Translate

الخميس، 20 ديسمبر 2012

القضاء وذاكرة الأفيال



 مشهدان لا تبرح وسائل الأعلام البريطانية أن تطرحهما مرة تلو الأخري هذه الأيام . وبقدر الألم الذي تستحضره الحادثتان  يأتي معهما اليقين بأنه عندما يتعلق الأمر بحقوق الضحايا .. فان القضاء البريطاني يتمتع بذاكرة الأفيال.
المشهد الأول ترجع فصوله الي عام ألف وتسعمائة وتسعة وثمانين .. الي حادثة شهيرة عالميا فهي تظل أسوأ كارثة في ملاعب كرة القدم علي الإطلاق ولا يضاهيها في ذلك سوي مذبحة بورسعيد. حيث قُتل ستة وتسعون من مشجعي فريق ليفربول سحقا بالأقدام في  ملاعب نادي شفيلد فيما يعرف إعلاميا بكارثة هيلسبرة.
خلصت تحقيقات الشرطة وقتها إلي أن عدد كبير من الضحايا - وبينهم أطفال - كانوا مخمورين كما أرجعت تضاعف عدد الضحايا الي ما يعرف بثقافة الهليجنيز بين المشجعين الأنجليز والتي تقارب بدروها أسلوب اولتراس الأهلي أو وايت نايتس الزمالك في الملاعب المصرية .

هذا الأسبوع أصدرت المحكمة العليا حكما بضرورة فتح التحقيق من جديد في القضية بناء علي تحريات النائب العام الذي وصل الي قناعة أن التحقيقات التي أجريت قبل ثلاثة وعشرين عاما - والتي خلُصت الي أن الأمر كان حادثا مأساويا - غير كافية وينقصها الكثير من العناصر التي يمك أن تحدد المسؤولية الجنائية عن وفاة هذا العدد الكبير من الضحايا في ظروف أقل ما يوصف أنها غير طبيعية. وألمحت وزير الداخلية "تريزا ماي" الي أن التحقيق سيطال أيضاً إتحاد الكرة الإنجليزي ومجلس بلدية شافيليد لسماحهما بإقامة المباراة في ملاعب نادي شافيليد - علي الرغم من أنها لا تمتلك شهادة تثبت صلاحية عناصر تأمين إقامة مثل هذه المباريات.
التحقيق الجديد سيطال بالطبع شرطة شافيليد والتي وُجهت اليها أصابع اتهام بتلفيق أدلة للضحايا والزعم بأنهم كانوا مخمورين وقت الحادث - حتي الاطفال منهم . ولذا سيجري التحقيق الجنائي بموازة تحقيق داخلي تجريه الشرطة لتحديد المسؤولين عن هذه المخالفات الجسيمة. 

لم يكن الطريق سهلا واستغرق الأمر عملا شاقا ومضنيا من أسر الضحايا علي مدي ثلاثة وعشرين عاما من أجل تحقيق العدالة لذويهم الذين لاحقتهم سمعة المارقين المخمورين الخارجين عن النظام والقانون. لم يأبه أسر الضحايا بالتقارير الصحفية التي نهشت سمعة من يحبون ولا لتقارير الشرطة التي كان كل همها أن ترتب "تقريرا" يلوم الضحايا فقط لأن لا صوت لهم. فكانوا هم صوت قتلاهم.

 لم يكتفوا بالصراخ والعويل والوقوف علي أبواب الحكومة يطلبون العدالة الضائعة بل بحثوا عن نائب في البرلمان تبني قضيتهم وتقدموا بعريضة جمعوا عشرات الآلاف من التوقيعات عليها لفتح التحقيق من جديد. ووقفوا هذا الأسبوع أمام مقر المحكمة العليا يحضنون بعضهم البعض ويهنئون أنفسهم علي ما حققوا. الأمر الآن في يد العدالة التي لن تخذلهم هذه المرة فقد علم الناس جميعا أن ليس بوسعهم أن يقتلوا هؤلاء الضحايا مرتين. 

