية. 
لم تبرز ثاتشر في بيئتها السياسية الطبيعية. فقد كان الأجدر مثلا أن تكون سياسية في حزب العمال باعتبار أنها تنتمي إلي هذه الطبقة الاجتماعية وكان من الطبيعي في هذه الحالة أن يحتضن حزب العمال أو حتي حزب الاحرار الليبراليين "ابنة البقال" كما كان خصومها في حزب المحافظين يسخرون منها. لكنها اختارت أن تأتي من طبقة الشعب العاملة الكادحة لتقهر الطبقيين المحافظين في عقر دارهم!
كانت هذه طريقتها المميزة والخاصة جدا للنجاح أن تسبح عكس التيار أن تتميز في البيئة التي لا يمكن لمثلها أن تبرز فيها. أن تتميز كفتاة كسيدة من الطبقة العاملة الكادحة في بيئة ذكورية طبقية محافظة. لا يذكر كثير من البريطانيين اليوم "الحقبة الثاتشرية" بكثير من الاعجاب والحنين فقد كانت حقبة صعبة في حياة البريطانيين الذين اختاروا رغم كل شيء أن يعطوا رهاناتهم  السياسية ل "المرأة الحديدية" التي خلقت نموذجا اقتصاديا قاسيا ليس بالضرورة لاقتناعهم بصواب ما تفعل لكن لانهم يخشون التغيير والتبديل يخافون من المجهول وخبرتهم مع حزب العمال لم تكن سعيدة ايضا
فلم يعرف عن حزب العمال في الستينيات أنهم اقتصاديون مهارون أبدا وكان انقياد الحزب انقيادا أعمي للنقابات العمالية بشططها واهواءها الشخصية وتمترسها الدائم وراء سلاح الاضرابات الدائمة الاثر السلبي الكبير لدي المواطن البريطاني الذي يود العمل والانتاج. اجتماعيا وجهت ثاتشر ضربة قاصمة لقيم العائلة حتي دون أن تدري. 
وقبل اسابيع كنت اتحدث لزميل لي تجاوز منتصف الثلاثينيات عن السبب في احجامه عن الزواج وانجاب الاطفال فقال لي "السبب ثاتشر" فقد رسخت لدي جيلنا من البريطانيين أن لا فائدة ترجي من الكفاح من أجل عائلة فالامر لا يستحق العناء. وهذا ليس رأي زميلي فحسب فنظرة علي الخريطة السكانية تنبئ بأن المجتمع البريطاني أصبح مجتمعا هرما. ف ستون بالمئة من سكانه ممن فوق سن الخامسة والخمسين وعزوف الجيل الجديد عن الارتباط العائلي وانجاب الاطفال أصبح الغالب والسائد. 
لا يمكن اغفال مما حققته ثاتشر من انجازات اقتصادية وسياسية ولا يمكن القول إن حقبتها كانت ظالمة في مجملها. ولا يمكن ايضا اعتبار أنها شخصية عادية. استوعبت "ماجي" دروس الماضي بشكل ايجابي وكان لها من العقلية السياسية والنظرة الثاقبة ما اهلها للبقاء علي سدة الحكم ثلاثة دورات انتخابية متتالية. اتخذت قراراتها بمنتهي الحزم وتحملت بكل شجاعة ( واحيانا بكل صلف) نتائج سياساتها الي أن قهرها توني بلير بنفس سلاحها. تعلم منها الجراءة السياسية وأن الحكم بيد ضعيفة لا يكتب له البقاء. 
التاريخ لن يغفل مارجريت ثاتشر ابدا عندما يكتب صفحاته لكنه لن يتذكر الضعفاء من الحكام والسياسيين الذين ينتظرون اشارة من الأخرين.  

الأحد، 3 مارس 2013

وللاحتجاج ثقافة ....


وللاحتجاج ثقافة ..
قد يظن البعض أن التظاهر والاحتجاج يلازم الأمم التي تشهد حراكا سياسيا وتغيرات إيدلوجية. لكن الواقع مغاير لذلك تماما. والحقيقة أن التظاهر والاحتجاج سمة تلازم أكثر المجتمعات ديمقراطية ، بل وتفخر المجتمعات الديمقراطية بأنها تكفل حق التظاهر والأحتجاج وتعتبر أنه واحدا من أنجع وسائل التعبير السياسي. دولة مثل بريطانيا تفاخر بأنها واحدة من أعرق الديمقراطيات الحديثة وتتمتع بتقاليد برلمانية راسخة ، يدرك المجتمع فيها أن الكثير من الحقوق السياسية والمدنية التي يتمتع بها اليوم لم يكن ليحصل عليها إلا بفضل مواطنين كان لديهم الشجاعة ورباطة الجأش في الخروج إلى الشارع والتظاهر للمطالبة بالحقوق ومزيد من الحريات.