المشهد الثاني بطله مقدم برامج شهير في تلفزيون بي بي سي اسمه "چيمي ساڤل " طالما كان وجها معروفا ليس فقط في دوائر الأعلام ولكن كوجه اجتماعي شهير. عُرف بمساهماته السخية في كبريات الجمعيات الخيرية خاصة تلك التي تعني بالاطفال. لم يكن "ساڤل" إعلاميا عاديا ولكن كان ملء السمع والبصر واستحق عن مساهماته المجتمعية لقب سير. وتوفي أوائل العام الماضي.  بدأ الأمر ببرنامج استقصائي تلفزيوني علي شبكة آي تي ڤي يقول إن  "ساڤل" ذي الضاحك المرح المحبوب كان له وجها آخر .. مخيف مرعب وشيطاني ..تحدث البرنامج الي عدد من النسوة قلن إنهن تعرضن لاعتداءات جنسية من الرجل عندما كن بعد فتيات مراهقات ولم يكن بوسعهن الإبلاغ عنه إما لخوفهن من سلطاته أو لأنهن كن صغيرات غريرات لم يدركن ما يحدث. وكأن النسوة الثلاث فتحن علبة مليئة بالديدان... توالت البلاغات عن حالات اعتداءات جنسية كثيرة ارتكبها "ساڤل" بمفرده أوبرفقة آخرين من المشاهير والإعلاميين وتواطيء الجميع علي الصمت خوفا ورهبة منه. 
لم يقف الأمر عند هذا الحد. فقد أثيرت قضية أكبر حيث بدأت أصابع الاتهام تشير الي مديرين وصحفيين ذوي حيثية في بي بي سي بأنهم حاولوا التستر عليه ومنع إذاعة برنامج يتحدث عن نفس الاتهامات قبل عام. تدحرجت رؤوس كثيرة وتوالت الاستقالات والوقف عن العمل من العديدين داخل المؤسسة الإعلامية العريقة وعلي رأسها استقالة مديرها العام جورج انتوسل بعد خمسة وخمسين يوما فقط في منصبه. 
وما زالت الموجات التي اثارها الحجر الذي اُلقي في البركة الراكدة تتسع. أجرت بي بي سي تحقيقا مستقلا برأ العديدين من المديرين من تهمة التستر علي "ساڤل" لكنه وجه تأنيبا قاسيا لهم بالقصور في الكشف عن علبة الديدان التي كانت تمرح بينهم دون أن يكشفها أحد. 
التحقيق الجنائي طال العديدين ممن عاصروا "چيمي ساڤل" من معدين ومخرجين علي جرائم ارتكبوها قبل نحو ثلاثين عاما سواء بالاشتراك معه أو التستر عليه. أما هو وقد وري الثري فلم تجد عائلته من اعتذار تقدمه لضحايا سوي أن تزيل شاهد قبره أما الحكومة البريطانية فتبحث في أمكانية تغيير القانون الذي لا يتيح نزع الألقاب عمن ماتوا حتي يمكن تجريده من لقب "سير". 
حقاً  ... إن الله لينصر الأمة العادلة حتي وإن كانت كافرة ولا ينصر الأمة الظالمة حتي إن كانت مسلمة. 

الجمعة، 14 ديسمبر 2012

الاستفتاء وديكتاتورية الأغلبية


يعد الاستفتاء من أكثر الوسائل الرائجة في الوقت الراهن لاستجلاء رأي العامة بشكل ديمقراطي ومباشر.
وتستقطب الاستفتاءات اهتماما كبيرا من وسائل الأعلام العالمية في الآونة اخيرة نظرا لأن معظمها تتم علي انفصال مناطق وكتل سكانية عن البلد الأم . كما حدث مؤخراً في الاستفتاء علي انفصال إقليم كاتالونيا عن إسبانيا. 
غير أن الاستفتاء يبقي مجرد وسيلة لقراءة مؤشرات الرأي العام في الدول صاحبة الديمقراطيات العريقة مثل بريطانيا. حيث تحتفظ الحكومة في نهاية الأمر بحق أن تتخذ القرارات النهائية وفق ما يتراءى لها من المصلحة الوطنية وتقييم الأمور بمنظور عملي حسب معطيات الواقع وبالتشاور مع نواب البرلمان بعد مناقشات برلمانية وافية. 
ماذا يعني هذا في الواقع العملي ؟  يعني أن الحكومة - وبالتشاور مع نواب البرلمان- قد تتخذ قرارا في نهاية المطاف بتجاهل نتائج استفتاء ما إذا ما رسخ لديها قناعة أن المصلحة العامة لا تحبذ ذلك. ويصبح ذلك لازما أيضا  إذا كان الأقبال علي التصويت في الاستفتاء ضعيفا. وغالبا ما يتم تجاهل نتائج أي استفتاء إذا كانت نتيجة التصويت أكثر من النصف بقليل.
في مثل هذه الأوضاع علي الحكومة ( المشكلة من أكبر كتلة برلمانية تفوز في الانتخابات العامة ) عليها بالطبع أن تتحمل عواقب مثل هذا الأمر من غضب شعبي وبالتالي خسارة التأييد في البرلمان في الانتخابات التالية. 

علي مدي سنوات طويلة قضيتها في أنجلترا سمعت عن الاستفتاءات ولم أشهدها. وبالأحرى شهدت واحدا فقط منه وهو الذي اجري العام الماضي لإجراء تعديل علي نظام انتخاب والذي صوت فيه الناخبون ب "لا" وكان ذلك علي الأرجح لأن النظام المقترح كان أكثر تعقيدا مما يستوعب الناخب.  استفتاءا آخر كان محل تندر فقد كان سُئل سكان العاصمة البريطانية إن كانوا يفضلون أن يتولي عمدة لندن شؤون لندن فحسب أو لندن وضواحيها. هذا الاستفتاء كان من السخف بحيث لم يشارك فيه أكثر من أربعة وثلاثين في المئة من الناخبين الذين يحق لهم التصويت. 
قلت انجلترا ولم أقل بريطانيا لان ويلز شهدت استفتاءا مهما علي الانفصال عن بريطانيا وكانت النتيجة ب "لا" وتستعد اسكتلنده لاستفتاء مماثل
كما أن أيرلندا الشمالية شهدت بدورها قبل سنوات استفتاءا تاريخيا أيضاً كانت نتيجته الموافقة علي اتفاقية السلام المعروفة باسم "غود فراي داي". 

أكبر استفتاء يحتل جدلا سياسيا واسعا في تاريخ بريطانيا هو الاستفتاء علي وضع بريطانيا في الإتحاد الأوروبي والبقاء في منطقة اليورو. تعهدت حكومة العمال منذ عام ألف وتسعمائة وسبعة وتسعين بإجراء مثل هذا الاستفتاء ولم يتم الي الآن. وذهبت حكومة العمال وجاءت الحكومة الائتلافية من حزب المحافظين وحزب الأحرار الديمقراطيين ومازال الاستفتاء حول وضع بريطانيا في الاتحاد الأوروبي يراوح مكانه. 
والمثير للاهتمام أن حزب المحافظين الذي كان يضغط علي الحكومة العمالية من أجل  إقامة مثل هذا الاستفتاء عندما كان في صفوف المعارضة.. يقدم الآن رجلا ويؤخر الأخري  في إقامة مثل هذا الاستفتاء. وآخر ما تفتق عنه ذهن رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون الآن هو أن الاستفتاء من أكثر الوسائل شفافية لقراءة الرأي العام في قضية بريطانيا والاتحاد الأوروبي لكنه لا يفضل الاستفتاء علي البقاء أو الخروج من الاتحاد الأوروبي لكن علي "وضعية" بريطانيا في الإتحاد الأوروبي. 
يدرك رئيس وزراء بريطانيا وزعيم حزب المحافظين حاليا وهو في موقع المسؤولية أنه لا يمكن أن يغامر بوضع أمر جد خطير مثلبقاء بلاده في الاتحاد الأوروبي أمام العامة. أولا لانه يخشي المجازفة بسؤال
الناس حول ذلك الأمر ولذلك حرّف القضية واسمها "وضعية" عوضا عن "بقاء". ثانيا لأن الأمر - في تصور
 القائمين عليه من ساسة واقتصادييين - أعقد بكثير من أن يُسأل عنه عامة الناس مخافة أن يكون تقديرهم
متأثرا إما بالأعلام الذي -وإن اجتهد لوضع القضية في نصابها لن يكون منصفا خاصة وأن الناس تأثروا كثيرا بما يسمعون من كوارث مالية متتالية لحقت بالاتحاد الأوروبي خلال العامين الماضيين فتصوروا أن الأتحاد الأوروبي بيت تشتعل فيه النيران وعليهم أن يهربوا منها.
 يمكن القول ببساطة إذا أن التجارب الديمقراطية تثبت أن الاستفتاء -وإن كان  وسيلة ديمقراطية - الا أنه يبقي مجرد استقراء لاتجاهات العامة من الناس قد تصيب وقد يجانبها الصواب  فحذاري من ديكتاتورية الأغلبية. 