كما أن الحقوق العمالية التي يتمتع بها الشعب البريطاني أيضا لم تأت وليدة الصدفة أوهبة من البرلمانيين القابعين تحت قبة ويستمنستر أومنحة من الحكومات المتعاقبة ،  لكنها جاءت ثمرة صراع مرير بين الحكومة والعمال . وللعمال البريطانيين مع الأضرابات والمواجهات تاريخ ليس من المبالغة وصفه بالدموي. وأشرس هذه المواجهات بين حكومة المرأة الحديدية مارجريت ثاتشر وعمال المناجم في الثمانينيات والذين استمروا عاما كاملا من الأضراب عن العمل بعد أن رفضت ثاتشر تعديل برامج مجلس الفحم الحجري الخاصة بأغلاق المناجم. كانت معركة طاحنة كسبت فيها أول رئيسة حكومة في تاريخ بريطانيا الجولة ..لكن سمعة العداء للعمال وانتهاك حقوقهم بقيت تلاحقها طوال تاريخها السياسي. 

لم يكن الطريق ممهدا وسهلا وقد يندهش البعض إذا ما عرفوا أن الحق في التظاهر السلمي لم يكن معترفا به في بريطانيا حتي عام ألف وتسعمائة وثمانية وتسعين بعد أن تم إقراراتفاقية حقوق الأنسان . وقد استغرق تنفيذ بنود هذه الاتفاقية قرابة عامين ودخلت حيز التنفيذ تحديدا في أكتوبر عام ألفين. حينها وحينها فقط أصبح التظاهر السلمي محميا بمقتضي القانون. حيث تنص الأتفاقية علي حماية حق التعبير وحرية التجمع والتظاهر بغرض الاحتجاج. وتحظر الأتفاقية في نفس الوقت علي الحكومة وأجهزة العامة ومن بينها الشرطة من انتهاك هذه الحقوق

لكن هذا الحق ليس مطلقا بل هو محكوم بعدة قوانين يمكن أستخدامها ضد المتظاهرين لمنعهم من التظاهر السلمي. وخلال السنوات القليلة الماضية تم إقرار تشريع للتعامل مع حالات بعينها من منع التظاهر إذا ما كان هناك مخاوف من وقوع عمليات إرهابية أو إجرامية أوإذا ما كان في ذلك اخلال بالنظام العام وكذلك ما يوصف بالتصرفات غير اللائقة اجتماعيا. وتخول هذه التشريعات للشرطة منع التظاهر اذا ما أرتأت ذلك حتي وإن كان سلميا. 

وقد شاهدنا كيف اعتقلت الشرطة البريطانية عددا من الفتيات الاوكرانيات اللائي تظاهرن عاريات الصدر احتجاجا علي قرار اللجنة الأولمبية السماح للاعبات مسلمات بأرتداء الحجاب في منافسات أولمبياد لندن. حيث كتبت الفتيات اللاواتي ينتمين لمنظمة تدعي "فيمتن" علي صدورهن العارية "أولمبياد العار" و" لا للشريعة الإسلامية". ورأت الشرطة أن الاحتجاج غير لائق أجتماعيا وتم ترحيل الفتيات الأربع بعد أن وصمن بالطبع الشرطة البريطانية بالديكتاتورية والهمجية وعدم مراعاة حق أساسي من حقوق الانسان ألا وهوحق التعبير.

هذا بالطبع ليس المثال الوحيد وهناك أمثلة عديدة علي قيام الحكومة بألغاء الحق في التظاهر سلميا لما تراه من مصلحة عامة. وفي الواقع فأن الحكومات -أيا كانت- لا يسعدها علي الأطلاق رؤية هذه المظاهرة أوذلك الاحتجاج وهي علي الدوام تدين الأضرابات العمالية وتتهمها علي الفور بتعطيل مصالح الناس والأنانية وعدم المرونة وووو وغيرها لكن هذا لا يحول دون التظاهر والأضراب بل علي العكس يكون أحيانا الوسيلة الأسرع والأنجح في تحقيق المطالب. 