الثلاثاء، 11 ديسمبر 2012

أمة بلا دستور

ربما لا يعرف الكثيرون أو يشعرون بالدهشة أن بلدا مثل بريطانيا يقال إنها بلد مؤسسات لا دستور لها. لا يوجد في بريطانيا شئ اسمه "دستور" هناك "دستور غير مكتوب" وتعتبر بريطانيا متفردة في هذه الناحية .. ويمكن تفسير عدم وجود دستور بريطاني نظرا لتاريخها. فالدول التي تقوم فيها ثورات أوتعيش تغيرا في النظام لابد لها أن تقوم بوضع دستور يحدد ويقنن سلطات الدولة ومؤساساتها الكبيرة وينص علي توزيع الأدوار عليها وينظم علي العلاقة بين بعضها البعض. وفي المقابل ينص علي الحريات الأساسية للأفراد. 
لكن بريطانيا علي العكس من ذلك لم يكن في تاريخها من انقلابات وتحولات تستدعي كتابة دستور مما يعكس حالة الاستقرار النسبة التي عاشتها البلاد. وبالتالي لم يكن هناك حاجة لدستور لتقنين العلاقات الأساسية الثابتة بين سلطات الدولة الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية. 
ولكن السؤال الجدير بالاهتمام هو كيف عاشت الأمة البريطانية دون دستور مكتوب ؟
 الدستور البريطاني تحول وتطور عبر السنوات ليس في كتاب مرجعي أو بنود مكتوبة يتم الرجوع إليها كلما استدعي الأمر ولكن الدستور بالنسبة لبريطانيا هو عبارة عن مجموعة من القوانين الإلزامية والمواثيق والمعاهدات والاتفاقيات وكذلك القرارات القضائية. 
الدستور البريطاني ملخص في ثماني كلمات انجليزية فقط : what the Queen in parliament enacts is law   فماذا تعني هذه الكلمات الثماني السحرية ؟ تعني أن البرلمان بمقتضى السلطة المخولة له من التاج (ممثلا في الملكة) يقوم بسن القوانين التي لا يمكن معارضتها. 
هذا بالطبع الي جانب مبادئ أساسية تشكل دستورا غير مكتوب : حكم القانون ومبدأ فصل الحكم الي أفرع ثلاثة تنفيذي وتشريعي وقضائي ومبدأ مركزية الدولة في سلطة البرلمان هذا القابع في وستمنستر في قلب العاصمة لندن والذي تخضع حتي مجرد ترتيب جلوس مقاعد الحكومة والمعارضة تقاليد ترجع لثمانية قرون وهي تقاليد مثيرة للاهتمام وربما نفرد لها مساحة في مقام آخر. 
لكن التقاليد ليست المهمة في العمل البرلماني بدرجة أهمية البرلمان وسلطاته. فالبرلمان يعبر عن سلطة الشعب والبرلمانيون يختارهم الناس عن وعي وثقة وتدقيق وتمحيص من خلال عملية انتخابية حرة . 
البرلمان البريطاني -مع ذلك- يخضع بالطبع للقوانين والمواثيق الدولية وخاصة في مجالات الحريات وحقوق الأنسان وهذا يعني بالضرورة ألا يتعارض ما يتم سنه من قوانين في برلمان وستمنستر مع تلك المواثيق. كما أن البرلمان اضطر للتخلي أيضاً عن سلطاته المطلقة تلك لدي انضمام بريطانيا الي الاتحاد الأوروبي عام ألف وتسعمئة اثنين وسبعين. وهذا يعني أن البرلمان البريطاني عليه أن يتبني القوانين الأوروبية ويطوع قرارته بما يتلاءم معها. 
وكيف هي الحال إذا حدث تعارض ؟ يلجأ الناس للمحكمة العليا لتغير القانون البريطاني. كما هو الحال في قضية شهيرة عرضت علي المحكمة العليا وكانت محل جدل ونقاش شارك فيه المجتمع بأسره . بطل القضية توني نيكلسون رجل من عامة الناس تطلب  يعاني من شلل رباعي وشلل في وظائف أعضاءه الداخلية منذ عام الفين وخمسة لكن "توني"  لا يرغب في الاستمرار في حياته بهذا النمط وفي نفس الوقت هو لا يقوي علي حقن نفسه بحقنة مميتة ولا يقوي علي السفر خارج بريطانية لدولة تبيح القتل الرحيم. القانون البريطاني لا يسمح بالقتل الرحيم وأي شخص يساعد "توني" علي إنهاء حياته بشكل ما يضع نفسه تحت طائلة القانون وعقوبة تصل الي السجن أربعة عشر عاما. خاضت الزوجة "سوزان ماك أرثر" معركة كبري في البرلمان والإعلام والمحكمة العليا من أجل تحقيق رغبة زوجها في أن ينهي حياته علي النحو الذي يرغب بكرامة. اشترك المجتمع باسره في الحوار فريق يدافع وفريق يرفض وثالث علي الحياد وقدم الإعلام فرصة للجميع كي يدلي برأيه ويدافع عن وجه نظره. 
في نهاية المطاف لم تغير المحكمة العليا القانون ولم تجبر البرلمان البريطاني علي اتباع القانون الأوروبي بشكل أعمي. قدرت المحكمة العليا أن عموم المجتمع البريطاني باخلاقياته وتقاليده المحافظة لا يتقبل بعد فكرة تقنين القتل الرحيم لكنها قررت منح إذنا خاصا لزوجة  توني نيكلسون وطبيبه في مساعدته علي إنهاء حياته بعد أن اقتنع القاضي بدوافعه وتقديرا لحالته. 
اعتقد أن لديكم قناعة راسخة الآن أن بريطانيا لا تحتاج الي دستور. 

الاثنين، 19 نوفمبر 2012

عن البنات والاتوبيس والوجع .......





بلهجتها الصعيدية الطفولية جلست تبحث في رأسها الذي يضج بالالم عن اسماء صاحبتها في أتوبيس المدرسة المنكوب في حادث أسيوط ....”نوران والبت فاطمة والبت أروي والبت داليا ..وفاطمة أنا ماعرفهاش بس كانت جنبنا “ ولما ُسألت بتحبي المدرسة؟ قالت لا أنا مش باحب المدرسة ...لكن المهم في المدرسة صحباتها.... تعليقاتها البريئة ...وردودها التلقائية   دقت ناقوسا في ذاكرتي ..واثارت وجعا في قلبي ...اعرف هذا الكلمة تماما سمعتها قبل سنوات وانا اعد سلسلة أذاعية بعنوان “مدرسة للبنات”  من “صفاء” ابنه منفلوط هي  الاخري ... اتذكر صفاء ليس لانها تقاسمني اسمي فحسب ولا لأنها كانت من منفلوط التي تعيش وجعا يدمي القلب ويقهر النفس  لكن لانني اتذكر الدهشة التي شعرت بها عندما جاءت “صفاء”المتفوقة بشهادة الميسرات في مدارس المجتمع ف -جاءت تحكي لي  في ثبات وهدوء عن السر في تسربها من المدرسة وغيابها سنوات طويلة عنها لتعود  فيما بعد ليس لصفوف المدراس الحكومية التي تحظر عودة البنات الي المدرسة بعد أن يتخطين سنا معينا ولكن لمدارس المجتمع التي اقامتها منظمة اليونيسيف بالتعاون مع الحكومة المصرية ..لا اعلم  إن كانت هذه المدارس واتذكر أنها كانت تجربة ناجحة للغاية في مكافحة التسرب المدرسي ـ لا اعلم إن كانت قائمة مازالت أم لا . لكنني  مازالت اتذكر كلمات صفاء : “ أنا رحت أول يوم المدرسة دي لقيت فيها ضرب ...وأنا مش باحب الضرب خالص ...ما حبيتش اروح المدرسة تاني” 
لم يكن عيبا في صفاء التي نجحت بعد ذلك بتفوق والتحقت بكلية الطب وربما تقرأ اليوم كلامي هذا ... كان الخطأ في البيئة المدرسية.. في منظومة القهر والضرب التي تكون في انتظار الطفل وهو يخطو خطواته الاولي نحو المدرسة ...فأما أن تكون علاقة ود وحب وأما أن تكون علاقة قهر ورعب ....لذا شعرت بالفاجعة  والصدمة من تصريحات وزير التعليم في احدي زياراته الميدانية لاحدي مدارس الغربية بأنه يؤيد سياسة الترهيب والترغيب ولا مانع عنده في “ ضرب التلاميذ شريطة ألا يكون ذلك مبرحا أو بالعصا” 
لا اعرف ما هي المنظومة التي افرزت هذه العقلية التي تقر الضرب وهي علي رأس هرم التربية والتعليم ؟ هل درس سيادته الاصول التربوية هل يقبل أن يتعرض ابنه او ابنته للضرب ؟ الا يعلم أنه يقنن بذلك انتهاكا لحق أصيل من حقوق الطفل ؟ 
لا ادري اذا كانت مدارس المجتمع مازالت تعمل في صعيد مصر أم لا ولا ادري هل بامكانها اليوم أن تنقذ” صفاء” واخواتها من مصير القلق والخوف من الضرب الذي اصبح مقننا بمن هو علي أعلي الهرم التربوي في مصر  أو رعبا من المدرسات اللاواتي يقمن بقص الشعر أو يأمرن التلاميذ بتلميع أحذيتهن ....
الصغيرة الناجية من كارثة القطار تحدثت ببراءة تقطع نياط القلوب عن  صاحباتها اللاواتي تعرفهن واحدة واحدة وتتلو اسمائهن بخجل فهي  لا تعرف ماذا ستقول لهن : مش عارفة ح اقولهم ايه” .....ولم نسي في غمار الحياة ماذا تعني صداقة الاطفال البريئة المنزهه عن كل غرض ...عليك أن تستمع الي هذه الصغيرة التي “ لا تحب المدرسة” فهي كالدواء المر بالنسبة لها لكن صاحباتها “ورفيقات الاتوبيس “ هي السكر الذي تضعه علي  الدواء حتي تستطيع أن تبتلعه ...وفي ثماني دول في العالم العربي طفت نجوعها وقراها وأن أعد هذه السلسلة التي اعتبر أنها علامة فارقة في حياتي المهنية والشخصية - كان هذا شعور البنات من اليمن الي سوريا الي المغرب ....”رفقة الصاحبات” هي التي تجعل البنت تحب المدرسة حتي لو كان فيها عوامل طرد أخري مثل الترهيب والضرب ..هذه البنية الراقدة تصارع الالام المبرحة لم تتذكر من المدرسة سوي الصاحبات والرفيقات وهي في الواقع مثلها مثل عشرات الالاف من بنات جيلها - ينحصر حبها للمدرسة في أنها تقدم لها فرصة لتلتقي بصديقاتها وتتعلق بهن لانها تعلم أنها طريقها للملاذ والحماية والحلم بالغد .....
هل ادركتم بعد فداحة ما ارتكبنا ؟ هل عرفتم أننا بالاهمال والتسيب  بعثرنا في لحظة علي قضبان السكك الحديدية  مع اشلاء هؤلاء الاطفال احلام  جيل ...خنقنا فيهم الامان ومواعيد الصحبة البريئة  