في فورة الاستعدادت لدورة الالعاب الاولمبية في لندن أعلن العاملون في قطاع الجوازات والتأشيرات في المطارات الأضراب عن العمل يوم واحد قبل انطلاق الأولمبياد . قامت الدنيا ولم تقعد واتهمتهم الحكومة بمحاولة تخريب العرس الرياضي الكبير وتخيلوا الرياضيين العالميين قابعين علي أرضية المطارات يوم وليلة لأنه لا يوجد من العاملين من له سلطة فحص جوازات سفرهم والسماح لهم بدخول البلاد. 
أصر العاملون علي موقفهم ولم يأخذ عامة الناس موقفا عدائيا من العاملين لم يتهمونهم بأنهم ليسوا وطنيين ولا يستحقوا شرف الانتماء للتاج البريطاني بل وجههوا اللوم للمسؤوليين والحكومة التي فشلت في تلبية مطالبهم . وكان التكتيك ناجعا وشافيا وسريعا بالفعل واضطر ممثلو الحكومة للجلوس إلي طاولة المفاوضات والأستجابة لمطالبهم العادلة.

تكرر المشهد بتفاصيل أخري في يوم السادس والعشرين من ديسمبر وهو اليوم التالي لعطلة يوم عيد الميلاد (الكريسماس) والذي يعرف باسم بوكسنغ داي وهو أكبر يوم في العام للتخفيضات والمشتروات وتنتظره العائلات طوال العام للحصول علي مشترواتها والسلع المعمرة كما تنتظره المحال التجارية لتعويض خسائرها في المبيعات .. لكن عمال مترو الانفاق قرروا الاضراب عن العمل فى هذا اليوم بالذات لالحاق اكبر ضرر ممكن بالهيئة والقائمين عليها
وأضطر الناس لركوب الباصات أو غيرها وقضوا ساعات بدلا عن ساعة . كان هناك حالة سخط وقتي لكن  لم يلم احدا سائقي المترو علي استخدام حقهم القانوني في الأضراب لكنهم ألقوا باللوم علي الهيئة المنظمة لخطوط المترو والحكومة التي لا تستجيب لمطالبهم .

ولكن بالتوازي  مع حفظ الحق في التظاهر ..علينا ألا ننسي أيضا أن للاضراب قواعد وأصول. فالدعوة إلي الأضراب يجب أن تستند لمطالب حقيقية وعادلة ـ علي الأقل من وجه نظر العمال. كما يجب أن تدعو إليه نقابات عمالية بعد إجراء تصويت بين أعضائها ويجب أيضا أخطار صاحب العمل قبل الاضراب بعدة أيام حسبما ينص القانون واللوائح.  

نفس القواعد تنطبق علي التظاهر السلمي . وفعليا من حق أي مواطن بريطاني أن يدعو لمظاهرة احتجاج  وما عليه سوي أن يبلغ الشرطة بمسار المظاهرة والشوارع التي ستسير فيها قبل موعد المظاهرة بست أيام حتي يمكنها أن تعلم الجهات التي قد تتأثر بمسار هذه التظاهرة مسبقا فتنصح العاملين فيها مثلا بتغير مسار ذهابهم الي العمل أوغير ذلك وحتي يمكن للشرطة تأمين سلامة المشاركيين فيها ( وليس اعتقالهم ) وحتي تتمكن أيضا من توفير عربات اسعاف في حالة وقوع تدافع أوحالة صحية طارئة. 

ليس من حق الشرطة البريطانية قانونا الاعتراض علي مسار مظاهرة ما لكنها قد تنصح بذلك أو تقدم سببا معقولا لتغير المسار. ليس من هذه الاسباب سير مسؤول أو رئيس أو حتي أمير ويذكر الجميع كيف أن سوء طالع الامير تشارلز ولي العهد البريطاني ألقي به في خضم تظاهرة حاشدة لطلاب  كانوا يحتجون علي ارتفاع نفقات التعليم الجامعي ف "عملوا معاه الصح " بتعبير الثوار المصريين. 

جوهر التظاهر والاحتجاج والأضرابات هو الخروج عن نمط الحياة وسياقها العادي للتوقف والالتفات لحقوق مشروعة وأولها الحق قي التعبير والحق في المناداة بمطالب مشروعة .. التظاهر والاحتجاج أذن لا خوف منه فهو وسيلة مشروعة وسليمة ومنطقية وناجحة للحصول علي الحريات والحقوق ـ لكن عندما يتم استخدامها بالشكل الصحيح والفعال.