السبت، 31 ديسمبر 2011

نساؤنا ونساؤكم

قبل نحو خمس سنوات ..... وفي أوج استخدام النساء في العمليات الانتحارية في العراق والشيشان وغيرها من مناطق في العالم ...قمت باعداد برنامج وثائقي عن احوال النساء فيما يعرف بالجماعات الاسلامية في مصر من الجماعات السلفية وجماعة الاخوان المسلمين وغيرها ... كان الهدف هو تقديم صورة صادقة وواقعية عما تعانيه هؤلاء النسوة من حيف وظلم في غياب الأب والزوج وراء القضبان وكيف يتسني لهن أن يسيرن أمور حياتهن البسيطة من إنفاق علي العائلة والاطفال خاصة وأن بعضهن كما هو الحال في نساء الجماعة الاسلامية وبعض الجماعات السلفية لا يخرجن للعمل لاسباب عقائدية وايدلوجية ....
أقول الحق .. لقد رأيت أحوالا كالاهوال تقشعر لها الأبدان ....حكايات عن رحلات عذاب إلي سجون في بطون الجبال ....أطفال راقدون علي البلاط في أحضان أمهات لا يملكن قوت يومهن .... حملات مداهمات في المنازل تنزع الرجال من وسط عائلاتهم في الفجر وأحيانا إثر العودة من صلاة العشاء .....الكثير والكثير....صورٌ حفرت في ذاكرتي ولن تنمحي ...أحيانا كنت أشعر أنني اصبحت فجأة طاعنة في السن من هول ما رأيت ...... زوجة شابة وأم لستة أطفال قضيت نصف نهار حتي أصل إلي غرفتها علي سطوح بيت متهالك في حي أقل من متواضع روت لي بحسرة كيف أنها كانت تقطن في أرقي احياء القاهرة قبل أن يؤخذ زوجها المهندس إلي قدره المحتوم... لم تكن هناك من تهمة ثابتة عليه ولا دليل إدانة ....وكلما قضي القاضي بالإفراج عنه، طعنت الداخلية في حكم الإفراج ليحتجز من جديد ويرحل إلي السجن ..
كانت هذه الحالات سائدة في التعامل مع أي ممن يشتبه مجرد شبهة في انتمائهم إلي الجماعات الإسلامية ... وأكبر المصائب أن هؤلاء لا يعتبرون سجناء يُرجي أن يتم الأفراج عنهم بعد فترة محددة ، كما تحرم الزوجات في هذه الحالة من أي إعانة تقدمها وزارة الشئون الأجتماعية .... كانت هذه وسيلة نظام مبارك الإجرامية في إدخال هؤلاء في نفق مظلم دون أي بصيص من أمل حتي ولو بعد قضاء عقوبة السجن المؤبد ....هذه الحالات لم تكن فردية بل كانت سائدة علي نطاق واسع وقدرت الجماعات المدافعة عن حقوق الإنسان المصرية والدولية وقتها أن عدد هؤلاء قد يفوق ثلاثين ألفا ؛ سجناء دون محاكمة ......
وقتها لم يرغب أحد حتي في وزارة حبيب العادلي صغيرا كان أم كبيرا أن يرد علي هذه الادعاءات من جانب جماعات حقوق الإنسان حتي ولو من قبيل ذر الرماد في العيون.... لم يسألني أحد من رؤسائي في المؤسسة التي لا يتردد البعض في أن يوسمها بانها "أمبريالية متآمرة"عن مصداقية ما طرحت  .. وروايات النساء اللواتي كن يصرخن في التسجيل بأعلي ما في أصواتهن من الظلم والألم ... لم يكن هناك سوي علامة ذهول من الرقم الذي نقلته عن الجماعات المدافعة عن حقوق الأنسان عن عدد المعتقلين دون محاكمات في مصر ....وسؤال للتأكد من أننا حاولنا مرارا أن نتحدث إلي مسؤولي الداخلية المصرية ( قلبهم فيه الخير) لمواجهة المسؤولين فيها بما تقوله جماعات حقوق الانسان ....عملا بمبدأ الرأي والرأي الأخر ...
...............
يقفز كل هذا .. اليوم وبعنف من الذاكرة ليطرح المفارقة ...كيف يتحدث بل يتبجح هؤلاء الذين كانوا مقموعين بالامس القريب في غياهب سجون مبارك في وجه الليبراليين وجماعات المجتمع المدني وجماعات حقوق الانسان ويتهمونهم بالعمالة للغرب ؟ كيف نسي هؤلاء أنهم عندما كانوا سجناء رأي لم تدافع عنهم دول خليجية ولم تمد لهم يد أمراء العائلات الحاكمة بل كانت جماعات حقوق الانسان هي التي تقف بجانبهم وتضع قضيتهم أمام الرأي العام .....وكان الفكر الليبرالي الذي يرفض أقصاء الأخر هو من يسلط الضوء علي محنتهم.
كيف يمكن للمحسوبين علي التيارات الدينية أن يتحدثوا اليوم ببجاحة وصلف عن فتيات التحرير ويبرروا سحلهن وتعريتهن في الشوارع ويخوضون فيا أعراضهن وقد عانت نساءهن بالامس القريب الامرين من نظام مبارك وأعوانه من قمع وإذلال... حقيقة لا استطيع فهم هذه العقلية ...عقلية من تعرض للتهميش والقمع والاذلال سنوات طويلة لينقلب أول ماينقلب علي اليد التي امتدت إليه ....
لقد كال نظام مبارك علي مدي سنوات طويلة الاتهامات لجماعات حقوق الانسان بالعمالة للغرب وبالتبعية لهذه الجهة أو تلك ولم تتراجع هذه الجماعات في وجه هذه الاتهامات بل كان الاسلاميون علي رأس قائمة مطالبهم الحقوقية .....
كان الليبراليون اشرس من تحدث عن حقوق الآخر وطعن في الحكم "الالهي" لمبارك ... كان البرادعي أول من فتح الباب علي مصراعيه للحديث بجرأة وصراحة عن حاجة مصر للإصلاح والتغيير، واليوم أري أن الأفواه تلوك سيرة الرجل بالباطل في كل شاردة وواردة ... لقد كان إبراهيم عيسي وعبدالحليم قنديل ( اتفق أو اختلف معهما ) وغيرهم ممن يحسبون علي التيارات اللليبرالية في الإعلام المصري أول من رفع صوته لمواجهة آلة مبارك الاعلامية الجهنمية ودفعوا الثمن غاليا واليوم يتجرأ الكثيرون من المتأسلمين علي رميهم بالكفر والالحاد ..... لقد كان حافظ ابو سعدة ونجاد البرعي وعايدة سيف الدولة هم أول من تحدث عن حقوق الاسلاميين الضائعة في عهد مبارك واليوم يتهمون بأنهم جزء من مؤامرة علي استقرار مصر .....وكان الاعلام الغربي " الامبريالي المتأمر" أول من تحدث عن محنة نساء الجماعات الاسلامية" ووضعها تحت الضوء ....واليوم يتهم نفس الأعلام بأنه يتسلط علي مصر ويبتز السلطات فيها بحجة الدفاع عن حقوق النساء في ميدان التحرير ....
يقول الله تعالي في الحديث القدسي "يا عبادي إني حرمت الظلم علي نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا"

الأحد، 11 ديسمبر 2011

فتنة المذيعات

 من يعمل في حقل الإعلام المرئي والمسموع يعرف تمام المعرفة أن هناك نوعًا من ضيوف البرامج يحاول دوما فرض شروط على البرنامج أو مقدمه أو معديه... إما بطلب تغيير الضيوف المصاحبين له أوالانفراد بالبرنامج أو حتي بتغيير نمط البرنامج أو فرض أجندة معينة عليه أو طرح القضايا من منظور مخالف للتوجه المطروح سلفا...
وفي مرحلة الاعداد للبرامج غالبا ما تجري نوع من المساومات والمفاوضات بداية من محاولة معرفة الأسئلة سلفا وانتهاء بمحاولة فرض ضيوف معينين على البرنامج .... كل هذا قد يكون مشروعا من وجهة نظر الضيف كي يخرج بأكبر قدر من المكاسب الإعلامية وبأقل خسائر ممكنة.... لكن معد ومقدم البرنامج في هذه الحالة هو الثابت... أو يفترض أن يبقى كذلك... فليس من العدل مثلا تغيير طبيعة البرنامج أو نمطه أو كسر قواعد مهنية من أجل ضيف ما والتشبث بنفس هذه القواعد المهنية مع ضيف آخر. فالفنان محمد صبحي عندما دعوته للاشتراك في برنامج يقوم على الحوار مع طرفين آخرين رفض أولا الظهور في البرنامج مع ضيف بعينه ومن ثم طلب صراحة الانفراد بوقت البرنامج كشرط للظهور وهو ما رفضته وشرحت له أن طبيعة البرنامج تقوم علي الحوار مع الاطراف الأخرى وفي النهاية لم يشارك في البرنامج لكن تم تسجيل الحلقة عن نفس الموضوع دون مشاركة الفنان محمد صبحي الذي ليس لدي أي شك أن وجوده في البرنامج كان سيصبح إضافة له لكن الثبات على المبدأ كان بالنسبة لي وللمشرف على البرنامج أهم..

وحدث شيء مماثل مع الأستاذة نوال السعداوي التي طلبت أن تتحاور مع شيخ الازهر كشرط في اشتراكها في البرنامج... كانت وجهة نظرها أنها تحتاج إلى شخص على نفس المستوى العقلي والثقافي.. وباءت محاولاتي لإقناعها بالاشتراك في البرنامج بالفشل واضطررت لتغيير موضوع البرنامج برمته.... واعتقد أنها لم تنس لي أبدا هذا الموقف وترفض حتى اليوم أن أجري معها أي حوار... أحترم السيدة وأحترم رأيها واختياراتها لكني لم اندم على احترام قواعد مهنتي كما أرها وافهمها..

فعلى الرغم من أن الظاهر أن البرنامج يحتاج إلى ضيوف يضيفون إليه ويثرونه ويكون بالتالي محل نقاش في الدوائر الاعلامية إلا أن الواقع يؤكد أن ضيف البرنامج في الواقع هو الذي يحتاج هذه الفرصة (المتمثلة في الظهور الاعلامي) في التعبير للجمهور عن قناعاته وشرح وجهة نظره.. مجرد إدراك هذه الحقيقة هي مكمن قوة الإعلام... هذا بالطبع إذا ما أدرك القائمون عليه ذلك.. 

لكن يبدو أن هذه الحقيقة غابت عن الكثيرين من الإعلاميين في مصر في الآونة الأخيرة وخاصة من المذيعات... فإحداهن قامت بإجراء حوار مع أحد الإسلاميين من وراء ستار وقدمت للفقرة على اعتبار أنها "سابقة" في تاريخ الاعلام!! والثانية سمحت لتدخل من ضيف برنامجها بالتعليق على ملبسها كونها سافرة وأنها على الرغم من ذلك فهي "كويسة ومحترمة"... والثالثة ارتدت حجابا لمجرد أن ضيف البرنامج السلفي اشترط ذلك.. فبعثت إليها إدارة التلفزيون الرسمي خطاب شكر على مهنيتها!! 

المشكلة بالطبع ليست في الحديث من وراء ستار أو ارتداء الحجاب أوخلعه فكاتبة هذه السطور. كانت أول من طرح قضية منع المذيعات اللاتي ارتدين الحجاب من الظهور علي شاشات التلفزيون المصري علي أساس أن للانسان الحق في أن يرتدي ما يشاء طالما أنه يتسق مع قناعاته الاخلاقية وطالما أن ذلك ليس نشازا عن المجتمع الذي يحيط به....
لكن المشكلة في أن المذيعات خضعن لشرط مسبق من ضيوف البرنامج وبدون مبرر مهني مقبول.... وهذا الشرط إما أنه جاء في إطار مزايدات للحصول على ما بدا أنه سبق صحفي رغم أن الواقع ينافي ذلك (فالضيوف الثلاثة يدلون بتصريحات بمعدل تصريح كل ثلاث دقائق) أو انه جاء من قبيل الإثارة الصحفية والفرقعة...أوإنه جاء لإرضاء شريحة ما من الآراء الرائجة في الشارع على طريقة الجمهور عاوز كده....

أنا لن أطرح هنا أسئلة بديهية عن تزلف بل وزيف الضيوف الثلاثة من قبيل: ألا يرى هؤلاء الضيوف نساء غير محجبات في الشارع ؟ هل كان سيطلب الضيف من كريستيان امنبور او برباره والترز ارتداء الحجاب قبل أن يقبل أن تجري معه لقاء؟ وهل لو التقى احدهم -والثلاثة يزعمون أنهم يشتغلون بالسياسة- لو التقى مثلا هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الامريكية هل سيطلب منها أن تتحدث من وراء ستارة ؟؟؟ 

وأعود للقول إنه ليست القضية في أن يحاول الضيوف استغلال برنامج ما لتمرير رسالة معينة ولكن القضية في الإعلامي أو الإعلامية الذي يسمح أن يكون مجرد كوبري تمر من فوقه هذه الرسالة...القضية في الأسباب التي تجعل المذيعات يقبلن أن يكون مظهرهن محل نقاش وتفاوض مع ضيوف برنامج أي برنامج... 

اتباع هذا الأسلوب له آثاره السلبية جدا بل هو مؤشر خطير في الإعلام المصري سواء الرسمي أو الخاص..... فالبرنامج بدلا من أن يكون موضوع النقاش فيه الأسئلة التي ستوجه للضيف وكيف سيجيب عليها أصبح محوره ملبس المذيعة أو حديثها من وراء الستارة.... والمذيعة بدلا أن تكون هي التي تمسك بزمام الأمور وتتطرح الأسئلة بل وتحرج الضيف أصبحت هي المتحرجة المعتذرة عن مظهرها، وهو ما يفترض أنه شيء ثانوي في القصة برمتها. وفي الحالة الثانية اقحمت المذيعة -التي احترمها جدا بالمناسبة- اقحمت سؤالا من الجمهور عن شرعية تحاور ضيفها مع مذيعة سافرة!! 

مؤشر يدل مع الأسف علي فقدان مصداقية الإعلامي لدى نفسه قبل أي شخص.. فصاحب برنامج ينبغي أن يكون مخلصا لقناعاته المهنية أولا واثقا من نفسه ومن اختياراته ثانيا حتى يكون له بالتالي مصداقية لدى المتلقي... فخلط العام بالخاص ما هو مع الأسف إلا دليل على ضعف المستوى المهني وضعف الثقة بالنفس....
وسؤال أخير هل يمكن أن نتخيل أن يطلب أوباما مثلا من مذيعة محجبة مثلا أن تخلع الحجاب قبل أن يجري معها لقاء؟؟ والسؤال الأهم هل ستقبل المذيعة المحجبة ذلك لمجرد أن تفوز بلقاء مع رئيس أكبر دولة في العالم؟؟